شريط الأخبار

إلَى جُندي .. قصيدة للشاعر الفلسطيني إيهاب بسيسو

03:48 - 20 حزيران / أبريل 2009

كُلمَا تَمدَّد المَسَاءُ

و جَاءَ الليلُ بِوجهِكَ المَعدَنيّ ...

صَعَدنَا قمَة الرُّوح ِ

لنُعدَّ الوَقتَ

للمُوَاجَهَة ...

 

تَوقَّفْ قليلاً قبلَ أَن تُوقِدَ من ظِلّك ليلاً

يُمطرُ في الأزقة ... غبارًا و شَظَايَا

وعُدْ بِذَاكرَتكَ إِلَى المِرَآة ...

رُبَّمَا تَرَى جَدَّتَك تَئنُّ من البَردِ وهِي تَعُدُّ أَطفَالَها

النَّاجينَ من المَحرَقة ...

رُبَّمَا تَرَى وَجهَكَ قد شَاخَ عِشرينَ خَرِيفًا

كُلمَا أطلَّ القادِمونَ مِن مَوتِهم ...

                                       فِي عَينَيكْ ...

 

أَعدْ تَفاصِيلَ وَجهكَ للمِرَآة ...

وأَدخِلْ مَلامِحَكَ مِن ثُقوبِ البَعيدِ

خَلفَ الأُفُقْ ...

رُبَّمَا تُطلُّ جَدَّتُكَ من سَفَرِ الدُّخَانْ

تَتَقاسَمُ الخُبزَ مَع أُمِّكَ الصَّغيِرَة

رُبَّمَا كَانَت تَبحَثُ عَن فَضَاءٍ

لا يَصنَعُ فِيه البَارودُ قُبّة الخَوفِ

فَوقَ رَأسِ الخَارِجينَ مِن ضَبَابِ المَحرَقة ... 

 

هُنَا ... عَلَى بُعدِ سَماءٍ صَافِيَةٍ و بَحرْ

شَقَّ النَّاجونَ الفَضَاء بِثوب مِنَ الخَطَايَا

وتَزَاحَموا في قلاعِ النُّحاسْ ...

لتكبُرَ الخَطيئةُ اسماً ... يَمضَغُ مِنَ البَحرِ مَوجَتَين ...

ومِنَ الأَرضِ سُنبُلتَين ...

                               ومِنَ السَّماءِ فَراشَتَين ...

هُنَا ... جَاءَ مِيلادُكَ

عَلَى طَرِيقٍ أَصبَحَ يَفصِلُ بَينَ شَجَرَتَين ...

ومِئَاتِ القُبَلِ الضَّائِعةِ عَلَى الحَصَى المُدَبَّبْ

هُنَا ... وُلدتَ بَينَ نَهرَينِ مِن دَمع ٍ و دَمْ

كَي يُصبِحَ مَطرُ النَّاجينَ عُرسَاً إِلَهيّاً ...

                                             وتَمتَدُّ الأَرضْ ...

 

كَي تَركُضَ عَلَى امِتدَادِ حُلمِكَ ...

وعَلَى امتدِادِ النَّحاسْ ...

وعَلَى امتدِادِ عِشريَن قَريَة ً

ومِائتي بَيتٍ ...

و أَلفِ جَنَازَة ٍ ... لِعَصافِيرَ غَابَتْ فِي الرَّمَادْ ...

 

هَل سَأَلتَ النَّاجِينَ ...

كَيفَ دَاسوا السَّنابِلَ كَي تَلتَئِم جِرَاحُهُم ...

كَيفَ صَلَبوا البَلابِلَ عَلَى أَفرُعِ الكِنيا

                    و نَثَروا أَفئِدة العَصَافِيرِ فِي مَهَبِّ الرَّيحْ ...

هَل سَألتَ النَّاجينَ ...

كَيفَ أَصبَحتَ طِفلاً يُحِبُّ لُعبةَ الرَّصَاصِ

و اللَّونِ الأحمرْ ...

