شريط الأخبار

يوم الأسير في الخليل: فصول من سيرة مناضلات نذرن حياتهن للكفاح

10:43 - 16 كانون أول / أبريل 2009


فلسطين اليوم-الخليل

سيظل يوم الأسير الذي يصادف السابع عشر من نيسان من كل عام، فرصة للتقويم، غير أنه أيضا، سيظل فرصة للتذكّر.. تذكّر مناضلين وأعزاء نذروا حياتهم للكفاح، وسطروا مآثر يومية دونما ضجيج أو إطراء من أحد.

 

وفي يوم الأسير، يحيي شعبنا الفلسطيني على امتداد تجمعاته في الوطن والشتات، هذا المناسبة تعبيرا عن استمرار نضاله وكفاحه المشروع في سبيل حرية أسراه البواسل في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

 

إنه اليوم الذي أطلق فيه سراح أول أسير فلسطيني (محمود بكر حجازي) في السابع عشر من نيسان من العام 74 في أول عملية تبادل للأسرى مع إسرائيل، حيث اعتمد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التي عقدت في نفس العام يوم السابع عشر من نيسان يوما من أجل حرية الأسير ونصرة قضيته العادلة.

 

وخلال سنوات النضال الطويلة لم تترك حكومة الاحتلال أية وسيلة حربية ونفسية إلا واستخدمتها في عمليات الاعتقال العشوائية والجماعية دونما تمييز بين كبير وصغير وبين ذكر وأنثى أو مريض ومعافى، في محاولة لردع الشعب الفلسطيني وكسر إرادته وصموده الأسطوري. أنها حرب شاملة حولت شعباً بأكمله إلى شعب أسير يحمل على جسده آلام السجون وعذابات الزنازين، يقضي شبابه تحت وطأة الممارسات التعسفية والوحشية والتصفية بدم بارد والموت في زنازين العزل.

 

واعتبرت تقارير حقوقية  تجربة الحركة النسوية الأسيرة بأنها أكثر ألما ومعاناة، بالمقارنة مع مجمل التجربة الجماعية للأسرى.

 

ويحسب للحركة الأسيرة النسوية تماسكها مثلما حدث عام 1996 عندما رفضت الأسيرات الإفراج المجزوء عنهن على إثر اتفاق طابا، وطالبن بالإفراج الجماعي واستطعن في النهاية فرض موقفهن.

 

وتم اعتقال قاصرات تتراوح أعمارهن ما بين ا13 و16 عاما، مثل: سناء عمرو، وسوسن أبو تركي. وتخضع الأسيرات لظروف صعبة بجانب أقسام السجينات اليهوديات الجنائيات، ويتعرضن لاستفزازات واعتداءات يومية من قبل المحققين، تصدين لها بكل عزة وشموخ مسطرات أروع صور الصمود.

 

ومن بين الأسيرات اللواتي شكلن قوة مثال من بين مئات النسوة والأمهات من الأسيرات، رجاء أعمر، وسوسن أبو تركي، وميسون أبو عيشة.

 

ولمناسبة يوم الاسير، التقت 'وفا' مع الأسيرات المحررات الثلاث لعرض  نموذج عن واقع الأسيرات الفلسطينيات والمعيقات التي يواجهنها من حيث تقبل المجتمع لهن، وإيجاد فرص عمل ملائمة.

 

'..لا يمكن أن أنسي يوم اعتقالي ومعاملة الجنود القاسية لي، حيث عصبوا عيني بشكل عنيف ومؤلم، وشدوا رباط يدي، وقد تعمدوا إيلامي'، بهذه الكلمات تحدثت الأسيرة رجاء اعمر(27عاما) من سكان واد الهرية بالخليل عن تجربتها الاعتقالية.

 

وقالت اعمر، التي أمضت عشرين شهرا في السجون الإسرائيلية: 'قبل السجن كنت معلمة رياض أطفال وطالبة في الجامعة، وناشطة في العمل الاجتماعي، ولم أتوقع اعتقالي مع أنني شقيقة أسير محكوم بالسجن المؤبد، وابنة شهيدة قضت عام 1986 قرب من الحرم الإبراهيمي عندما تعثرت على الأرض، فما كان من جندي الاحتلال إلا أن أطلق النار عليها ليرديها هي وجنينها'.

 

وأضافت اعمر التي تحمل شهادة دبلوم صحة نفسية: 'لم أكن مهيأة نفسيا للاعتقال ومع ذلك كل تفكيري انحصر في أهلي وردة فعل أبي الذي لم يستوعب فكرة اعتقالي'، مشيرة إلى أنها تعرضت للضرب من قبل المحققين، وللتعذيب النفسي من خلال سماع صراخ الأسرى أثناء التحقيق معهم، والى الضغط النفسي الكبير جراء جهاز 'فحص الكذب'، والى الإهمال الطبي الذي تتعرض له وزميلاتها من الأسيرات والأمراض الشائعة بينهن، مثل آلام المعدة والتحسس وآلام في العمود الفقري والمفاصل، إلى جانب سوء التغذية، مؤكدة أنه لا توجد أسيرة لا تعاني من تلك الأمراض.

