شريط الأخبار

الحلقة المفقودة في الأزمة بين مصر وحزب الله ..جميل السيد

12:36 - 16 حزيران / أبريل 2009

ـ السفير 16/4/2009

كان ذلك في مطلع العام 2002 حين أوقفت السلطات الأردنية ثلاثة مقاومين لبنانيين من «حزب الله» بينما كانوا يقومون بمهمة الإمداد العسكري واللوجستي الى المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية عبر الاراضي الأردنية. وكانت الضفة حينذاك محاصرة بأوامر من حكومة ارييل شارون، كما هي حال غزة هذه الأيام، وحيث لم تتأخر قوات الاحتلال الإسرائيلي عن اجتياحها حينذاك، وذلك في اليوم التالي لانتهاء أعمال القمة العربية التي انعقدت في بيروت في شهر آذار من ذلك العام، ضاربة بعرض الحائط مبادرة السلام العربية التي أقرتها تلك القمة بناء لاقتراح وليّ العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز...

يومها، وبعد اعتقال المقاومين الثلاثة، أبدت السلطات الأردنية انزعاجها الشديد من استخدام المقاومة اللبنانية للأراضي الأردنية في هذا النوع من النشاطات، وذلك بالنظر لاتفاقية السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل وضرورة احترام التعهدات المعقودة بين الطرفين. إلا أن السلطات الأردنية حينها لم تخرج بانزعاجها الى العلن والإعلام، بل عبّرت عنه بالقنوات الدبلوماسية والأمنية لدى السلطات اللبنانية.

حينها، كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئيساً للحكومة، وكان على تواصل مستمر بقائد المقاومة السيد حسن نصر الله من خلال لقاءات دورية بينهما، فكان أن وعد الرئيس الحريري ببذل مساعيه لدى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني للإفراج عن المعتقلين، كما كلفني، بالتنسيق مع سماحة السيد، بتولي الاتصالات اللازمة مع المراجع الأمنية الأردنية.

في آذار 2002، انعقدت القمة العــربية في بيروت وكان الوفد الأردني المرافق للملك يضم رئيس الاستخبارات العامة اللــواء خير، بالاضــافة الى السفير الأردني في بيــروت إنمار المحمود، الذي تولى بناء لطلبـي ترتيب لقــاء في منـزلي في بيروت مع اللواء خير. وهكذا كان، حيث جرى التداول بموضوع المعتقلين الثلاثة، فعرض اللواء خير وجهة نظر بلاده بشأن رفض استخدام أراضيها ممراً للإمداد العسكري للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، انطلاقاً من تقيّد الأردن باتفاقية السلام المعقودة مع إسرائيل، وحرصاً على المصالح الوطنية الأردنية التي قد تتضرر من أي خرق لها. بالمقابل، كان لديّ تفويض مطلق من الرئيس رفيق الحريري والسيد حسن نصر الله، للتصرف والتعهد بما يؤدي الى الافراج عن المعتقلين وحسم القضية بما لا يضر بالمصالح الأردنية. وهكذا اقترحت في اللقاء المذكور مع اللواء خير بعض المخارج والتطمينات التي تتلاءم مع تلك المصالح، بحيث يؤدي ذلك الى حل تلك القضية من دون تحويلها الى أزمة سياسية أو إعلامية بين الأردن والسلطات اللبنانية والمقاومة.

وبالطبع، ومع تحفظي حاليا على ذكر تفاصيل اقتراحاتي أعلاه، فقد اعتبر اللواء خــير انها معقولة لكنها تستلزم موافقــة جلالة الملك عليها، على ان تبقى الاتصالات بيننا مستمرة بعد انتهاء القمة العربية. وبالفعل وبعد ثلاثة أسابيع من ذلك اللقاء، أبلغني اللواء خير بأن الملك عبد الله الثـاني قد أعطى موافقته على الحل المقترح، بما في ذلك الإفراج الفوري عن المقاومين الثلاثة على ان يجري ذلك خارج الاضواء الاعلامية ووفقاً لترتيبات خاصة قمنا بها بالتنسيق مع المخابرات الأردنية، وقد أطلعت الرئيس الحريري حينذاك على هذه الخاتمة، في الوقت الذي اتصل به السيد حسن نصر الله شاكراً له جهوده ومساعيه...

