شريط الأخبار

كتب أنطـوان شلحـت .. في الميزان الإسرائيلي: إنجازات الحرب على غزة أقرب إلى الصفر

07:18 - 12 حزيران / أبريل 2009

مقال مترجم

 (*) لا تنفك المنابر الإسرائيلية الإعلامية المختلفة تحفـل بكمّ كبير من التحليلات المتعلقة بالحرب الإسرائيلية على غزة [استمرت خلال الفترة بين 27 كانون الأول 2008- 17 كانون الثاني 2009 باسم "حملة الرصاص المصبوب"]. (1)

وليس من المبالغة القول إن جلّها ينـمّ عن خيبة الأمل من إنجازات تلك الحملة، إلى درجة جعلت كبير المعلقين السياسيين في صحيفة هآرتس، يوئيل ماركوس، يؤكد في أحد آخر تعليقاته أنه لم يتضح إلى الآن ما إذا كانت هذه الحملة ناجحة أم فاشلة. في حين أشار الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند، رئيس "مجلس الأمن القومي" السابق، إلى أن من الصعب إبداء أي قدر من الحماسة لهذه الحملة، بعد مرور شهرين ونيّف على انتهائها. فإطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل لم يتوقف، وعمليات تهريب الأسلحة من مصر إلى غزة متواصلة، وحركة "حماس" تعزز سلطتها، وغلعاد شاليط [الجندي الإسرائيلي الأسير لديهـا] لم يعد إلى بيته.

 

وقال الجنرال في الاحتياط شلومو غازيت، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، إن كل يوم يمر منذ إعلان إسرائيل عن وقف إطلاق النار من جانب واحد في غزة، ينطوي على تفويت للفرصة، التي ترتبت برأيه على نجاح عملية "الرصاص المصبوب". كما أنه يعيدنـا إلى الواقع الصعب الذي كان قائمًا قبل 27 كانون الأول 2008 [يوم بدء تلك العملية العسكرية]، وربما قبل ذلك أيضًا. وبينما كنا في ذلك الوقت نعيش على أمل أن تبادر إسرائيل إلى عملية عسكرية هجومية، فإننا نواجه الآن علامات تدل على فشل هذه العملية وتفويت الفرصة المترتبة عليها.

 

وتابع: يجوز أن المسؤولية عن هذا الفشل عائدة إلى قيام إسرائيل بشنّ العملية العسكرية في غزة على أعتاب انتخابات عامة، وما تميزت به من تنافس محموم بين عناصر التحالف الحكومي. لكن من الناحية العملية لا بُدّ من القول إن المؤسسة السياسية الإسرائيلية زجّت الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب من دون أن تحدّد أي أهداف واضحة لها. وعقب ذلك وقع الخطأ الأكبر وهو الانسحاب من قطاع غزة، من دون التوصل إلى اتفاق جديد. وبذا فقد أنهينا الحرب في غزة في ظروف أسوأ كثيرًا من ظروف إنهاء حرب لبنان الثانية [في صيف 2006].

 

وختم قائلاً: صحيح أن إسرائيل تعمل من أجل التوصل إلى اتفاق، غير أنها لم تعد تملك أي رافعات ضغط. وهكذا يتبين أن في الإمكان تفويت فرصة تحقيق أهداف إستراتيجية حتى "في حال تنفيذ عملية عسكرية بصورة لا غبار عليها"، على حدّ قوله.           

 

 وأشار موشيه آرنس، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، إلى أنه حان الوقت كي نطرح على أنفسنا السؤال التالي: ما هي الإنجازات الحقيقية لعملية "الرصاص المصبوب"؟. فهذه العملية العسكرية لم تضع حدًا لإطلاق الصواريخ، ولم تؤد إلى الإفراج عن [الجندي الأسير] غلعاد شاليط. وفي الوقت نفسه فقد كلفت إسرائيل ثمنًا باهظًا، إذ أنها جعلت العالم كله يثور ضدها، بسبب الدمار الكبير الذي تركته وراءها، وبسبب معاناة السكان المدنيين في قطاع غزة. ولا شك في أن هذا الأمر سيجعل من الصعب عليها أن ترد على استفزازات "حماس" في المستقبل.

