شريط الأخبار

في يوم الأسير:أسرى يصنعون بطولة الصمود وأهالي يخطون ملحمة في الصبر والاعتزاز

12:23 - 17 حزيران / أبريل 2009

فلسطين اليوم-غزة

على رمال صحراء جدباء، وفي زحمة الآلام المتوالية، ليس بمقدور ذوي الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية سوى أن يقفوا كالجبال الرواسي أمام مرارة فراق أبنائهم، فلذات أكبادهم، الذين يقضون- قسراً- زهرة شبابهم في عتمات سجون يريد أصحابها قتل الحرية في صدور هؤلاء.

 

في زحمة هذا الألم، يحي الفلسطينيون اليوم الجمعة 17 نيسان (أبريل) ذكرى أليمة على قلوب أبنائهم، تتأجج فيها المشاعر، وتنطلق فيها العبرات نحو فضاء واسع لحيب، إنه "يوم الأسير الفلسطيني"، وفي هذه اللقاءات نتعرف على ذوي هؤلاء الرجال الذين تحدوا قضبان السجون، ووقفوا شامخين بثبات.. وإقدام.. ويقين.. دون استسلام لعصا الجلاد، أو استكانة ذل ومهانة، كما يتحدث عنهم أهلهم معتزين بهم.

 

حقٌ لزوجات وأمهات وأطفال الأسرى أن ترنو عيونهم للحظة الحرية وانقشاع عتمة المعتقل، ومن حقهم أن يحلموا باللقاء.. وفي ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، لا زال الأمل هو الأمل، أن يكون نسيم الحرية كفلق الصبح قريبا.

 

ويعتبر يوم 17 نيسان (أبريل) من كل عام يوم الأسير الفلسطيني، وهو يوم وطني أقرَّه المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 في ذكرى إطلاق سراح أول أسير ٍ فلسطيني ٍّ (محمود بكر حجازي)، واستمر الاحتفال بهذا اليوم وفاءً للأسرى واعترافًا بتضحياتهم، ودعمًا لصمودهم، بإطلاق الفعاليات التضامنية مع الأسرى لتسليط الضوء على قضيتهم، وتعريف العالم بمعاناتهم وقسوة ظروفهم .

 

لم يكن بمقدور جمانة، (8 أعوام) أن تنبس الكلمات بسهولة في هذه الذكرى، فوالدها الأسير علاء أبو جزر اعتقل مباشرة بعد وفاة أمها بمرض عضال، تركوها وحيدة تكابد الأمرَّين بصحبة جدتها العجوز المكلومة، بعد أن مات جدها مقهورا بحسرته، كل هذا جعل جمانة تقول بنبرة الألم: "أحلم برؤية أبي".

 

راقبت العجوز حديثنا إلى جمانة التي لم تر والدها قط، بصمت، قبل أن تفصح أنها لم تستطع زيارة ولدها منذ يوم اعتقاله قبل ثماني سنوات، تحت ذريعة "رفضها أمنيا"، وتتمنى الحاجة "أم علاء"، وهي في عقدها السادس، أن يسمع المسؤولون صوتها وأنّات حفيدتها، وأن يشعر من أسمتهم بـ"أصحاب السلام الموهوم" بمعاناتهم.

 

الجدة المُثقلة بالحنين والأمراض على حد سواء، أشارت في حديثها إلى أنها لا تعرف أخبار ولدها إلا من ذوي الأسرى الذين يتمكنون من زيارة أبناءهم، واستدركت بتلقائية "لا سلام بدون الإفراج عن كافة المُعتقلين.. إذا أرادوا لصفقة شاليط أن تنجح فليعملوا على إطلاق سراح فلذات أكبادنا".

 

وأضافت "ابني علاء معتقل منذ 8 سنوات، محرومون من حنانه، فعن أي حقوق وإنسانية تتحدثون؟ مَلِلْنا المؤتمرات والاجتماعات، لا نريد حسن نوايا لا تطفئ الظمأ.. هاتوا بوالد جُمانة لها وامسحوا عذاباتها".

 

وتابعت "أم علاء"، "إن جمانة طفلة ذكية جدًّا وحساسة تعي كل ما يدور حولها، فهي متفوقة في المدرسة..دائمة السؤال عن أبيها وملامحه وكيف يبدو، دموعها لا تثبت إذا ما شاهدت أحد الأطفال بصحبة أبيه".

 

ولا زالت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تختطف في سجونها أكثر من 11 ألف أسير فلسطينيين وعرب؛ بينهم 400 طفلا و68 أسيرة، و1600 مريض، إضافة إلى 43 نائبًا من نواب المجلس التشريعي الفلسطيني، في مقدمتهم الدكتور عزيز دويك رئيس المجلس.