رُبَّمَا كُنتَ تُحِبُّ الزَّنَابِقَ والشَّمسْ

ولّهوّ الصِّبيَةِ بصَدفِ البَحرْ ...

رُبَّمَا كَانَ لكَ كَالأَطفالِ عُرسٌ مِن شُموع ٍ وهَدَايَا

كُلَّمَا ازدَادَ طُولُكَ عَن وَثبَةِ فَرَاشَة ْ ... 

 

هَل سَألتْ ...

مَن كَانَ يَحقِنُ رَأسَكَ ... أَنَّ السَّنَابِلَ لا تَعرِفُ لُغَةَ الشَّمسْ

وأَنَّ البّلابِلَ لا تُجيدُ الغِنَاءْ

وأَنَّ الدُّورِيَّ الجَيِّدَ ... هُوَ الدُّورِيُّ الذّي يَحيَا فِي قَفَصِ حُلمِكْ ...

وأَنَّكَ كَي تَحرُسَ حُلمَكَ مِن هَذَا الفَضَاءْ ...

لا تَأمَنُ النَّورَسَ ...

                      كَي لا يَبتَلِعَكَ البَحرْ ...

 

للنَّاجينَ ذَاكرَةٌ مِن شَمعْ

أَذَابُوهَا فِي مَعجون ِالرَّصَاصْ ...

وجَاءوا بِوُجوهٍ نَحَتَتْ مَلامِحَها

مِن صُرَاخ ِ الوَاقِفِينَ عَلَى بَوَّابَةِ المَحرَقَة ...

هُنَا ... نَسِيَ النَّاجُون ذَاكِرَةَ اللَّيل ِ الطَّويل ِ

في مَمَرَّاتِ انتِظَارِ المَوتْ ...

لِتُصبَحَ السَّنابِلُ هُنَا ... قُربَانَاً للنَّسيَانْ ...

و لِيُصبَحَ الدَّمُ قُربَانَاً للدَّمْ ...

 

ما بَينَكَ و بَينَكْ ... طِفلٌ فِي غَزَّة

يُحاوِلُ إضَاءَة قِنديلٍ في وَجهِك اللَّيلِيَّ

المَحقونِ بالرَّصَاصْ ...

هل رَأيتَ في عَينَيه غيَابَ كتَاب المَدرَسَةِ

وقَلَم ِالحِبرِ ... و كُرَّاسَةِ الرَّسم ِ ...

والوَاجِبِ اليَومِيِّ ...

 واحتِفَال ِ بدَايَةِ العَام ِالدِّرَاسيِّ ...

ونِهَايَة ِ العَام ِ الدِّرَاسيَّ ...

وغيَابَ بَحرٍ دَافِئ ... و شَاطِئ ِ لحُلُم ٍ يُشَيَّدُ

كَقَصر ٍ مِن رِمَالْ ...

هَل قَرَأتَ فِي عَينَيهِ اشتِعَالَ رَصَاصِكْ ...

لَكَ طفلٌ يَكبُرُ لَيس بَعيدَاً عَن فُوَّهَةِ بُندُقيَّة ...

يَتَعَلَّمُ لُغَةَ البَارودِ ... فِي وَقت الطُفولَةِ الإِضَافِيّْ

خَارِجَ مَسَاحَةِ اللَّعِبِ ... و كُرَّاسَةِ الرَّسم ِ ...

طِفلُكَ يَخشَى اللَّهوَ بَعيدَاً عَن سَنَوات عُمرِه ِالضَيِّقَة

يُطارِدُه حِصَارُك ... يُطارِدُه حِصَارُه ...

كُلَّمَا غَاصَتْ مَلامِحُه في حِذَائِكَ السَّمِيك

وذَابَ صَوتُه في نَعيقِ رَصَاصِكْ ...

طِفلُكَ الذّي انتَظَرت ... لَمْ يَنضُجْ بَينَ يَدَيكَ عُصفُورَاً

بَل شَاخَ غُرابَاً ... يَخشَى اليَاسمين في غَزَّة ...

