شريط الأخبار

حرب الغاز .. خفايا حرب إسرائيل على غزة

08:52 - 15 تموز / أبريل 2009

بقلم: أحمد منصور(كاتب إعلامي مصري)

لكل حرب أهدافها المعلنة وأهدافها الخفية ، وقد أعلنت إسرائيل عن أهدافها من وراء حرب الإبادة الهمجية التي خاضتها في الفترة من السابع والعشرين من ديسمبر من العام الماضي 2008 وحتى السابع عشر من يناير 2009 ضد قطاع غزة، والتى أهلكت فيها الحرث والنسل والجماد والحيوان وكل أشكال الحياة واستخدمت فيها معظم أنواع الأسلحة مع أسلحة جديدة محرمة دوليا لم يكشف عن نوعياتها بعد ، ثم أعلنت بعد كل جرائمها أنها قد حققت أهدافها من وراء حملتها ، لكنها لم تتعرض على الاطلاق إلى أن هدفا أساسيا من أهداف هذه الحرب يتعلق بالسيطرة على الغاز المكتشف على شواطئ غزة والذي يغطي كما تقول التقارير الخاصة بشركة " بريتش غاز " مكتشفة حقول الغاز فى شواطيء غزة حوالي 30% من احتياجات إسرائيل ، فإذا كان أحد الأهداف الأساسية للحرب الأمريكية على العراق هو السيطرة على منابع النفط وسرقتها كما يحدث الآن فإني أؤكد من خلال هذه الدراسة ـ التى استغرق إعدادها عدة أسابيع ـ أن أبرز أهداف الحرب الأسرائيلية على قطاع غزة هو السيطرة على منابع وآبار الغاز التى تتواجد فى سواحل غزة والتى لا يعلم عنها كثير من الناس حتى من أهل غزة إلا معلومات قليلة .

تعود جذور القصة إلى شهر نوفمبر من العام 1999 حينما زار ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الأسبق لندن ، وكشفت بعض المصادر البريطانية وقتها أن دراسات لدى مجموعة " بريتش غاز " البريطانية أكدت وجود كميات كبيرة من الغاز قبالة سواحل غزة ، وتدخل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني آنذاك لدى عرفات وطلب منه التوقيع مع شركة " بريتش غاز " على حق التنقيب واستغلال تلك الآبار مقابل خمسين مليون دولارتمنح سنويا لصالح السلطة الفلسطينية توضع فى حساب خاص يخضع لمراقبة دولية ـ وقد أخبرتني مصادر خاصة أن هذا الحساب موجود فى أحد البنوك فى الأردن ـ ولم يتأخر ياسر عرفات المعروف بمجاملاته عن التوقيع الذي تم فى 29 نوفمبر من العام 1999 في لندن حيث منح عرفات بصفته رئيسا للسلطة الفلسطينية التى تتبعها سواحل غزة شركة " بريتش غاز " حق التنقيب عن الغاز فى سواحل غزة لمدة 25 عاما ، لكن لم يمر عام واحد علي هذا التوقيع حتى نجحت بريتش غاز فى اكتشاف أول بئرين للغاز قبالة سواحل غزة أطلقت عليهما غزة بحري 1 وغزة بحري 2 وقد أكدت لي مصادر" بريتش غاز " هذه المعلومات خلال اتصالات بيني وبين مقر الشركة الرئيسي فى لندن استمرت ما يقرب من شهر بعدما رفض مكتب الشركة فى إسرائيل تزويدي بأية معلومات عن الموضوع وأكد المكتب الرئيسي لبريتش غاز فى الرد الذي وصلني أن البئر الأولى تم اكتشاف الغاز بها فى العام الأول بينما " البئر الثانية أكدت اكتشاف غاز جديد وهام " وقد زودوني بصورة لمنصة الحفر للبئر الأولى غزة بحري 1 كما زودوني بخريطة توضح موقع البئرين من شواطئ غزة ومن عسقلان .

