شريط الأخبار

الأكثر أخلاقية في العالم. حقيقة.. هآرتس

12:40 - 14 تشرين أول / أبريل 2009

بقلم: اسحق لئور

مع حلول الذكرى العاشرة للاحتلال، في 19 حزيران 1977، نشرت "الصاندي تايمز" تحقيقا صحفيا شاملا عن التعذيبات التي يتعرض لها السجناء الفلسطينيون في السجون الاسرائيلية. وجاء في استنتاجات التقرير بان: "تعذيب السجناء العرب منتشر ومنهاجي لدرجة أنه لا يمكن اعتباره استثناءا من افراد "انذار" من الشرطة. يبدو أنه مقر كسياسة مقصودة".

النفي الاسرائيلي كان بالطبع باتا. ولم تتصدى أي صحيفة اسرائيلية للاتهامات. وحسب رد سفارتنا في لندن فان اخلاقيات الانبياء لا تسمح بالتعذيب، ولهذا فان هذه الاتهامات مدحوضة. وللحقيقة، مناحيم بيغن الذي كان اقام لتوه حكومته، صدم بالذات، وأمر المخابرات الاسرائيلية بالكف، غير أن منطق الاحتلال وجهاز الامن كانا اقوى من صدمة رجل التنظيم السري السابق. وجاءت قضية خط 300 وعزت نفسه، في العام 1984 لتذكرانا جميعا بان تقرير "الصاندي تايمز" كان أدق من النفي، بل ومن النوايا الطيبة لبيغن. من جهة اخرى، فان كل استطلاع اسرائيلي عن التعذيب او الفظائع كان سيظهر بلا ريب، نتائج بسيطة: اولا، ليس صحيحا؛ ثانيا، محق؛ ثالثا: هم بدأوا. من يعتقد ان هذا المنطق يعود فقط لمعقبين هاذين، ينبغي ان يقرأ مرة اخرى الرد الاول لايهود باراك في قضية شهادات الجنود من غزة: الجيش الاسرائيلي هو الجيش الاكثر اخلاقية في العالم". حقيقة.

وحتى قصف مدن القناة في حرب الاستنزاف، في وقت القصف في العمق المصري، تضمن تدمير مدرسة في اثناء الدراسة، مصنع فولاذ ضخم في اثناء العمل – وذلك تحت قيادة غولدا مائير كرئيسة وزراء ورؤساء الاركان والالوية من حركة العمل؛ وحتى هذا لم يغير بصفته هذه الصورة الذاتية لاسرائيل. ومشكوك أن تفعل ذلك المشاهدة لبث "الجزيرة" الحي والمباشر من غزة.

بمعونة ذاكرة مبرمجة جيدا (من رجال الفكر من اليسار الصهيوني) بنينا أنفسنا كأملة ليس فيها ابدا مكان لذاكرة خاصة مناقضة، او على الاقل لجدال في ما هو "مقدس". الجميع يسير على وتيرة ذات الطبل. ما لم يتناسب مع "الانا الوطنية" – رفض. "اكسودس" (النزوح)؟ يناسبنا. قضية "ستروما"؟ فقط للباحثين في مرحلة متقدمة. دير ياسين؟ رمز جيد (ليس "نحن" فعلنا، بل "المنشقون"). مذبحة سعسع، او طبريا، او اللد؟ غير ذي صلة. قبيا؟ انسوا! صبرا وشاتيلا؟ يمكن التذكر ("المسيحيون قتلوا المسلمين"). محق ايهود باراك، حسب كل مقياس وارد – نحن الاكثر اخلاقية. إذ لا يوجد غيرنا.

ولكن يحتمل أن يكون وزير الدفاع يقصد عمليا الامريكيين. فجيشهم ارتكب فظائع كبرى في الستين سنة الاخيرة – من كوريا، عبر فيتنام، بنما، وحتى العراق. ولكن بالذات في هذا السياق حان الوقت لقول شيء ما عما يفعلونه عندنا، الدولة وجيشها، لرعاياهم، بما في ذلك للجنود الذين يصابون بجرثومة الوحشية، وبالرعاية الصلبة للجماعة التي لا مثيل لها في العالم الديمقراطي. كل الفظائع التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي تجري دوما برعاية "قانون التجنيد الالزامي"، الذي ليس فقط قانونا، مثل دفع ضريبة الدخل، او السياقة في الجانب اليميني من الشارع، بل واجب مقدس. عدم الذهاب الى الجيش معناه ان يكون المرء "مجنونا"، وفقط "المجانين" لا يذهبون الى الجيش ولا يغمسون اياديهم بالدم الطقسي. هذا هو النمط الاخلاقي الاعلى للمجتمع الاسرائيلي وهو يغطي كل شيء، بالنفس وبقبول القضاء.

المنظومة بأسرها – التعليم والجيش، المخابرات والقضاء، الاعلام والرياضة – تخرج من الخطاب ليس فقط امكانية الكفاح المضاد، او ان يكون المرء سوي العقل والا ينتمي بل وحتى قبول امكانية ان يكون فيها أي شيء لا اخلاقي من أساسه. وعليه، فمن الطبيعي أن يجمل وزير الدفاع الجولة الراهنة من النفي حين هنأ النائب العسكري العام بقوله: "يسرني أن تكون هذه هي النتائج ويتبين مجددا باننا بالفعل محقون حين نقول ان الجيش الاسرائيلي هو الجيش الاكثر اخلاقية في العالم، من رئيس الاركان وحتى آخر الجنود".

وهاكم الواقع، الذي لن يهزمه أي عمل فني ساخر وان كانت قالت غولدا في العام 1970 في مسرحية "ملكة الحمام": "71 سنة وأنا أفحص نفسي فأجد فيها عدلا وحقا كهذا الله يحفظ. وكل يوم هذا يفاجئني من جديد. محقة، محقة، محقة، ومرة اخرى محقة... ذات مرة غفوت قليلا في الظهيرة، وقلت لنفسي: أفقد أرتكب حماقة في غفوتي؟ هل ارتكبت حماقة في غفوتي؟ أوجدتم من يرتكب حماقة في غفوته!" (حانوخ لفين).

انشر عبر