شريط الأخبار

ثقافة استهداف المدنيين... حروب إسرائيل نموذجاً/ محمد خالد الأزعر

09:43 - 15 تموز / أبريل 2009

 

15/04/2009  09:22 

 

إحدى غرائب حروب عالمنا الحديث، أن ضحاياها بين القطاعات المدنية على مستوى الإنسان والعمران أكثر وأشمل بكثير من خسائرها العسكرية.

 

بالمعيار الزمني، يصح القول بأن تطور أدوات القتال والنزال واحتراف الجيوش لم يقترن بارتقاء عقلية الحرب وأخلاقياتها لجهة الحرص على تحييد المدنيين والاكتفاء بملاحقة المتحاربين لبعضهم البعض. وهناك شواهد على أن ما حدث هو عكس ذلك، إلى الدرجة التي أصبح فيها تجمع سحب الحرب في إقليم أو آخر نذيراً بكوارث رهيبة ستلحق بكل معالم حياة الذين تقودهم أقدارهم النحسة للوقوع تحت طائلة هذه الحرب في شكل مباشر أو غير مباشر.

 

في حروب إسرائيل ومعاركها كلها، لم يمثل استهداف القطاعات المدنية الفلسطينية، بإزهاق الأرواح أو تدمير مقومات الحياة، حالة عرضية أو استثنائية تحدث من طريق الخطأ، ولا كان هذا الاستهداف نتيجة لتطور أسلحة القتال أو لرعونة موقتة يصاب بها أمراء الحرب الصهاينة. الحقيقة أن متوالية المذابح الصهيونية الإسرائيلية انطلقت عن تخطيط واع وإعداد مسبق دقيق. وإذا كانت الغاية المثلى بالنسبة للقوى التي تلاحق المدنيين وتقصد إيذائهم هي كسر إرادة العدو، فإن النموذج الصهيوني الإسرائيلي يتخطى هذه الغاية إلى إبادة «العدو الفلسطيني» تماماً.

 

في هذا النموذج يتلقى الجنود منذ الصغر ثقافة وعقيدة عسكرية تقوم على شيطنة الفلسطينيين واستصغار شأنهم والاستهانة إلى أبعد الحدود بحيواتهم. وعليه، يصبح قتل هؤلاء الأخيرين عملاً روتينياً لا يستوجب مساءلة من الذات ولا محاسبة من الآخرين.

عندما سئلت إحدى المجندات الإسرائيليات عن مشاعرها بعد عمليتي قنص قتلت بهما اثنين من متظاهري فلسطينيي 1948 في تشرين الأول (أكتوبر) 2000 أجابت بأن الأمر لم يثر لديها أي إزعاج نفسي أو أخلاقي، وأنها حين عادت إلى منزلها بعد أداء المهمة مارست حياتها كالمعتاد وكأن شيئاً لم يكن. هذه صورة من قريب لامرأة جردتها ثقافة العنف الصهيونية المشبعة بالمنظور العنصري من أية رهافة للحس إزاء جريمة بائنة بحق «مواطنين في دولتها»، فكيف الحال مع من قصفوا قطاع غزة الذي وقف طويلاً شوكة في حلق هذه الدولة ومشروعها الاستيطاني وحرمها من التمدد على جزء من «أرض إسرائيل التاريخية»؟!

 

ولعل ما زاد طين ثقافة العنف هذه بحراً،عدم تعرض معتنقيها للمساءلة والمحاسبة القانونية المشفوعة بالعقاب. فلم يسبق لإسرائيل الدولة وقادتها أن دفعوا أثماناً لجرائمهم، ما أطلق أيديهم لتخوض في دماء الفلسطينيين و(العرب) ذات اليمين وذات الشمال غير عابئة بالتبعات. هذا على رغم أن القوانين الدولية المنظمة لحالتي السلم والحرب والمؤسسات الساهرة عليها، ما نشأت في تقديرنا ولا تطورت إلا لمواجهة جرائم الحروب والمحاربين وحماية المدنيين.

 

تتبوأ إسرائيل بجدارة رأس قائمة الدول الأكثر عصياناً للشرائع الدولية الحامية للمدنيين زمن الحرب وتحت الاحتلال. ومع ذلك فإن إفلاتها بهذا العصيان وما يقترن به من اقترافها الجريمة تلو الأخرى يمثل حالة استثنائية.

 

والشاهد أن سيئات أعمال هذه الدولة تقع - بشكل استثنائي أيضاً- على شعب فلسطين الأصيل، وآخرها مذبحة غزة المروعة، غير أن توابع هذا السلوك المنحط وإشعاعاته تتخطى دائرة فلسطين وشعبها. ثمة كثيرون في هذا العالم الفسيح باتوا يجدون في التمرد الإسرائيلي والخروج عن قوس الطاعة الدولي قانونياً وأخلاقيّاً مثلاً يحتذى، ويردد لسان حال البعض منهم جهرة أن التطرف الأيديولوجي والحركي في الرحاب العربية والإسلامية، ناهيك عن الفلسطينية، هو في أحد أهم أصوله صناعة صهيونية إسرائيلية، وأنه إذا كانت إسرائيل اعتمدت في حروبها عدم التمييز بين عسكر ومدنيين، واتخذت من دماء الأخيرين وسيلة ضغط على الأولين، فإنها ومن يوالونها وينتصرون لها يجب أن يعاملوا بالمثل. ولأن الصراع الذي تخوضه إسرائيل ومحاربيها يتصل بأطراف يعز حصرها ويتفاعل في موقع شديد الحساسية على الخريطة العالمية، فإن النتيجة الحتمية لهكذا نظرية وتفكير هي تقويض قواعد القانون الدولي لزمني السلم والحرب الذي سهرت عليه البشرية لحقب طويلة. وأوضح أن القوى الضامنة للعصيان الإسرائيلي، التي تسبغ عليه حمايتها ومباركتها، قد تكون على رأس قائمة المتضررين من هذه الحتمية.

 

 

* كاتب فلسطيني.

 

انشر عبر