 

"أم خالد" والدة الأسير خالد المغيّر والمحكوم بالمؤبد قالت "رغم اعتقال ابني خالد منذ 20 عاما ما زالت أنتظر.. الحب.. الوفاء.. الإخلاص.. الصبر على أيام العسر والمكاره".

 

"أم خالد ".. امرأة فلسطينية في أواخر العقد السادس من عمرها، رسمت سنوات الصبر ملامح الحزن على محياها واتشحت بالسواد منذ اعتقل ابنها خالد في الانتفاضة الأولى عام 1987 حتى اليوم.

 

تذكر "أم خالد" واصفة جزءا من معاناتها ومعاناة أهلها: "بعد أشهر من اعتقال ابني وصلتنا أخبار بأنه موجود داخل أحد السجون الإسرائيلية، ولكننا لم نتأكد من صحة الخبر حتى جاءنا الصليب الأحمر بالخبر، وعرفنا أنه تعرض لتعذيب وحشي في أقبية السجون والزنازين الإسرائيلية.

 

وعقب تنهيدة بانت من خلالها كل معاني الألم التي صاحبتها منذ اعتقال ولدها قالت: "عندما رأيته أول مرة داخل السجن وفي أول زيارة لم أعرفه، ولكن قلب الأم كان يحكى أجمل لقاء ود وحب ووفاء فاحتضنته بين ضلوعي وكحلت عيوني برؤيته".

 

ومع مرور الأعوام والسنوات وما يزيد على 20 عاما من الاعتقال المتواصل لا زالت العائلة معلقة آمالها على نجاح المفاوضات والمساومة لإطلاق سراح خالد الأسير وباقي الأسرى، مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

 

وكانت المقاومة الفلسطينية نفذت عملية مشتركة منتصف العام 2006 حملت اسم "الوهم المتبدد"، جرى خلالها أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط وقتل آخرين من داخل قاعدة "كرم أبو سالم" العسكرية المحصنة، وذلك عبر استخدام نفق أرضي، وفق ما بيّنت المقاومة.

 

"قدس برس" وفي إطار جولتها مع ذوي الأسرى في يوم الأسير، التقت "أم عامر" زوجة الأسير "مجدي البرديني، والتي وجدت فرصة لقاءنا لتتذكر تلك الأيام الجميلة التي عاشتها في كنف زوجها الأسير الذي قضى حتى الآن 15 عاما من عمره في سجون الاحتلال.

 

وتحكم سلطات الاحتلال على أكثر من 750 أسيرًا بالسجن المؤبد لمرة أو لعدة مرات، أعلاهم حكمًا الأسير عبد الله البرغوتى، والذي حكم عليه بالمؤبد 67 مرة ً، ومن بينهم 620 معتقلاً إداريًّا دون تهمة، و4800 أسير ٍ موقوف و5500 أسيرٍ محكوم.

 

وبعد أن جمعت "أم عامر" أفكارها المبعثرة، بفعل سنوات الشقاء والمعاناة المستديمة، تقول واصفة جزءا حياتها الزوجية مع زوجها مجدي: "قبل اعتقاله كان مجدي يحاول أن يهيئني لتحمل تبعات اعتقاله وغيابه، ويطلب مني الصبر، والثبات، وكان يتوقع اعتقاله، فيحاول أن يصبرني، ويقول لي: غدا ستبحثين على الوسادة فلا تجدين غير دموعك.. ولم أكن أصدقه".

 

وبدأت رحلة الشقاء والمعاناة مع اعتقال "مجدي" حيث أصبحت هي "الأب والأم معا" لطفلين، كبروا جميعا والأب غائب أو "مغيب"، وتعاظمت المسئوليات عليها يوما بعد يوم، ورغم طول فترة الفراق فإن الأمل ما زال يراودها بأن اليوم الذي ستنكسر فيه قيود زوجها سيكون قريبا، وأن الله تعالى سيعوضهم خيرا عن كل تلك الأيام العصيبة.

 

وتضيف "أم عامر": أنا أعيش على الأمل، وبدون الأمل كنت سأموت، أستمد القوة على ذلك من الله تعالى فقط الذي منّ علي بالتقوى والإيمان فأصلي وأصوم وأقرأ القرآن الكريم، وأسأل الله أن يقدرني على الصبر، أحيانا أبكي وأحيانا أصبر نفسي وأقول هذا قدر الله ويجب أن أصبر".

 

وأضافت في اعتزاز وكبرياء: "زوجي رجل مناضل وعظيم ولا أجد الكلمات للتعبير عن صموده الأسطوري خلف القضبان، ولم نضعف يوما أو نلين وهو شامخ رغم القضبان والقيد، وسيرته العطرة دوما بيننا، وتزداد ويزداد الاشتياق لزوجي مجدي".