 

وأضاف: إذا ما قارنا الإنجازات بهذا الثمن فستبدو أقرب إلى الصفر. ولقد توقفت عملية "الرصاص المصبوب" على الرغم من استمرار إطلاق الصواريخ على الجنوب، وانسحب الجيش الإسرائيلي من دون أن يحقق أي هدف. إن ما يثير العجب فعلاً هو أن هناك شبهًا كبيرًا بين حرب لبنان الثانية، التي تولى إدارتها وزير دفاع يفتقر إلى أي تجربة أمنية [عمير بيرتس]، وبين العملية العسكرية في غزة، التي تولى إدارتها وزير دفاع يملك تجربة أمنية غنية [إيهود باراك]. وعلى الرغم من ذلك ما زال كلاهما يتمسكان بفكرة خطأ فحواها أن عمليات الجيش الإسرائيلي رممت قوة الردع الإسرائيلية. غير أن الواقع يدل على أن حزب الله بات، في الوقت الحالي، أقوى مما كان عليه قبل حرب لبنان. كما أن "حماس" تواصل التزود بالأسلحة وإطلاق التهديدات. بناء على ذلك فإن العبرة الرئيسة، في رأي آرنس، هي أنه ليس بالإمكان ردع "الأنصار" ويتعيّن تجريدهم من أسلحتهم. إن إسرائيل بحاجة إلى تفكير إستراتيجي جديد من أجل مواجهة الأخطار الماثلة أمامها.

 

وكانت صحيفة هآرتس قد سخفت من قيام رئيس الحكومة الإسرائيلية المنصرفة، إيهود أولمرت، بتكرار تهديداته ضد "حماس"، كما لو أنها تنطوي على مفعول معيّن. وكتبت تقول: على ما يبدو فإن أولمرت لم يتعلم شيئًا من تجربته، وها هو يعود إلى تهديدات سابقة، بعد أن لم تعد الحرب في غزة بأي منفعة على إسرائيل، وأثبتت صواريخ القسّام وغراد، المستمرة في السقوط على إسرائيل، أنه لم يتحقق أي ردع في مقابل "حماس". إن الوقت الحالي غير ملائم للتهديدات وإنما للمفاوضات. ولقد كان اتفاق تهدئة طويل الأمد [مع "حماس"] في متناول يد إسرائيل، خلال الآونة الأخيرة، لولا أن رئيس الحكومة تعنت في موقفه فجأة، ورهن فتح المعابر بالإفراج عن شاليط. كما أن الإفراج عن هذا الجندي كان في متناول اليد، لو أن الحكومة أجرت مفاوضات جادة مع "حماس" بدلاً من إضاعة الوقت في الخصومات الداخلية.

 

ووفقًا للصحيفة فإن ما كان مطلوبًا من أولمرت، قبل أيام قليلة من انتهاء ولايته، هو أن يكف عن إطلاق تهديدات ثبت أنها عقيمة ولا طائل منها، وأن يعمل على تحقيق أهداف إسرائيل بواسطة تسريع المفاوضات بشأن الموضوعين المدرجين في جدول الأعمال- التهدئة والإفراج عن شاليط- ابتغاء التوصل إلى اتفاق. وفي حال إقدام أولمرت على ذلك فسيعتبر مساهمة أخيرة تكفّر قليلاً عن قصوراته الكثيرة خلال أعوام ولايته في رئاسة الحكومة.

 

وعلى صلة بهذه المقاربات صادفنا أيضًا تعليقات رأت عقب كشف النقاب عن عملية عسكرية في السودان، نُسبت إلى إسرائيل، وتزامنت مع قرب انتهاء الحرب على غزة، واستهدفت قافلة حافلات جرى الادعاء بأنها كانت تهرّب أسلحة من إيران إلى غزة، أنها تؤكد فشل عملية "الرصاص المصبوب". ومنها ما كتبه المستشرق الإسرائيلي غاي بيخور في 2/4/2009، منوهًا بما يلي: إذا كانت الأنباء المتعلقة بهجمات سلاح الجو الإسرائيلي في السودان صحيحة فإنها تعتبر نذير سوء شديد للغاية. إن هذه الهجمات تعني أننا لم نفلح، لا خلال عملية "الرصاص المصبوب" في غزة ولا في أعقابها، في أن نحقق إنجازات دولية في مجال الردع، سواء أكانت دبلوماسية أم نفسية، تحول دون استمرار عمليات تهريب الأسلحة إلى غزة.