 

وتابعت: 'عشنا أيام السجن بمّرها وحلوها.. كنا نتقاسم همومنا وألم فرقتنا لأهلنا وإهانات السجانات، وفي نفس الوقت كنا نتغلب على آلامنا بإدخال الفرحة إلى قلوبنا أيام الأعياد بالانشغال بالتجهيز للعيد بالحلويات وتزيين السجن بما تقع عليه أيدينا من أشياء بسيطة، وبهذا تكونت صداقات قوية وعميقة بين الأسيرات استمرت الى ما بعد الخروج من السجن.

 

وتحدثت اعمر عن مشاعرها المضطربة لحظة الإفراج عنها، وكيف عزّ عليها فراق صديقاتها الأسيرات، وكيف لم تتمكن من وداع بعضهن ممن كنّ في العزل الانفرادي.

 

وقالت 'عندما فتحت أبواب السجن أمامي لم اشعر بحريتي بعد، ونظرت فرأيت أبي من بعيد فأخذت أركض نحوه وهو يركض نحوي وانتابني شعور بأنه بعيد جدا عني، وشعرت بالمسافات أبعد من الحقيقة، حتى أخذني بأحضانه، كانت الصورة أقوى مما تخيلت عندما تجمع الأهل والجيران حولي.. وحينها فقط، تبددت مخاوفي من نظرة الناس إلى المرأة الأسيرة، وأدركت تقبل المجتمع لاعتقال المرأة كجزء من النضال الفلسطيني ضد الاحتلال'.

 

وأضافت: 'أنا إنسانة ثانية بعد السجن، نضجت وتغير تفكيري وأصبحت أكثر تحملا للمسؤولية، والفضل يعود إلى أم الأسيرات (أمنة منى) التي كانت تحتضن الأسيرات الجديدات اللواتي بحاجة إلى دعم نفسي ومؤازرة.

 

وتتماثل تجربة الأسيرة المحررة سوسن أبو تركي من مدينة الخليل والتي عرفت على مستوى الوطن كونها أصغر أسيرة  آنذاك (14 عامًا) مع تجربة الأسيرة اعمر إلى حد بعيد.

 

 في مركز التحقيق لم تكن تعرف الليل من النهار، وتحدثت عن مدى الخوف الذي كان ينتابها عندما وضعت مع السجينات الجنائيات، وعن عذاب التكبيل والشبح، ومدى الألم النفسي الذي كانت تعاني منه جراء سماعها صرخات السجينات تحت رحمة الجلادين.

 

وقالت: 'أفرج عني لمدة أربعة أشهر تمهيدا لمحاكمتي شريطة إبقائي رهن الإقامة الجبرية، وكانت هذه التجربة أصعب من السجن، فلم احتمل مشاهدة صديقاتي وهن ذاهبات إلى المدرسة بينما انأ ذاهبة إلى المحكمة'.

 

 وأضافت: 'ما زال السجن يسكن فينا وفي أحلامنا على شكل كوابيس، فكثيرا ما أصحو من النوم على صوت السجانات والكوابيس المرعبة'.

 

أما ميسون أبو عيشة التي اعتقلت على اثر محاولتها طعن جندي إسرائيلي قرب الحرم الإبراهيمي في الخليل، وسجنت لمدة سنة ونصف، فقالت إن أهلها فوجئوا من إقدامها على هذه 'الفعلة'، غير أنهم لم يتركوها وحيدة، وتواصلوا معها من خلال الإذاعة والزيارات المسموح بها.

 

وتحدثت أبو عيشة عن الدور الكبير للأسيرة آمنة منى في دمجها بمجتمع الأسيرات من خلال التوعية ودورات اللغات العبرية والعربية والانجليزية، ودورات تنظيمية، بالإضافة إلى دورات في اللياقة البدنية، وفضلها في تغيير شخصيتها وزيادة ثقتها بنفسها.

 

وعن النشاطات التي تقوم بها، قالت ابو عيشه إنها تنوي التقدم لامتحان الثانوية العامة 'التوجيهي' العام المقبل، كما أنها تشارك في كل الفعاليات التي يقوم بها نادي الأسير من اعتصامات وندوات وورش عمل دعما لمطالب الأسرى وتضامنا معهم.

 

وأجمعت الأسيرات أبو تركي وأبو عيشة واعمر في ختام لقائهن مع 'وفا'، على ضرورة وجود هيئة تعنى بالأسيرات المحررات من أجل مساعدتهن من ناحية نفسية على التأقلم مع المجتمع والحياة ما بعد الأسر، وإيجاد مشاريع تساعد الأسيرات وتدربهن على إيجاد مهن لهن من أجل توفير فرص عمل لدعمهن معنويا وماديا بما يساعدهن على بناء القدرات وتطوير الذات، وطالبن المؤسسات المعنية بالمساعدة في توفير الفرص لهن من اجل استكمال تعليمهن، وتأهيلهن صحيا، كما طالبن بعقد ورش عمل وندوات توعية وتثقيف للأهل وأفراد المجتمع بدور الأسيرات  النضالي بهدف مساعدتهن على التأقلم وعيش حياة كريمة.

انشر عبر