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فقد عادت بي الذاكرة الى حادثة الأردن وأنا أقرأ اليوم عن قضية مشابهة بعدما اعتقلت السلطات المصرية مؤخراً عناصر من المقاومة التابعة «لحزب الله»، بسبب قيامهم بعمليات إمداد عسكري ولوجستي الى المقاومة الفلسطينية في غـزة عبر الأراضي المصرية، وعلى غرار ما جرى في الماضي عبر الأردن، لكن المفارقة هذه المرة، هي ان هذه القضية قد اتخذت طابع العــلن وترافقت مع حملة إعلامية مفتوحة ومؤذية للسلطات المصرية كما للمقاومة اللبنانية والفلسطينية على حد سواء، وحيث المستفيد الأوحـد من مناخ كهذا هو إسرائيل، وحيث وحدها المصارحة كما المعالجة الهادئة والموضوعية هي الكفيلة برأب الصدع وإعادة الأمور الى نصابها.

وبوضع الأمور في نصابها الصحيح، يجب الاعتراف أولاً بأن مصر، الملتزمة باتفاق سلام مع إسرائيل، محقة مبدئياً في انزعاجها من استخدام أراضيها من دون إذنها، ممراً للإمداد العسكري الى المقاومة الفلسطينية في غزة. كما يجب الاعتراف بالمقابل بأن «حزب الله» محق في استيائه من التشهير به على هذا النحو، فيما قيادة هذا الحزب تدرك تماماً أنها لم تتجاوز الاعتبارات السيادية لمصر على أراضيها، إلا لغاية أسمى، وهي مد يد العون الى المقاومة الفلسطينية وشعبها المحاصر في غزة، وليس بالطبع من أجل التطاول على مصر او المس بأمنها ونظامها...

نعم، قد يكــون حزب الله كمقــاومة قد تــجاوز بعض الخطوط الحمر المصرية خدمة لفلسطين، وقد يكون الحزب قد عرّض بذلك بعض المصالح المصرية لبعض الضرر، لارتباطها باتفاق السلام، ولكن شتّان ما بين اعتبار هذا التجاوز خدمة لله ولفلسطين، وبين أن تعتبره السلطات في مصر تآمراً عليها. نعم حصل التجاوز، وأسباب التجاوز نبــيلة ومعـروفة، نعم لا تصح الاتهامات الظالمة للمقاومة، نعم مصر محقة بالانزعاج، لكن نعم مصر في واجب الاحتواء والاستيعاب والمعالجة الهادئة للمستقبل، وبحيث تخرج من هذه القضية راضية، ومصالحها محمية، كما المقاومة محمية ومصانة، تماماً كما حصل مع الأردن، ومصر ليست أقل حرصاً وعروبة من الأردن، إلا إذا كانت الأمور أبعد من ذلك...

فالبعض يعتبر أن «حزب الله» يدفع حالياً ثمن المناشدة العلنية التي وجهها السيد حسن نصر الله، في بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، الى الشعب والجيش المصريين، للضغط على قيادته لفتح المعابر وفك الحصار!! هذا البعض، ومن بينه بعض السلطة والإعلام المصري، اعتبر ان مناشدة السيد نصر الله هي دعوة مباشرة للجـيش والشعب المصري للانقلاب على قيادته!! شتان أيضاً ما بين الدعوة للضغط من أجل فتح المعابر الى غزة، وما بين الدعوة الى الانقلاب على النظام في مصر!! فالكل يعلم حجم الضغوط والاتهامـات التي تعرضت لها القيادة المصرية من إسرائيل في مسألة غزة والأنفاق المفتوحة من رفح وإليها. والكل يعلم ان تلك الأنفاق هي مزيج من «الشطارة» الفلسطينية و«التغاضي» المصري، أقله للضرورات الحياتية للفلسطينيين في ظل الحصار الإسرائيلي. لكن الكل يعلم أيــضاً أن مناشدة السيد نصر الله من أجل الضغوط، كما المناشدات الأخرى من كل الشارع العربي والغربي والإسلامي، قد سمحت للقيادة المصــرية بأن تستــفيد من توازن تلك الضـغوط المتناقضة حولها، لاستعادة زمام المبادرة من إسرائيل، وتكريس الدور المصري في المصالحة الفلسطينية. المقاومة لها لغتها الــخاصة تجاه إسرائيل، فماذا لو لم يستنفر السيد حســن نصر الله تلك الضغوط والمضادة؟ ماذا لو بقيت القيادة المصرية حينذاك تحت وطأة الضغوط الإسرائيلية والدولية فقط؟ وأيهما كان الأفضل لمصر ودورها ونظامها؟