 

وأضاف: إن الحديث يدور على عمليات تهريب تمّت ولا تزال مستمرة، وتنطوي على كميات هائلة من الصواريخ من شأنها أن تخل بميزان القوى القائم بيننا وبين غزة، ومنها مثلاً صواريخ مضادة للطائرات، وصواريخ في إمكانها أن تصل إلى تل أبيب وغيرها. [بحسب المراسل العسكري لصحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، فإن قرار المجازفة بشن هجمات على بعد 1400 كيلومتر اتخذ على ما يبدو في إثر تقديرات استخبارية  بأن إيران على وشك أن تهرّب وسائل قتالية مهمة إلى قطاع غزة. ومن المنطقي التكهن بأن الحديث يدور على صواريخ فجر. وقد سبق أن اعتبر الجيش الإسرائيلي أن إدخالها إلى غزة من شأنه أن يخل بميزان القوى بين إسرائيل و"حماس". فإن هذه الصواريخ هي ذات مدى يبلغ 70 كيلومترًا، وفي حال حيازتها يصبح في إمكان "حماس" أن تطلقها على تل أبيب. وقد كانت "حماس" وطهران تبحثان معًا عن إنجاز من هذا القبيل، وذلك من أجل إثارة الانطباع بأنهما انتصرتا في المعركة ضد إسرائيل].

 

وخلص بيخور إلى القول: لا يجوز أن نتباهى زيادة عن اللزوم بالعملية العسكرية في السودان، لأنها لم تحقق أي إنجاز، لا في مجال الردع ولا في مجال كبح تسرّب السلاح إلى غزة.       

 

ولا بُدّ أن نعيد إلى الأذهـان أنه حتى موعد شنّ الحرب كانت إسرائيل منهمكة، إلى أذنيها، في مسألة تجاوز آثار الفشل الذي منيت به خلال الحرب على لبنان في صيف 2006، والذي اعتبره كثيرون فشلاً ذريعـًا. ولذا فمن البديهي أن تتناول التحليلات التي وضعت تلك الحملة في الميزان، قبل أي شيء، الموضوعات نفسها التي خضعت للدراسة والتحليل واعتبرت عوامل رئيسة للفشل المذكور، وخصوصًا في ضوء ما تضمنه التقريران الجزئي والنهائي لـ "لجنة فينـوغراد"، التي تقصّت وقائع الحرب في لبنان.

 

وفي الإمكان أن نحدّد أبرز هذه الموضوعات في ما يلي:

 

أداء المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل والعلاقة فيما بينهما، علاوة على أداء الجيش الإسرائيلي نفسه، والهيئات المسؤولة عن الجبهة الإسرائيلية الداخلية.

تحديد أهداف الحملة العسكرية.

أداء وسائل الإعلام الإسرائيلية.

ردات الفعل الصادرة عن القوى السياسية الإسرائيلية، وعلى نحو خاص أحزاب اليسار الصهيوني وقوى السلام الإسرائيلية والمواطنين الفلسطينيين في الداخل.

الأبعاد السياسية المترتبة على الحملة العسكرية، وخصوصًا ما يتعلق بمواقف الأطراف الفلسطينية والعربية المجاورة والقوى الإقليمية والأسرة الدولية. 

ولقد بات معلومـًا، كما أشرنـا في سياق سابق، أن "الحسم" و"الـردع" يشكلان حجري الزاوية في نظرية الأمن الإسرائيلية المعمول بها، لكن بما أن "الحسم" في الحروب، التي على غرار الحربين في لبنان وغزة، يكاد يكون مستحيلا، فإننا نلاحظ أن ثمة تركيزًا خاصًا، في الآراء الإسرائيلية المختلفة بشأن الحملة، على السؤال بشأن قوة الردع الإسرائيلية، وفيما إذا كان قد طرأ تغيير إيجابيّ عليها، وذلك بعد أن اعترتها ثقوب كثيرة في إثر حرب 2006 في لبنان.

 

وتجدر الإشارة إلى أنه عقب انتهاء الحملة على غزة قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمـرت، في معرض إجماله لنتيجتها العامة، في سياق مقابلة أدلى بها إلى صحيفة معاريف الإسرائيلية، إن "قوة الردع الإسرائيلية أضحت الآن أفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى، وليس أفضل مما كانت عليه خلال العقد الفائت فقط. وهي تنطوي على ما من شأنه أن يردع عناصر محور الشرّ كلها"... ["معاريف"، 23 كانون الثاني 2009].