يُؤرِقُه عُصفورٌ يُحاولُ الخَلاصَ مِن بِركَة الدَّمْ ...

وَجهُ طِفلِكَ عُمرٌ يَحترِقُ في التِماع ِالرَّصَاصْ ...

كُلَّمَا صَارَ البَارودُ بَوصَلةَ اتَّجاه ٍ للرَّمَادْ ...

 

مَا بَينَ طِفلِكَ وبَينَك

يَاسَمينٌ يُذبَحُ في غَزَّة

وفَرَاشٌ لا يُضِئ

ولَيلٌ يَتَعَثَّرُ في جَنَازَة ِ العَصَافِيرْ ...

مَا بَينَ طِفلِكَ و بَينَك

ظِلٌّ أَسوَدُ للذَّاكِرَة ...

وطُرُقات تَتَصَفَّحُ النَّوافذَ كُلَّ صَبَاحْ

ونَهارٌ بِلا ذِرَاعَين أَو جَسَدْ ... يَقرَأُ غِيَابَ الفَرَاش ِ

وذَاكِرَةَ اليَاسَمين ِ العَابِرِ فِي كَفنْ ...

 

تَوقَّفْ قَلِيلاُ قَبلَ أَنْ تُشعِلَ فِي لَحم ِالَعصافِيرِ ...

                                                مَذَاقَ مَجزَرَة ...

هُنَا ... الأَزِّقَةُ لَنْ تَأتِي إِلَيكَ بِخُبزِهَا و مَائِهَا و ثِيابِهَا المُزَركَشَة ...

لَن تُقَدِّمَ لَكَ العَصَافيرُ أعشَاشَهَا ... و صِغَارَهَا

عَلَى بِسَاط ٍ مِنَ الأَجنِحَة

                         دُونَ دَم ٍ أَو دُمُوعْ ...

كُلَّمَا عَبرتَ خَارِطَةَ الحُزن ِ بَينَ عُصفورَين و يَاسَمينَة

سَنَجدُ طُيورَ الدُّورِيِّ تَنهَضُ مِن الحُطَامْ

كَبَقَايا حَكَايا لَم تجفّ عَلَى الشِّفاه ...

سَتَجِدُ الجُدرَانَ لَمْ تَزَلْ تَحتَفِظُ بِنَكهَةِ اللَّحم ِالمُحترِقْ

والنَّورَسَ الجَريحَ ... يَملأُ صَدرَهُ مِن بَحر ٍ شَتَوي ...

 

فَلا تَقتَرِبْ ...

كَي لا يَراكَ طِفلُكَ فِي ذَاكِرَتِه فَقَط

                                       حِينَ يَكُبرْ ...

هُنَا ... لَنْ تُعطيكَ الخَوذَاتُ مَذَاقَ انتِصَارْ

ولَنْ تُعَلِّقَ الشُّرُفَاتُ أحزَانَهَا عَلَى فُوَّهَةِ بُندُقيَّتِك

سَتَحتَفظُ الأَزَّقَةُ بِصِغَارِهَا ...

كُلَّمَا مَرَّ قّمَرٌ نَثَرتْ أَسمَاءَهُم فِي عَينَيه

كَي يَعودوا فِي شتَاء الغَيم ... مَع مَطَرِ الذَّاكِرَة

يَغسِلُون ثِيَابَهُم المُبَلَّلَة بِالدَّمْ ...

                             عَلَى إِيقَاع ِ المَوج ِ و شَمس ِ البَحرْ ...

لَملِمْ حِصَارَك فِي عَتمَةِ النُّحاسْ

فَلَنْ يُعطِيكَ الوَقتُ المَسكونُ بالبَارودِ حُلمَاً إِضَافِيّاً

                                                مِن دَم ِالسّنَابِلْ ...

 

خَلفَ كُلِّ جِدَارٍ مُحَاصَرْ ...

امرَأَةٌ تُعدُّ الخُبزَ و إِبريقَ الشَّاي

لِنَهارٍ يَتَشَكَّلُ عَلَى كِيس ِ الرَّملْ ...

      

انشر عبر