 

وتتابع بعد أن أشارت بأناملها لأبنائها الاثنين: "لا زال أولاده الاثنين مشتاقون إليه ينتظرون عودته إلينا سالما غانما، ولا زلت أربيهم كما تربى والدهم الأسير على حب الوطن ولا زلنا نحن برغم هذا العمر المديد والطويل صامدين ونستمد الصبر على الابتلاء والبعد من همته العالية، فطالما ردد "يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلام ليس بعد الفجر إلا نور فجر يتسامى".

 

أما أميرة النوري، زوجة الأسير الفلسطيني جمال النوري، والذي اعتقلته قوات الاحتلال في قطاع غزة وحكمت عليه بالسجن 20 عاما بعد اعتقاله في 13 حزيران (يونيو) 1989، لا تملك خيارا سوى انتظار زوجها الأسير مهما طال الزمان.

 

وتبرر ذلك "نحن النساء أوفياء، ونصبر ونحتسب، فأنا أعرف زوجة أسير فارقها زوجها وعمرها 14 سنة فقط، وحكم عليه بالسجن 99 عاما، وانتظرته زوجته، ولا تزال صابرة منذ 11 عاما مرت على سجنه، رغم أنها لم تنجب منه".

 

وفي منزل عائلة الأسير جمال في مخيم الشابورة برفح عبرت زوجته عن طول غيبة زوجها فتقول " لقد أعيانا فراق جمال وطول غيبته عنا، فهو لا يزال يقضى محكوميته البالغة 20 عاما متنقلا بين السجون وها هو يقضي عامة السادس عشر داخل السجون وهو يعاني من الأمراض هناك ولا تقدم قوات الاحتلال العلاج له".

 

وواصلت زوجته الحديث عن معاناة أسرتها وقالت: "منعتني المخابرات الصهيونية من زيارته بدافع أمني مزعوم، وحاولت أن أزوره إلا أنهم في كل مرة يقولون لي إنني ممنوعة أمنيا ولم أزره منذ سنتين في حين لم يزره أولاده منذ خمسة سنوات".

 

يشار إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تمنع أهالي الأسرى عامة، وأهالي أسرى قطاع غزة بصفة خاصة من زيارة أبناءهم في سجونها، لا سيما عقب سيطرة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على قطاع غزة في حزيران (يونيو) من العام 2007.

 

وتتابع زوجة الأسير النوري: "أنا كامرأة أشعر بالوحدة والغربة في ظل ابتعاد زوجي عني رغم أن أولادي حولي، هناك فراغ كبير وأستمد القوة على الصبر من ذكرياتي معه ومن أقواله وحديث الناس عنه، وأستمد الصبر من صموده وصبره، وأشعر أنني محتاجة له بقوة، خاصة أن أبنائي يكبرون، وبحاجة إلى حكمة الأب".

 

ومما يزيد من ألمها كلمات أولادها بين فترة وأخرى، حينما يقولون: "لم نأخذ حظنا من حنان أبينا كباقي الأولاد؛ فتحاول أن تصبرهم وتقول إن شاء الله سيخرج أبوكم قريبا جدا ويعوضكم بحنانه وعطفه".

 

واختتمت بالقول: "نحن نعاني، ونحتسب هذه المعاناة عند الله تعالى، هي رحلة عذاب طالت فيها الأيام والليالي علينا، وأسأل الله أن يقويني ويصبرني.. فالصبر مفتاح الفرج، فهذا نصيبي من الحياة".

 

إحياء "يوم الأسير الفلسطيني" يذكر العالم بأن هناك أحد عشر ألف أسير فلسطيني خلف القضبان لم يحفظ أسماءهم أحد بينما العالم وقادته وزعماءه باتوا يحفظون عن ظهر غيب اسم الجندي الإسرائيلي الأسير في قطاع غزة جلعاد شاليط وهو لم يكمل الثلاث سنوات.

 

وعلى الرغم من أن هذه المناسبة "يوم الأسير الفلسطيني" تحرك قليلا قضية الأسرى في سجون الاحتلال وتكون دعما معنويا لأهاليهم بالتضامن معهم والاعتصامات إلا أنها في الوقت ذاته تنكأ جراح هؤلاء الأهالي الذين يتذكرون بحزن أبناءهم وأن بعضهم محبوس خلف أسوار هذه السجون منذ أكثر من ربع قرن وتجاوز كل الأرقام السابقة التي سجلت بأسماء مناضلين كبار من اجل الحرية مثل رئيس جنوب أفريقا السابق نيلسون منديلا وغيرهم.

انشر عبر