شريط الأخبار

ثلاثية نتنياهو ..علي عقلة عرسان

12:04 - 18 آب / أبريل 2009

 

نتنياهو يريد أموراً ثلاثة معلنة: السلام الاقتصادي، ودايتون قوي، واعترافاً فلسطينياً بيهودية الدولة العبرية.. لكي يحرك لسانه بالكلام مع الفلسطينيين حول.. حول لا شيء. وبعض الفلسطينيين معنيون كثيراً بالكلام حول هذا الـ " لا شيء" مع نتنياهو وليبرمان وأي غراب إسرائيلي يرفرف فوق رؤوسهم، لكي لا يثبُت لهم أن الطريق التي سلكوها والأعمال التي مارسوها والمفاوضات التي أجروها، منذ "أوسلو" عام 1993 وحتى اليوم، هي فشل كامل وخدمة مجانية لمشاريع العدو المستمرة في الاستيطان والتهويد والتسلح والقتل والملاحقة.. إلخ، ولكي لا يثبت على أي وجه من الوجوه أن ما قاله معارضوهم من الفلسطينيين والعرب في هذا المجال صحيحاً، وأن المقاومة يجب أن كون خياراً مشروعاً إلى جانب أي خيار آخر.. والفلسطينيون المعنيون بالكلام حول لا شيء ليسوا وحدهم في هذا التوجه فهناك عرب معهم، وغربيون يدفعونهم دفعاً في هذا الاتجاه.

وما يطلبه نتنياهو جلي:

1 ـ فـ " السلام الاقتصادي" وصفة صهيونية جديدة لخنق فلسطيني كامل وتطبيع عربي شامل، على أرضية ابتزاز الفلسطينيين الذين هم في وضع الرهائن لدى " إسرائيل" منذ عقود من الزمن.. يضطرون إلى العمل لدى الكيان الصهيوني لإنجاز كل ما يهدم مستقبلهم ودولتهم المنتظَرَة: " يقيمون المستوطنات وجدار العزل وتهويد القدس ويزرعون ويخدمون الاقتصاد  الصهيوني و..و..إلخ، مقابل طعام وصمت وتنازلات، وعلى "سلطتهم" تصدير "السلام الاقتصادي" إلى دول عربية وإسلامية أخرى والترويج له بجهود فلسطينية مبرمجة تثبت أن الفلسطينيين شركاء في عملية السلام التي ستأتي بنتائج إيجابية، بعد مجيء غودو والمسيح الدجال.. وذلك عندما لا يبقى شيء من فلسطين ولا عزم للفلسطينيين.. إن استطاع لصهاينة إلى ذلك سبيلا.

2 ـ و" دايتون قوي" تعني تفعيلاً جدياً قوياً للمشروع " الفتنة" الذي بدأ العمل علية منذ سنوات لكي تنجز الفقرة أو الخطوة الأولى في خريطة الطريق، أي " القضاء على الإرهاب الفلسطيني"، وهو عملياً القضاء على المقاومة الفلسطينية وعلى أية معارضة لأوسلو، وتقوم بذلك السلطة الفلسطينية بقوة فلسطينية يشرف على تدريبها الجنرال الأميركي كيت دايتون، المكلف بقيادتها وتدريبها وتأمين المال الذي يصرف عليها، وذلك بتنسيق تام مع الكيان الصهيوني تحت شعار بسط  سلطة " السلطة" على الأرض.. وهو مشروع الحرب الأهلية الفلسطينية ـ الفلسطينية المطلوبة إسرائيلياً وأميركياً وأوربياً الذي فوَّته الرئيس عرفات على نحو ما بعد أن كاد يغرق فيه، وهو قوة الملاحقة الفلسطينية للمقاومة الفلسطينية التي جُربت أول ما جربت في منطقة الخليل بعد تخريج دورتين تدريبيتين في الأردن، ونجحت في الاختبارات الأولى باكتشاف أنفاق وقتل مقاومين فلسطينيين وتسليم آخرين لإسرائيل، وكل ذلك بتنسيق تام مع الأمن الإسرائيلي وبإشراف الجنرال الأميركي دايتون. إن "دايتون قوي" تعني تماماً الملاحقة المستمرة لأي فلسطيني يقاوم الاحتلال ويرفض التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حق العودة، ويرفض ما يطلبه الكيان الصهيوني من المفاوض الفلسطيني... فغلوب باشا الجديد مكلف بتسليم الإرادة الشعبية الفلسطينية للعدو الصهيوني منهكة ومفتتة، بل منهارة تماماً ومستسلمة، كما سلم غلوب باشا، قائد الجيوش العربية في حرب 1948، أرض فلسطين 1948 للصهاينة شبه فارغة من المقاومة. إن " دايتون قوي" مشروع مروِّع لكل مقاوم فلسطيني أصيل يتمسك بحقوقه ووطنه ومقدساته ولا يزحف على بطنه وراء سراب السلام الفارغ من أي حق وعدل ومضمون، وهو كذلك لدى كل ربي يدم الحق الفلسطيني في الحرية والتحرير.