 

لكن على الرغم مما يقوله أولمرت وخلافًا له فإن الانطبـاع أو الشعور العـام، الذي لا يزال طاغيًا على أوساط واسعة في المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية في إسرائيل، وكذلك على معظم أوساط الجمهور الإسرائيلي العريض، وهذا ما في إمكاننا أن نستشفه من التحليلات الجديدة في معظمهـا، هو أن إسرائيل "فوتت فرصة انتصار أخرى" في هذه الحملة. وهو شعـور يتضـاد مع ما حاولت قيادة المؤسستين السياسية والعسكرية أن تروّج له، وفحواه أن "إسرائيل حققت أهداف الحملة كاملة".  [في واقع الأمر ظلت الحرب على غزة، بحسب ما يؤكد أغلب المحللين، مفتقرة إلى هدف محدّد حتى بعد مرور أسبوعين على اندلاعها، وفي أثناء ذلك بقي الهدف الغالب على الخطاب الإسرائيلي العام هو "جعل حركة حماس تتخلى عن الرغبة في مهاجمة إسرائيل". وعقب ذلك جرى تحديد أهداف الحرب على غزة في ثلاثة أهداف رئيسة هي: الأول- تحقيق الهدوء على الجبهة الجنوبية لفترة طويلة؛ الثاني- وقف "عمليات التهريب" إلى القطاع؛ الثالث- الإفراج عن الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط، الذي تحتجزه "حماس" منذ حزيران العام 2006].

 

وما ينبغي ملاحظته هو أن هناك أسبابًا كثيرة لنشوء هذه الفجوة الكبيرة بين ما تروّج المؤسستان السياسية والعسكرية له، وبين الشعور العام المهيمن على الجمهور العريض بشأن "حرب غزة".

 

وسأذكـر ثلاثـة أسباب تُعدّ رئيسة من بينها:

 

(*) الأول- عقب حرب 2006 في لبنان دأبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفي مقدمها رئيس هيئة الأركان العامة للجيش، غابي أشكنازي، على أن تؤكد أنه يتعين على إسرائيل في أي مواجهة عسكرية مقبلة أن "تحقق حسمًا جليًا في الميدان، بصورة لا تدع أي مجال لطرح السؤال بشأن هوية الطـرف المنتصـر". وقد أثار هذا التوكيد "توقعات منطقية" واسعة النطاق بأن المعركة المقبلة ستنتهي، من ناحية إسرائيل، بحسم واضح غير قابل للتأويل.

 

(*) الثاني- لا شكّ في أن "الوعي بالانتصار" عادة ما يتكوّن، وبالذات لدى الرأي العام الواسع، في منأى عن "الأهداف الرسمية للمعركة"، والتي تحددها المؤسسة السياسية. ويستند هذا الوعي، أساسًا، إلى موقف مستقل لدى الرأي العام نفسه بإزاء الأهداف التي يفترض أن تكون للمعركة. وبنـاء على ذلك فإنه يصدر حكمه على امتحان النتيجة النهائية أولاً. وأستطيع القول، من موقع المتابع المثابر، إن الانطباع العام بأن "إسرائيل أهدرت فرصة انتصار أخرى في غزة" انعكس على نحو كبير للغاية في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، وأساسًا ترتبًا على ثلاثة عوامل ظلت النتيجة النهائية للحملة غير مشتملة عليها. وهي: 1) أن "حماس" لم ترفع "الراية البيضاء"، كما أنها لم تطلب، بصورة علنية، وقف إطلاق النار من دون قيد أو شرط؛ 2) لم تسفر الحملة عن التوصل إلى حل مُرض، من ناحية إسرائيل، لما تسميه بـ "عمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة"؛ 3) لم تؤد المعركة إلى تحسين ظروف الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير غلعاد شاليـط.

