شريط الأخبار

كلمة السر للخلاص: إعادة الاعتبار للمشروع الوطني ..هاني المصري

08:59 - 19 حزيران / أبريل 2009

ـ الأيام 19/4/2009

 يكفي الفلسطينيين الـمتقاتلين عاراً وخزياً فضيحة فرار حوالي 200 من عائلة حلس ومن أهالي حي الشجاعية الى إسرائيل التي استقبلتهم باعتقال زعيمهم وإطلاق الرصاص عليهم؛ ما أدى الى سقوط أربعة قتلى منهم، وبتعريتهم من ملابسهم باستثناء ملابسهم الداخلية على مرأى ومسمع من العالـم كله، الى ان صدر القرار الإسرائيلي الذي سمح لهم بالبقاء وبعد ذلك حرية الذهاب الى رام الله أو العودة الى غزة، ونقل الجرحى الى الـمستشفيات الإسرائيلية. السؤال هو: ليس لـماذا هربوا الى العدو ؟؟ وإنما لـماذا نشأ وضع يضطرهم الى الهرب الى العدو؟ وما يعنيه ذلك من إنهم يعتقدون ان الاحتلال بات ارحم عليهم من بني جلدتهم وأشقائهم!!

وفي الوقت الذي كنا فيه بانتظار إطلاق الحوار الوطني الشامل، وقعت جريمة شاطئ غزة، وأطلقت الاتهامات والاتهامات الـمضادة، وشنت الحملات والحملات الـمضادة في غزة والضفة الغربية، ثم وقعت "الحملة الأمنية" على حي الشجاعية التي تدل على ان سلطة "حماس" رغم أنها أدركت أنها تعيش في مأزق بعد ان توصلت الى تهدئة مقابل تهدئة دون رفع الحصار وفتح الحدود والـمعابر، ودون الحصول على الشرعية الإسرائيلية والعربية والدولية، اختارت بدلا من تليين موقفها إزاء الحوار والـمصالحة الوطنية الهروب للإمام وقمع خصومها وتعزيز سيطرتها على قطاع غزة، لأنها لا تزال تراهن على ان الوقت يعمل لصالحها.

ان أي وحدة الآن تعني ان "حماس" مطالبة بإنهاء سيطرتها على قطاع غزة، قبل أو أثناء أو بعد الحوار بدون ان تضمن شراكة حقيقية في السلطة والـمنظمة والقرار الفلسطيني، في حين ان الوحدة إذا قامت بعد ستة اشهر أو عام يمكن ان تمكنها من الحفاظ على سيطرتها على قطاع غزة والـمشاركة في السلطة في رام لله تمهيدا للـمشاركة في الـمنظمة. فـ"حماس" تريد ان تعزز سلطتها في غزة الى درجة يصبح معها إنهاء هذه السلطة عمليا مستحيلا حتى لو تم الاتفاق على ذلك في إطار اتفاق وطني شامل يعقد برعاية عربية، أما إذا كانت "حماس" و"فتح" تريدان تحقيق الـمصلحة الوطنية وليس مصالحهما الفئوية، لتوقفا عن الاقتتال على سلطة تحت الاحتلال ووافقا على برنامج وطني يقوم على شراكة وطنية تعطي لكل ذي حق حقه بدون، هيمنة ولا تفرد ولا إقصاء ولا تخوين ولا تكفير.

فـ"حماس" لا تزال تراهن، رغم ان رهانها على التهدئة أوصلها ان تكون حارسا للاحتلال دون رفع الحصار، على استمرار فشل الـمفاوضات الذي تعتقد أنه سيصب في مصلحتها، كما تراهن على فوائد ذهاب اولـمرت ورحيل بوش وعلى التغييرات الإقليمية والدولية الـمتوقعة خصوصا ان "فتح" غريمتها ومنافسها الرئيسي، لـم تستطع حتى الآن، ان تلـملـم شتات نفسها بعد الهزائم التي لحقتها في الانتخابات التشريعية، وفي معركة السيطرة على غزة. ويخطئ من يعتقد ان "حماس" تريد إمارة إسلامية في غزة فقط، وإنما تنظر الى غزة كنقطة انطلاق للسيطرة على كل الأراضي الـمحتلة، وعلى الـمنظمة والقرار الفلسطيني للتفاوض بعد ذلك مع إسرائيل أو للتحارب معها من موقع مختلف. في هذا السياق نضع التهديد الذي أطلقته "حماس" مرتين خلال الأسبوع الـماضي بان ما حدث في غزة من حسم أدى الى سيطرة "حماس" سيحصل في الضفة.