ـ ويهودية الدولة، أو ما عبر عنه نتنياهو لجورج ميتشل مساء الخميس 16/4/2009 «ينبغي على الفلسطينيين أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية بكل ما في ذلك من معنى». وذلك يعني، كما عبر عنه المقربون من نتنياهو، "تخلي الفلسطينيين عن حق العودة، وإيجاد سبيل للتعامل مع المواطنين العرب في إسرائيل بشكل لا يسمح بنشوء «حماستان» أخرى. ".! أو هو وفق تصريحات ليبرمان العنصرية الإرهابية المكشوفة بفجاجة ووقاحة.. ترحيل عرب الجليل والمثلث والقدس..إلخ من أرضهم لتوفير بيئة يهودية صافية "نظيفة" من العرب. وهو الشعار العنصري القذر ذاته الذي تحرك تحته الصهاينة يوم الخميس الماضي، السادس عشر من نيسان 2009، في القدس تحت سمع " جيشهم الأخلاقي؟!" وبصره، للوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، أو كما قالوا: "تحريره من العرب والمسلمين"، أو من "احتلال العرب والمسلمين له وللقدس"؟! وهي المدينة العربية التي أسسها العرب اليبوسيون ـ الكنعانيون عام 3400 قبل الميلاد، أي قبل مجيء موسى باليهودية بما يقرب من ألفي سنة، ولم يخرجوا منها أو يخلوها أبداً منذ ذلك التاريخ.. هي يبوس العربية، وهي أور سالم، وهي إيلياء " إلينا كابيتولينا" كما سماها الإمبراطور الروماني هدريان الذي طهّرها من اليهود للمرة الثالثة، وهي القدس التي رفض مطرانها المطران صفرونيوف الدمشقي، حين سلم مفاتيحها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن يساكنهم فيها يهودي، وهو ما تضمنته العهدة العمرية.. وهي القدس التي لم يسكنها يهودي طوال أكثر من ألف سنة، إلى أن سمح صلاح الدين الأيوبي ليهود أن يسكنوا فيها؟ هي التي ينال سكانها العرب من التنكيل بهم ما ينالونه على يد اليهود اليوم، وتُهدم بيوتهم ويُضيَّق عليهم في عيشهم، وتُقتحم عليهم مقدساتهم، ويمنعون من العودة إلى مدينتم إذا ما خرجوا منها في سفر.. وكل ذلك لكي يرحلوا عنها وتفرَّغ منهم.  فأي عدوان، وأية وقاحة يهودية ـ صهيونية نواجه بها اليوم ويواجه بها سكان القدس، وأي تخاذل عربي يترك المدينة المقدسة وأهلها نهباً للأشرار والفجار أعداء الحق والعدل والإنسانية؟.. وأية تعابير إرهابية عنصرية إجرامية دموية تسيل من أفواه اعتادت الكذب والافتراء وارتكاب الجرائم بحق الناس وقتل الرسل والأنبياء.. أية تابير إجرامية نسمعها ويسمعها العالم ويسكت؟! وأي مستقبل ينتظر الفلسطينيين في القدس خاصة وفي فلسطين عامة على أيدي إرهاب العنصريين في دولة إرهابية؟ وأي موقف يقفه العرب والمسلمون من هذا المد الهمجي العنصري اليهودي.. نعم اليهودي الغث المقيت، في فلسطين وطن العرب المحتل، وفي القدس عاصمتهم الروحية الدائمة وعاصمتهم الثقافية لهذا العام2009!؟

هذه هي لعبة نتنياهو الماكرة أو ثلاثيته السياسية التي سيمر وقت طويل مطلوب استراتيجيا ولوجستياً لاستكمال التهويد والاستيطان، قبل أن يبدأ أو يُستأنف التفاوضُ العقيم، مع الفلسطيني المختار إسرائيلياً لذلك الغرض، لينتهي التفاوض إلى.. لا شيء.. وإلى كلمات تفيض افتراء: "لا يوجد شريك فلسطيني".؟! 