 

(*) الثالث- في سياق المقابلة الصحافية المذكورة أعلاه قال أولمرت: "هل سمع أحد منكم على لساني شيئًا يتعلق بالهدف الذي أردت تحقيقه فعلاً من وراء المعركة؟. لماذا لم أفعل ذلك؟ لأني كنت أعتقد أنه ليس من الصواب الإقدام على هذا". بناء عليه في الوسع القول إن الشعور، الذي تملك الجمهور الإسرائيلي العريض، هو أن الأهداف الرسمية للمعركة، التي طرحت من قبل المؤسسة السياسية، لم تكن تعكس فعلاً الأهداف الحقيقية التي تطلعت إلى تحقيقها. ويبدو أن هذا الأسلوب هدف إلى توفير غطاء للمؤسسة السياسية، في حال عدم تحقيق الأهداف الأوسع والأبعد مدى للمعركة، والتي لم تتحقق فعلاً. 

 

أمّا بالنسبة لقوة الردع الإسرائيلية تحديدًا فستبقى، على ما يبـدو، الموضوع الرئيس الذي سيستقطب المزيد من النقاشات والجدالات. وفي هذا الشأن تزداد الأصوات التي تؤكد أن إسرائيل لا تملك قوة ردع منذ ما قبل حرب حزيران 1967.

 

وعلى الرغم من ذلك لم تصدر عن المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل أي إشارات إلى وجود نية بالتوقف عن اللهاث وراء قوة الردع العسكرية. بل يمكن القول، من دون خشية الوقوع في المبالغة، إنهما ستظلان منهمكتين بهذا اللهاث حتى إشعار آخر، خاصة في ظل تسلم حكومة يمينية متطرفة مقـود السلطة.

 

"الجبهة الإسرائيلية الداخلية"-

المحك الحقيقي لم يحن بعد!

 

(*) من ناحية أخرى تواصل الجبهة الإسرائيلية الداخلية إشغال حيّز واسع النطاق من الاهتمام الأمني والسياسي والإعلامي في إسرائيل، في إثر انتهاء الحرب على غزة، وترتبًا على نتائج حرب لبنان الثانية، وأيضًا في ضوء صدور تقرير جديد عن "مؤسسة مراقب الدولة الإسرائيلية" في هذا الشأن. فقد أكد هذا التقرير، الذي كُشف النقاب عن محتوياته الرئيسة في يوم 2 آذار 2009، أن الجبهة الإسرائيلية الداخلية ليست جاهزة لأي هجوم بالأسلحة الكيماوية، علاوة على أن إسرائيل ما زالت تفتقر إلى نظام فاعل يكون في إمكانه أن يعترض الصواريخ القصيرة والبعيدة المدى.

 

وقد أشار التقرير، على نحو خاص، إلى نتائج فحص معمّق أجراه مراقب الدولة في قضية تطوير ما يسمى بـ "القبة الحديدية" لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى، والتي ينتظرها سكان المستوطنات المحيطة بقطاع غزة منذ ثمانية أعوام!. وبحسب التقرير فإن "الصورة المترتبة على هذه النتائج مقلقة، وتكشف عن بيروقراطية وعن تبذير أموال وخروج عن القواعد المألوفة". وخلص إلى أن منظومة "القبة الحديدية" لا تزال بعيدة عن الاكتمال، وأن إسرائيل خاضت حربين، لبنان الثانية، وقطاع غزة، بينما كانت الجبهة الداخلية معرضة للصواريخ، ولا يوجد في حيازتها أي جهاز دفاعي فعال مضاد للصواريخ.

 

ورأى مراقب الدولة في الصواريخ والقذائف الصاروخية "تهديدا حقيقيا متواصلا". كما أشار إلى "تقصير ملموس" لدى وزارة الدفاع الإسرائيلية، خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، في تطوير وسائل قتالية يفترض أن تكون قادرة على اعتراض الصواريخ.

 

وأبان التقرير أن مراقب الدولة قام بفحص منظومتين لـ "الدفاع الفعال" هما "القبة الحديدية" لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى، و"العصا السحرية" لاعتراض الصواريخ البعيدة المدى. وكلتاهما لا تزالان في مرحلة التطوير في "سلطة تطوير الوسائل القتالية - رفائيل". كما أبان أنه فقط في تشرين الثاني 2006، أي عقب الحرب على لبنان، صادق سلاح الجو على ضرورة تطوير وسائل لاعتراض الصواريخ.

 

وكانت تقارير إسرائيلية أخرى قد تناولت أداء الهيئات المسؤولة عن "تسيير شؤون الجبهة الداخلية" في إبان الحرب على غزة. وفي الإمكان أن نذكر منها، على سبيل المثال، تقريرين صدرا عن "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب وعن "معهد ريئوت للتخطيط السياسي الإستراتيجي".