وكان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني قد سعي لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون لالزامه بحصول إسرائيل على هذه الصفقة التى كانت ستدر عدة مليارات من الدولارات علي شركة " بريتش غاز " وعلى الاسرائيليين كمستفيد أول ووحيد من وراء هذا الغاز مقابل الفتات الذي كان سيحصل عليه عرفات والسلطة كل عام تحت رقابة دولية ، إلا أن قيام الانتفاضة فى العام 2000 واضطراب الأمور فى غزة أجل تنفيذ الصفقة ، كما أن سعي شارون للحصول على الغاز من الحكومة المصرية بسعر أقل من سعر بريتش غاز جعله يضغط من أجل الحصول على الغاز المصري بسعر أقل وامتيازات أفضل ، على ألا يساعد فى وصول أية مبالغ للسلطة الفلسطينية ، وبالفعل نشرت صحيفة " الانبدندنت " البريطانية تقريرا عن تلك الصفقة في 19 أعسطس من العام 2003 قالت فيه " إن رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون قد أعلن عن معارضته لصفقة غاز غزة متعللا باضطراب الأوضاع فى قطاع غزة وأن عائدات الأموال يمكن أن تستخدم فى شراء سلاح يمكن أن يستخدم بعد ذلك ضد الاسرائيليين " وهو يرفض إدخال أموال إلى خزانة السلطة الفلسطينية دون أن يعرف فيما سيتم استخدامها ، لكن السبب الأبرز ـ كما أوضح شارون ـ هو أن الحكومة المصرية قد وعدته ببيع الغاز لاسرائيل مقابل أسعار رمزية وكانت المفاوضات جارية آنذاك للتوقيع مع الحكومة المصرية ، ورغم أن جون فيلد المدير العام لمجموعة بريتش غاز فى إسرائيل قال فى تصريحات نشرتها الاندبندنت البريطانية فى 19 أغسطس 2003 أن شركة " بريتش غاز " تأمل أن يعيد شارون التفكير في خياراته إلا أن شارون مضى فى مفاوضاته مع الحكومة المصرية .

وبالفعل بعد مفاوضات مطولة تم التوقيع فى القاهرة فى 30 يونيو من العام 2005 على صفقة طويلة الأجل بين الحكومة المصرية وإسرائيل مدتها خمسة عشر عاما قابلة للتجديد خمس سنوات إضافية ، وقد وقع عن الجانب المصري وزير النفط سامح فهمي ، وعن الجانب الأسرائيلي وزير البنية التحتية بنيامين بن أليعازر الذي كان قد التقي الرئيس المصري حسني مبارك قبل التوقيع ، ونصت الصفقة على أن تبيع مصر إسرائيل من الغاز 1,7 مليار متر مكعب سنويا اعتبارا من أكتوبر من العام 2006 بإجمالي مقداره 25 مليار متر مكعب من الغاز ـ وذلك حسب المصادر الاسرائيلية ـ ، وأعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون آنذاك أنه فضل " شراء الغاز من مصر على شرائه من شركة بريطانية ـ فلسطينية مشتركة خشية من استفادة المسلحين الفلسطينيين من عائداته " .

وكانت إسرائيل قد اضطرت للتوقيع على الصفقة مع مصر التى بدأ التفاوض عليها قبل عشر سنوات من توقيعها بعد فشل جهود شركة " إسرامكو " الأسرائيلية فى تطوير آبار للغاز اكتشفتها بالاشتراك مع شركة " بريتش غاز " قبالة سواحل عسقلان ، حيث طلبت هذه الشركات من الحكومة الاسرائيلية فى 29 يناير من العام 2000 وفق تقرير بثته وكالة الأنباء الفرنسية التمهل فى توقيع العقد مع المصريين حتى يتم التثبت من جدوي تطوير الحقول قبالة سواحل عسقلان ، لكن إسرائيل حصلت علي أكثر مما تريده من الحكومة المصرية بعد ذلك حيث حصلت إسرائيل على الغاز المصري بأسعار أرخص من استخراجه من قبالة سواحل عسقلان ، وهذا ما دفع مجموعة من الناشطين المصريين على رأسهم السفير السابق إبراهيم يسري إلى رفع دعوة قضائية أمام محكمة القضاء الاداري فى القاهرة التى أصدرت حكمها في 18 نوفمبر من العام 2008 بوقف تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل ، وبطلان الاتفاقية لأنها لم تعرض على مجلس الشعب المصري وقالت المحكمة إن قرارا كهذا يجب التصويت عليه فى البرلمان " لأن الموارد الطبيعية الوطنية هي ملك للشعب المصري والأجيال اللاحقة ولذلك على السلطة التنفيذية أن تحظي بموافقة السلطة التشريعية قبل اتخاذ قرار كهذا " .