والبعض يقول أيضاً، ان الحملة الاعلامية والقضائية المصرية على «حزب الله» هي أبعد من قضية تهريب السلاح الى المقاومة الفلسطينية في غزة، بل هي بمثابة تقديم أوراق اعتماد مصرية الى القيادتين الإسرائيلية والأميركية الجديدتين، وعلى حساب «حزب الله»، بعدما شعرت القيادة المصرية بتهميشها من قبل الإدارة الأميركية لمصلحة الانفتاح على تركيا وإيران. والبعض الآخر يقول بأن «حزب الله» يدفع ثمن تصفية الحسابات المصرية مع إيران من ضمن حرب النفوذ المتبادلة في الشرق الأوسط...

الذين يتبنون هاتين الفرضيــتين مخطئون في اعتبار ان التعرض «لحزب الله» يعطي مصر جواز مرور الى النفوذ الاقليمي في وجه إيران أو للوجود في المعادلة الاقليمية للمنـطقة. فأسيــران أو عشــرة أسرى «لحزب الله» في مصر لن يؤثروا في منـاعة الحزب، وكذلك الأمر بالنسبة لشن حملة شتــائم إعلامية واتهامية أو عشرة منها ضد الحزب في بعض الإعلام في مصر. لكن بالمقابل، ماذا سينـتفع النظام المصري من تلك الحملة الإعلامية الجائرة وأولئك الأســرى المـقاومين؟ وكل ذلك لن يضر «حزب الله» إلا أذى، فيما ذلك اقله سيحرج مصر في موقفها الأخلاقي تجاه المقاومات العربية والشوارع المرتبطة بها، ولن يُبهج إلا إسرائيل...

نعم من حق مصر الشقــيقة ألا يهمشها أحد، ومن حقها أن تكون جزءاً من قوائم الطاولة الاقليــمية الى جانب تركيا وإيران، ومن حقها كدولة عربية كبرى أن تفرض هذا الحضور، وأن ترفض تهميشها الاقليمي أميركياً إرضاءً لإسرائيل، لكن من حق مصر علينا بالمصارحة، ان نقول إنه ربما يكون تبني تلك المقاومات أو احتضانها على الأقل، هو الطريق الأقصر والأصلح لمنع تهميش مصر، فإذا نظرت القيادة المصرية من حولها ملياً وجيداً، لوجدت فعلاً، بالحقائق والبرهان، أن إسرائيل، كما الغرب كما أميركا، لا يهمشون في المنطقة إلا من فقد أوراق قوّته. أوليس احتضان المقاومات العربية هو ورقة قوة ضد التهميش، لمصر ولكل دولة عربية في هذه الظروف بالذات؟ فلماذا السير عكس المصلحة والمنطق والتاريخ؟!

وأخيراً، إذا كانت كل هذه الأزمة بين الســلطات المصرية و«حزب الله» محــصورة فقط بمسـألة تمرير السلاح عبر الأراضي المصرية، ونتمنى فعلاً أن تكون المشكلة بهذا الحجم فقط، ومن دون التــعقيدات الاقليمية التي أشرنا إليــها، إذا كانت المشــكلة فعلاً بهذا الحجم، فأين هي الســلطة اللبنــانية التي يجب أن تبادر الى التواصل مع «حزب الله» ومع السلطة المصرية لإيجاد المخارج الملائمة التي تُخــرج هذا الموضوع من دائرة الاشتباك الإعلامي وتضعه في إطار المعالجة الأخوية التي تراعي مختلف المصالح والاعتبارات، تماماً كما حصل مع الأردن في الماضي؟ أين هي تلك السلطة اللبنانية التي يفرك بعضها يديه فرحاً بالأزمة بين مصر والمقاومة، فيما البعض الآخر من السلطة متفرج على الأزمة وغائب عنها، وكأنها لا تخص لبنان ولا تخصه؟

رفيق الحريري لم يعد موجوداً ليكرر مساعيه مع مصر كما فعل مع الأردن في الماضي، فهل يسارع الرئيس سليمان الى المبادرة ليطوي هذه الصفحة السوداء والعبثية وبما يحفظ مصالح مصر وحرمة المقاومة وحصانتها؟


انشر عبر