 

وقد اعتبر كلاهما، في الإجمـال العام، أنه طرأ تحسن ملموس على الأداء السالف، بالمقارنة مع ما كانت الحال عليه خلال الحرب على لبنان. غير أنهما أكدا، في الوقت نفسه، أن الحرب على غزة أو عملية "الرصاص المصبوب" لا تُعدّ محكًا عامًا حقيقيًا لهذا الأداء في الوسع التعويـل عليه، نظرًا لكونها "حالة خاصة" أتاحت لتلك الهيئات إمكان أن "تتحكّم بزمام المبادرة في نطاق مساحة جغرافية محدودة، من حول منطقة الحدود مع غزة كانت واقعة في مرمى الصواريخ، وأن تلبي الحاجات المطلوبة من قبل السكان المحليين". وأحجم التقريران عن استخلاص أي استنتاجات تتعلق بإحالات هذه "الحالة الخاصة" بالنسبة للمستقبل، في حال اندلاع مواجهة عسكرية تتعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية كلها خلالها إلى هجمات بالصواريخ. واكتفيا باللجوء إلى خيار سهل وتبسيطي فحواه الإعراب عن الأمل بأن يترتب على "الأداء المتميز" في خضم تلك "الحالة الخاصة" أداء شبيه في خضم "حالة أكبر وأعم" مستقبلاً.   

 

وتنضفر حرب لبنان الثانية في هذا السياق، لكونها في عُرف الكثيرين من المحللين العسكريين قد أفرزت تحديثاً مهماً في نظرية الأمن الإسرائيلية.  وبموجب ما يؤكد هؤلاء، في معظمهم، فإن الضربات الصاروخية المتتالية، التي وجهها "حزب الله" إلى التجمعات السكانية الإسرائيلية في تلك الحرب، أزالت الغشاوة عن أعين الجمهور الإسرائيلي العريض وعن أعين صنّاع القرار في إسرائيل، وبات أي مواطن وأي مسؤول يدرك منذئذٍ أن الجبهة الداخلية هي جبهة فعالة بكل ما في الكلمة من معنى، بل وتضاهي في أهميتها ودلالاتها، إلى حد كبير، الجبهة القتالية.

 

وكتب أحد هؤلاء المحللين يقول: الآن بات مدركًا ومفهومًا أكثر من أي وقت مضى أن نتائج الحروب بين إسرائيل وأعدائها سوف تتقرر في المستقبل لا بناء على ما سيحدث في الجبهة القتالية وحسب، وإنما أيضاً وبقدر لا يستهان به، بناء على ما سيحدث في الجبهة الداخلية. وأضاف: "إن تعاظم قوة أعداء إسرائيل في الدوائر المختلفة ("حماس" في الساحة الفلسطينية، "حزب الله" في الساحة اللبنانية، سورية على الجبهة السورية- الإسرائيلية وإيران في الدائرة البعيدة) يستند إلى حد كبير إلى السلاح الصاروخي على اختلاف أنواعه.  فالتهديد العسكري تغير في جوهره، وهو يعتمد الآن على المس بالجبهة المدنية أكثر من اعتماده على المواجهة المباشرة بين الجيوش.  وفي مواجهة هذا التهديد تنشأ حاجة إلى رد ملائم، يختلف في جوهره ومكوناته عن الرد الذي كان متبعاً في الماضي". 

 

وتوكيدًا لهذا الإدراك أورد محلل عسكري آخر الأقوال التي نشرت [في موقع رئيس الحكومة الإسرائيلية على شبكة الإنترنت] على لسان رئيس الحكومة المنصرفة، إيهود أولمرت، عقب زيارة رسمية قام بها إلى قيادة الجبهة الداخلية في 19 آب 2008، والتي تشير برأيه "إلى تقدم ملموس ومهم في وعي وإدراك الحكومة لمغزى التهديد المستقبلي ولعناصر الردّ والمكونات اللازمة في مواجهته".  وجاء على لسان رئيس أولمرت إن "حروب المستقبل ستكون مختلفة جوهرياً عن حروب الماضي، وحتى عن حرب لبنان الثانية.  لن يكون بعد الآن وضع تجري فيه الحرب في ساحة قتال مجهولة وبعيدة بينما تستمر الحياة كالمعتاد في المدن الكبرى. إن الحرب ستصل إلى مدن وبيوت مواطني إسرائيل، وسيكون هدف أعدائنا هو النيل من الجبهة الداخلية".