أما السلطة فأنها لا تزال تراهن على الـمفاوضات رغم اتضاح إنها تراهن على حصان ميت، كما تراهن على سقوط سلطة "حماس" تحت الحصار، كما أخذت تراهن على سورية، وعلى أن تطور الـمفاوضات السورية ــ الإسرائيلية سيجعل سورية تبتعد عن "حماس" وتقترب من السلطة.

ان "حماس" التي تهدد بالحسم العسكري بالضفة تنسى ان استخدام العنف بحل الخلافات الداخلية مدان ومرفوض مهما كانت الـمبررات، لأنه مدمر للقضية الفلسطينية، ومدمر لـ"حماس" أيضا وتنسى "حماس" ان واقع الضفة مختلف تماما وذلك للأسباب التالية:

أولا: ان الاحتلال لا يمكن ان يسمح بسيطرة "حماس" في الضفة قبل ان تستطيع إسرائيل ان تعقد صفقة مع "حماس". وثمن هذه الصفقة غال جدا اشك بقدرة "حماس" على دفعه.إذا كانت إسرائيل لـم تستطع ان تتعامل مع سلطة برئاسة أبو مازن وسلام فياض فكيف ستتعامل مع سلطة تقودها "حماس". مطلوب من "حماس" ان تعترف بإسرائيل، بل بحقها بالوجود أيضا، وأنها دولة يهودية، ونبذ العنف والإرهاب، والالتزام بالاتفاقات التي عقدتها الـمنظمة مع إسرائيل.

ومطلوب من "حماس"، وهذا هو الأهم والرئيسي ان توافق ان تكون سيطرتها القادمة على البقايا التي سيتركها الاحتلال في الضفة، وهي الـمناطق الآهلة بالسكان والتي تشكل 40%. فهل بمقدور "حماس" أن توافق على مثل هذه الصفقة.

ثانيا: ان تواجد السلطة وحركة فتح في الضفة هو الـملاذ الأخير، لذلك لن تتنازل أو تهزم بسهولة بل ستقاتل قتالا جديا. وما يعطي لهذا العامل أهمية ان السلطة من أكثر من عام تشن حربا لا هوادة على حركة حماس وبنيتها التحتية في الضفة، لا تقل ضراوة عن الحملة التي تشنها إسرائيل عليها.

ثالثا: ان العناصر والقوى والجماعات في "فتح" وخارج "فتح"، وفي أوساط الـمستقلين الذين دعموا"حماس" في الانتخابات الأخيرة. أو وقفوا على الحياد في الـمعارك التي تلتها، باتت تخاف من نموذج السلطة التي تفرضه "حماس" في غزة، ويمكن ان تفرضه في الضفة إذا سيطرت عليها "حماس"، لذا فان قسما واسعا من هذه الـمعسكر أصبح في الـمعسكر الـمناهض لـ"حماس"، وان لـم يقف بالضرورة في معسكر "فتح".

أحد عشر قتيلا و107 جرحى و200 معتقل وحوالي 200 من الفارين الى إسرائيل والدمار الذي لحق في البيوت والنفوس لا تكفي لإشعال كل الأضواء الحمراء، لان الصراع ما دام صراعا على السلطة تحت الاحتلال سيبقى مستمرا حتى تنتصر احدى القوتين أو تظهر قوة ثالثة قادرة على استلام زمام الأمور، وسيبقى هذا الحال على هذا الـمنوال حتى تتم إعادة الاعتبار للـمشروع الوطني الفلسطيني الذي يبدو انه الغائب الأكبر. لقد تمت التضحية بهذا الـمشروع على مذبح اتفاق اوسلو وملحقاته التي نصت على الفلسطينيين التخلي عن الـمقاومة وبعثرة كافة أوراق القوى والضغط التي يملكونها، بينما احتفظت إسرائيل بحقها باستخدام القوة والعدوان والتوسع الاستيطان واستكمال سياسة فرض الحقائق على الأراضي بمعدلات اكبر وأسرع من أي فترة سابقة.

بدون إعادة الحياة للـمشروع الوطني، لا يمكن ان تبرز الحاجة الـماسة للوحدة الوطنية، ولا يمكن ان يصبح الـمشروع الوطني سيد الـموقف بدون اعتماد خيار الـمقاومة الـمستند الى برنامج سياسي وطني واقعي ديمقراطي قادر على دحر الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال، وليس الذي يستخدم الـمقاومة كأداة في صالح مشروع فئوي فالـمقاومة توحد والسلطة تفرق!!!.


انشر عبر