السلطة الفلسطينيّة وقرية برقة.. بقلم/ عوض عبد الفتاح

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 10:10 ص
01 يناير 2022
الكاتب عوض عبد الفتاح.jpg

قبل أيّام التقيتُ مع عدد من نشطاء العمل الأهليّ والسياسيّ والإعلاميّ في مدينة رام الله؛ وكالعادة، يتطوّر النقاش والحوار حول واقعنا، وآفاق التغيير، والخلاص من أزمة الحركة الوطنيّة. ومن اللافت للنظر، سرعة تغيُّر المزاج والمشاعر وتلاشي الآمال في فترات قصيرة، والتي باتت إحدى نتائج وسِمات حالة الانسداد.

وبعد فترة قصيرة من انتهاء الحدث الكبير، نلمس انتعاشَ خيباتِ الأمل والشكوك ومشاعر المرارة مع بدء اكتشاف غياب الطريق الواضح، الذي من المفترض أن يأتي بعد نهاية الحدَث. ويعود هذا التأرجُح إلى العجز العامّ عن استثمار كل حدَث كبير أو صغير، فغداة كل مواجهة محدودة أو شاملة ترفع الآمال إلى عنان السماء، يأتي من يبدّدها أو يعمل على تفريغ معانيها، إما عبرَ الحِياد أو عبرَ القيام بخطوات، مثل الاستنجاد بالمحتلّ، أو إلغاء الانتخابات، أو تكثيف القمع الداخليّ. ومثّلت هبة أيار/ مايو المجيدة، التي زلزلت المشهد السياسيّ، وهزّت قناعات أسطَع الأمثلة على ذلك.

يسود رأي في النخب الفلسطينيّة المستقلّة، مفاده أن دور السلطة وحركة "فتح" الفعّال في المشاركة والتنظيم في المواجهات في قرية برقة، عبر تنظيمِ سفرٍ لسكان القرى المجاورة في حافلات، يهدف إلى التغطية على نهج مستمِرّ، ثبَت فشله الذريع، بل أنتج أضرارًا بات من الصعب بل من المستحيل إصلاحها، في ظل هذه القيادات.

وبحسب رؤيتهم وتقديرهم، فإن السلطة لا تخشى حقيقةً من انتفاضة مسلّحة لأنها غير ممكنة، على الأقل في الظروف والمعطيات الراهنة، إنما تخشى من انتفاضة شعبيّة مدنيّة شاملة، تنمو من خلالها قوى شعبيّة وشبابيّة جديدة بديلة للنهج الحاليّ.

وبِصلة مع هذه الشكوك، لاحظت خلال الظهور الإعلاميّ للناطقين وممثلي قيادة حركة "فتح" والسلطة، في اليومين الماضيين، محاولاتهم لتبرير زيارة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس إلى بيت وزير الحرب الإسرائيلي، بيني غانتس. وخلال المقابلات الإعلاميّة، كانوا يستحضرون بصورة متكرِّرة مشارَكة فتح في مواجهات برقة، مثلا قولهم إنه "من المهم أن نشير إلى ونؤكد أننا أيضا موجودون في الميدان". وكأن الأمرين منسجمان، أو يلتقيان في الهدف نفسه.

طبعا لا بُدَّ من الإشادة بأهلنا في برقة وبيتا وفي كل نقاط المواجهة في التصدي للغزاة، ولهمجية قطعان المستوطنين. ونعرف أن معظم الهبّات الشعبيّة المحليّة أو الوطنيّة العابرة للتقسيمات الاستعماريّة، هي مبادرات ذاتيّة وعفويّة، وليست بأمر من سلطة أو فصيل، والتي تتحوّل إلى حراكات منظّمة تمتدّ لأيام أو لأسابيع أو أشهر ثم تتوقف. وفي غياب المرجعيّة الوطنيّة الجامعة، أو مركز سياسيّ فلسطينيّ موحَّد، والرؤية التحرريّة الواضحة؛ تتبدّد معظم دروس هذه الهبّات، لأنّ هناك من لا يريد لهذه الحراكات أن تتطوّر وترتقي إلى مصافي الهبّة الشعبيّة الشاملة، خوفا من أن تطيح به وبنهجه. وهذا النهج المعطوب هو بنيويّ، ومتَّصِل بالصراع مع حركة "حماس"، وليس نابعًا من حسابات وطنيّة.

من القُبح أن يتمّ استغلال أو توظيف هبّات شعبية في التغطية على ممارسات رئيس السلطة الفلسطينية، وعلى خطوات تقف على نقيض هذه الهبّات، وأن تقوم الحاشية بتسويق هذه الخطوات والممارسات. وهُم يدرِكون أن لا شرعيةَ للسلطة الحاليّة سوى تلك التي تستمدّها من الخدمات الأمنيّة التي تقدّمها على أكمل وجه للمستعمِر، وهذا ما أكده رئيس السلطة، بل حلف أغلظ الأيمان أمام غانتس، بمواصلة الالتزام بالتنسيق الأمنيّ.

إن الغرَض من لقاء عباس - غانتس، ليس إلا حماية السلطة من إمكانيّة حصول حراك شعبيّ يطيح بها وبالطبقة التي تحيط بها، إذ تتقاطع المصالح مع مصالح غانتس ونظامه الاستعماريّ، الذي له مصلحة في حماية السلطة ودورها الوظيفيّ، ولإرضاء الإدارة الأميركيّة الجديدة، التي لا ترى في هذه المرحلة، سوى إطعام الفلسطينيين وإخضاعهم، حتى لا يثوروا ويطيحوا بسلطتهم، التي يشكّل بقاؤها، بوظيفتها الحالية، كنزا أمنيًّا إسرائيليًّا، وفائدة كبرى للإمبرياليّة الأميركيّة ولحلفائها.