 

ولدى متابعة الجدل الدائر في إسرائيل في هذا الشأن فإن أول انطباع يخرج المرء به، هو أن الإجابة عن السؤال: هل إسرائيل مستعدة بصورة كافية لمواجهة "التهديد الناشئ"؟ لا تزال متميزة بقدر منخفض من اليقينية.

 

ويعود ذلك إلى عاملين أساسيين:

 

(*) الأول- أن إعداد الجبهة المدنية للحرب يتطلب استثمار موارد جمة، مالية وتنظيمية، وهو ما يصطدم بمنافسة شديدة أيضًا حيال الموارد المستثمرة في إعداد وتجهيز الجيش الإسرائيلي للقتال في الجبهة الحربية. وينوه البعض أنه في غياب معطيات علنية حول مكونات الميزانية الأمنية لا توجد إمكانية لمعرفة الخطوات المتبعة لإقامة "التوازن الملائم بين متطلبات التعاظم اللازم للجيش الإسرائيلي من أجل القتال في الجبهة الحربية وبين متطلبات استعداد وجهوزية الجهات المختلفة لمواجهة مستقبلية في الجبهة المدنية". ويغدو الوقوف على هذه المسألة أكثر صعوبة، في قراءة البعض الآخر، نظراً لأن إعداد الجبهة المدنية تتداخل وتتشارك فيه جهات عديدة ومختلفة (من حيث التمويل والتنظيم... الخ) وخاصة تحويل الميزانيات من جانب مختلف الوزارات الحكومية والسلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني. ولعل الجدل المستمر بشأن تمويل منظومة التحصينات في مستوطنات وبلدات "غلاف غزة"، وعدم تنفيذ قرار الحكومة فيما يخص إعادة الكمامات الواقية لسكان إسرائيل في العام 2009، والجدل حول مفهوم التحصين السلبي بشكل عام (وحول التقليص المقترح في ميزانية العام 2009 المخصصة لخطة "العاصفة الرملية"، والمتعلقة بتحصين السكان المدنيين إزاء الأسلحة غير التقليدية) يعكس كما يبدو مدى قوة وتغلغل نظرية الأمن التقليدية التي تواصل إعطاء أفضلية واضحة لمركِّبات الاستثمار في المجالات الهادفة إلى تحسين قدرات الجيش الإسرائيلي في الجبهة الحربية.

 

(*) الثاني- أن الدفاع ضد الصواريخ في إسرائيل يقع في نطاق مسؤولية الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع. غير أن الجيش الإسرائيلي لا يعتبر نفسه جيشًا دفاعيًا، وإنما هجوميًا فقط. وعلى الرغم من أن ضباطًا إسرائيليين كثيرين يقرّون، منذ بضعة أعوام، أن طبيعة الحرب الراهنة قد تغيرت، وأن أي حرب قد تندلع بين إسرائيل وسورية أو بينها وبين منظمة شبه عسكرية، على غرار "حزب الله" و"حماس"، ستكون بين الجبهتين الداخليتين لكل طرف منهما، وستحسم بحسب قدرة صمود "الجبهة المدنية"، وبناء على ذلك فإن جزءًا كبيرًا من الجيش الإسرائيلي لم يعد ذا صلة بهذه الحرب، إلا أن النتيجة التي يتم التوصل إليها لا تزال بعيدة عن تغيير بنود صرف الميزانية الأمنية.

 

وفي رأي أحد المحللين فإن هذا السبب، على ما يبدو، هو الذي جعل قادة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يعتقدون أيضًا أن عملية عسكرية هجومية من قبيل "الرصاص المصبوب" تؤدي إلى خلق ردع طويل الأمد، يشكل حماية للجبهة الداخلية في الوقت نفسه. وأوضح أن هذا الاعتقاد غير ناجم عن الواقع، وإنما عن مفهوم أمني خطأ لا يزال ممسكًا بتلابيب كبار قادة هذه المؤسسة ويحول دون اعتماد مقاربة مغايرة. بكلمات أخرى نستطيع القول إن الواقع في واد والمؤسسة الإسرائيلية الرسمية في واد آخر.

 

انشر عبر