لقد أعطت إدارة أوباما الملتزمة كلياً، مثلها مثل سابقاتها من الإدارات الأميركية بأمن إسرائيل،حليفتها " إسرائيل" التي تجري معها المناورات وتمول تطويرها للصواريخ والأسلحة المختلفة، أعطت لنفسها أربعة أعوام تتكلم فيها عن حل الدولتين لشعبين، وهذه مدة كافية لحكومة نتنياهو لكي تنجز ما هو مخطط له من استيطان وتهويد وترحيل " ترانسفير".. وبعدها يأتي من يبدأ من الصفر في الولايات المتحدة الأميركية أوفي الكيان الصهيوني.. بينما العرب يديرون خلافاتهم، ويتفرجون على قدس يهودية، وفلسطين يهودية، وربما على بلدان عربية تتهوّد أو تصبح في خدمة دولة اليهود التي تتولى دول عربية اليوم اتهام المقاومة اللبنانية وملاحقتها بدلاً عنها، أو تعمل ذلك بتنسيق تام معها، وتتبني صراعها ضد إيران.. بذريعة أنها سوف تصبح نووية!؟

لا أدري متى نستيقظ على حقيقة أننا ندمن الوهم، أو نعيشه، أو نسوِّغه ونروجه، لكي لا نواجه الحقائق الموضوعية والأوضاع القاسية في أرض الواقع والاستحقاقات التي ينبغي أن نواجهها بمسؤولية ووعي وأساليب أداء مجدية مغايرة لما عهدناه من أساليب المواجهة العربية الرسمية حتى الآن، ومن تلك الحقائق أن الكيان الصهيوني كيان عنصري لا يمكن التعايش معه ولا القبول به شريكاً في الوجود والمصير في بيتنا العربي التاريخي، وأنه كيان إرهابي عنصري لا يريد السلام ولا يسعى إليه، وأنه لا يمكن أن ننتزع منه شيئاً من حقوقنا المشروعة أو أراضينا المحتلة بغير القوة التي لا نستعد لامتلاكها، وأنه يناور سياسياً لكي يكسب الوقت وينفذ مشاريعه الاستيطانية والاستعمارية، وأنه يعبث بنا بمساعدة حلفائه وشركائه وأعوان، ويتابع غلوه ورفع سقوف مطالبه لكي يبتزنا أكثر فنتنازل أكثر، ولكي نبدأ من حيث يريد لنا أن نبدأ ونتجه إلى المشكلات التي يثيرها أو التي يرسمها، ويضع بعضنا ضد بعض بصيغ متنوعة من العداء والخلاف ولصدام فنقبل على ذلك إقبال الظامئ على الماء في الصحراء.. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يجري اليوم من اتهام مصري لحزب الله بتهديد أمن مصر ووضعه في مواجهة ليست في صالحه ولا في صالح مصر ولا أي عربي، فمناصبة مصر العزيزة العداء له مصلحة صهيونية بالدرجة الأولى، فإسرائيل تطلب رأسه لأنه صمد في وجهها وانتصر على عدوانها عليه عام 2006 ولأنه طالب بنصرة غزة ضد العدوان الهمجي الإسرائيلي عام 2008 ـ 2009؟! أليست تلك خطط الكيان الصهيوني وإدارة بوش الكريه صاحب الشرق الأوسط الكبير ثم الجديد الذي أشعل في أرضنا النار وأسدلت على أفعاله الستائر؟ أليست تلك أيضاً خطط كل من وافقهما وأراد ويريد تصفية المقاومة العربية، أية مقاومة عربية ضد الاحتلال ويصفها بالإرهاب؟ المقاومة التي يحتضنها الشعب العربي ويراها خياره بعد الخيارات الرسمية العربية المتخاذلة.؟ هل نسينا أم أننا لا ننسى ولكن تبرمج ذاكرتنا وإرادتنا وعقولنا كما يشاء عدونا؟!

في نهاية مطاف هذا الكلام.. أقول إنني أشرت إلى ما أراه ملامح المشهد السياسي الخاص بقضيتنا المزمنة، قضية فلسطين، وبقضايا أهلنا اليومية فيها، ربما لسنوات قادمة.. هذه مطالب عدونا الذي يحتل أرضنا ويستهدف القدس وأهلها في المرحلة الراهنة من التصفيات والملاحقات والتهويد، ويستهدفها بكل القوة والتصميم والقسوة.. فما هي ردودنا ومفاعيل قرارات قممنا وأساليبنا ووسائلنا للتعامل مع هذا المشهد ومعطياته، وما هي خطط التحرك في مجالاته للتأثير إيجابياً في الأداء المتصل به والردود المحتملة عليه، وكيف "ندير خلافاتنا" بما لا يجعل الإرادة العربية في مواجهة العدو الصهيوني المحتل صفراً.. وكيف لا نمكنه من وضعنا في طريق المَهلَكة التي يريد أن يضعنا فيها.؟ 

من المفجع والمرعب الاستنتاج بأننا أشداء على بعضنا بعضاً، "رحماء" بالأعداء الذين يحتلون أرضنا ويقتلون أشقاءنا ويستهدفوننا ويستهدفون كل ما يشكل هويتنا وعقيدتنا وصلاتنا وقدراتنا ووجودنا ذاته، فضلاً عن أرضنا ومقدساتنا.

 

انشر عبر