ورغم صدور حكم في الأول من إبريل من العام 2009 من محكمة الأمور المستعجلة فى القاهرة بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الاداري إلا أن ذلك لم ينه المعركة القضائية حول الموضوع ، ومن ثم حرصت إسرائيل على إحياء مشروع الحصول على الغاز من آبار سواحل غزة مرة أخرى خوفا من أية عوامل يمكن أن تؤدي إلى منع تدفق الغاز المصري إلى إسرائيل ، ولأن غزة تقع منذ العام 2006 تحت سلطة حكومة حركة حماس فإنه يجب التخطيط ـ وفق المنظور الأسرائيلي ـ لكيفية الاستيلاء على آبار الغاز دون الحاجة للتفاوض مع حكومة حماس أو الرجوع إليها بل يجب القضاء عليها وإزالة وجودها من غزة ومن ثم يتم تحقيق أهداف كثيرة فيما يختفي هدف الحرب من أجل الغاز وراء مجموعة من الأهداف المعلنة والتى تشترك فيها بعض دول المنطقة المتحالفة مع إسرائيل .

 

أما فيما يتعلق بغاز غزة وجدواه فقد أعلنت شركة " بريتش غاز " بعد اكتشافها الغاز فى سواحل غزة فى العام 2000 فى تقرير نشرته صحيفة " التايمز " البريطانية فى 23 مايو من العام 2007 أنها تقدر احتياطيات الحقل المكتشف فى العام 2000 بأنها تزيد عن تريليون قدم مكعب من الغاز أي ما يساوي 150 مليون برميل من النفط ، وفي تقرير الأندبندنت الذي نشر فى 19 أغسطس من العام 2003 أعلنت بريتش غاز أنها يمكن أن تضخ من حقل غزة إلي إسرائيل بين 1,5 إلى 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا وهو ما يعادل ثلث الاحتياجات الإسرائيلية من الغاز .

وبعد شعور إسرائيل بأن هناك عقبات داخلية تواجهها الحكومة المصرية قد تضطرها إلى التوقف عن تصدير الغاز لاسرائيل أحيت مشروع غاز غزة مرة أخرى ونشرت صحيفة " التايمز البريطانية فى تقريرها المشار إليه فى 23 مايو من العام 2008 أن مجموعة " بريتش غاز " على وشك الاتفاق على شروط صفقة تاريخية تقدر بأربعة مليارات دولار لتوصيل الغاز الفلسطيني إلى إسرائيل من الحقول المكتشفة على سواحل غزة ، وأن اجتماعا قرر فى نهاية مايو من العام 2008 بين ممثلي الشركة البريطانية وممثلين للحكومة الاسرائيلية لدراسة عقد مدته خمسة عشر عاما وأكدت وزارة الخارجية الاسرائيلية أنها تود إبرام الصفقة فى " أقرب و قت ممكن " حيث اعترفت الحكومة الاسرائيلية أنها بحاجة إلى مصادر جديدة من الطاقة لمواجهة احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي المتزايدة .

وقد أكدت لي بريتش غاز ردا على أسئلة أرسلتها إليهم علي طلب الحكومة الاسرائيلية تقديم مقترحات لتزويد شركة الكهرباء الأسرائيلية بالغاز وهي الشركة الوطنية لتوفير الكهرباء والتى تمتلكها الدولة ، وقامت مجموعة بريتش غازبالفعل بتقديم اقتراح للحكومة الاسرائيلية لتوفير الغاز من حقل غزة البحري ، وأكدت بريتش غاز فى جوابها علي أسئلتي أنها استأنفت بالفعل المباحثات مع الحكومة الأسرائيلية بعد أن أعلنت عن نيتها علي شراء الغاز من حقل غزة البحري وذلك من أجل سد العجز المتوقع فى إمدادات الغاز بعد العام 2011 .

هذا العقد وهذه الصفقة المليئة بالشبهات القانونية والجنائية هي التى جعلت إسرائيل تعجل بحربها على قطاع غزة لأسباب كثيرة معلنة وسبب رئيسي غير معلن هو إنهاء وجود حماس فى غزة وإعادة السلطة أو أي طرف يمثل الشعب الفلسطيني يساعدها فى السيطرة على غاز غزة بثمن بخس وعبر اتفاق يتم إضفاء الشرعية عليه دون أن تبدو العملية كما هي قائمة الآن عملية سطو على مقدرات الشعب الفلسطيني وثرواته حيث سعى شارون بالفعل لالغاء العقد الموقع بين عرفات وبريتش غاز عام 1999 وصرح فى العام 2001 بأن احتياطات غزة البحرية من الغاز تمتلكها إسرائيل .

ومن هنا بدأت إسرائيل مخططها لشن حرب الغاز على غزة في العملية التى عرفت باسم " الرصاص المنصهر " فى شهر يونيو من العام الماضي 2008 وذلك وفقا لمصادر صحيفة " ها أرتس الاسرائيلية في عددها الصادر فى 27 ديسمبر الماضي 2008 ، وهذا يعني أن قرار شن الحرب جاء بعد أيام من عودة التفاوض بين بريتش غاز والحكومة الأسرائيلية الذي أشارت له صحيفة " التايمز " وأكدته لي بريتش غاز كذلك بشكل غير مباشر فى ردها على أسئلتي ، وهذا يفسر أيضا سر أن وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة تسيبي ليفني كانت أحد الصقور التى تقود الحرب لأن وزارتها هي التى أعلنت أنها يجب أن تبرم الصفقة فى أقرب وقت ممكن .

وقد أشار مايكل تشوسديفسكي فى مقال نشره فى 8 يناير 2009 على موقع " جلوبال ريسرش " نقلا عن " جلوبس فى 13 نوفمبر 2008 " أنه فى الوقت الذي انتهت فيه إسرائيل من وضع خطة حربها على غزة المعروفة باسم " الرصاص المسكوب " كانت تتفاوض مع شركة " بريتش غاز " حيث بدأت مفاوضات جدية فى شهر أكتوبر من العام 2008 ، وفي نوفمبر من العام 2008 أمرت وزارة المالية ووزارة البنية التحتية الإسرائيليتين شركة كهرباء إسرائيل بالدخول فى مفاوضات مع شركة بريتش غاز لشراء غاز طبيعي من الحقل البحري لمجموعة بريتش غاز البريطانية، وبالفعل وافق مجلس إدارة شركة كهرباء إسرائيل بقيادة موتي فريدمان على مبادئ الإطار المقترح منذ أسابيع ـ أي بداية التفاوض فى شهر مايو كما أشارت التايمز .

كل هذه المعطيات تؤكد أن الحرب على غزة كانت بالدرجة الأولى من أجل الغاز مع تحقيق أهداف أخرى كثيرة كانت هي المعلنة ، ومع نهاية الحرب وإعلان إسرائيل عن انسحابها من أراضي غزة بشكل شبه كامل صبيحة تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد الرئاسة فى العشرين من يناير من العام 2009 وبعد اثنين وعشرين يوما من الحرب المدمرة ، إلا أنها بقيت تحتل سواحلها ويبدوا أنها لن تغادرها لأن بها الثروة التى يمكن أن توفر 30% من احتياجات إسرائيل من الغاز ، وبالتالي نحن أمام عملية معقدة من الناحية القانونية والأخلاقية تشترك فيها بريتش غاز مع إسرائيل وربما أطراف أخرى متواطئة لأنها تتعلق بثروات الشعب الفلسطيني ومقدراته ، وبالتالي يجب أن يتحرك المدافعون عن حقوق الشعب الفلسطيني ورجال القانون الذين يمثلون الشعب الفلسطيني علي كافة المستويات السياسية والقانونية الدولية لايقاف هذه الجريمة الكبري التى لا تقل عن الجرائم التى ارتكبت فى غزة طوال ثلاثة وعشرين يوما من الحرب .

 

انشر عبر