شريط الأخبار

معركة جنين في الذاكرة.. قيادات السرايا والجهاد من داخل المعتقلات يروون شواهد وبطولات لم ترد من قبل عن المعركة

10:46 - 11 تموز / أبريل 2009

معركة جنين في الذاكرة.. قيادات السرايا والجهاد من داخل المعتقلات يروون شواهد وبطولات لم ترد من قبل عن المعركة

سبعة أعوام علي المعركة.. قيادات السرايا والجهاد من المعتقلات يتحدثون عن جنين

العذاب يقطع أوصالهم لما آلت إليه أوضاع المقاومة والذكريات تطأ قلوبهم بشوق لجدران المخيم

 

خــــاص :محمود أبو عواد

 

آنين الجراح ووجع القلوب يدب عبق ذكريات قلوبهم الحارقة، فهم ملؤا جدران الحياة عذاباً، وملأت الآمال عقولهم المعقودة بدفع عجلة الزمن إلي ما تهفو أرواحهم إليه.

 

أبطالٌ من زمنٍ آخر؛ وصفٌ بليغ بأصحابه، لكنه أقل ما يقال بتلك الثلة من البشر التي قاتلت بروحٍ وعزيمة لم يملكها جيشٌ من العرب، برغم كل ما تملك تلك الجيوش إلا أن ما كان يملكه مقاتلو "مخيم جنين" من عزيمةً وإيمان، سطروا بهما ملاحم بطولية انتصرت فيها روحهم علي ذاك الجيش المُثقلة به جراح ذاك المخيم الذي كانت تشهد جدرانه علي بشاعة ذاك الجيش الهمجي وأسطورة المقاوم الفلسطيني.

 

في بداية عام 2002 أطلق العدو الصهيوني حملة "السور الواقي" في الضفة الغربية لاقتلاع ما وصفه آن ذاك رئيس الوزراء النازي "آرئيل شارون" جذور (الإرهاب الفلسطيني)، وكانت تستهدف العملية مدن الضفة بأكملها لمحاولة القضاء علي المقاومة، وكان أحد الأهداف مخيم جنين.

 

فهذا المخيم لا يتعدى الكيلو متر واحد، ويحف جوانبه شمالاً حي الزهرة، والجبريات جنوباً، فيما يطل شرقه علي مدينة جنين، ويحاذيه غرباً وادي برقين؛ كل هذه الجهات المطلة علي ذاك المخيم، كانت عرضةً للهمجية الصهيونية، وكان العدو يتخذ منها مركزاً لمحاولات اقتحامه.

 

ومع بداية الحملة العسكرية ضد المدن الفلسطينية في الضفة، بدأ الاحتلال حملته ضد المخيم الأكثر صلابةً وأقل مساحةً من بين تلك المخيمات التي تتواجد بالمدن المختلفة، وسطع نجّم هذا المخيم بصمود مقاوميه ورباطة جأش ساكنيه، وروح أطفاله الذين كانوا يداعبون بمفرقعاتهم أولئك الملثمين المنتشرون بأنحاء المخيم لصد الحملة الصهيونية المتوقعة ضده.

 

تجهيزات مستمرة.. يربطون الليل بالنهار

 

ولعل كان أحد أسرار صمود ذاك المخيم، التجهيز المتواصل من قبل المقاومين للعملية المتوقعة ضدهم داخله، وعن أسرار التجهيزات وفي حديث هو الأول من نوعه تمكنا من الحديث مع قيادات من حركة الجهاد الإسلامي وجناحها العسكري "سرايا القدس"، والذي يعّد الجناح العسكري الأقوى عتاداً وعناصراً داخل ذاك المخيم منذ بدء انتفاضة الأقصى في ديسمبر 2000.

 

يقول "أبو نعمان" أحد قيادات حركة الجهاد الإسلامي والمعتقل في سجون الاحتلال، أنه وفي زخم عمليات الاحتلال ضد المدن في الضفة، كنا متيقنين أن الحرب ستطال جنين ومخيمها، فلكليهما قوة عسكرية كبيرة، وخرج منهما عدد كبير من الاستشهاديين ونُفذت عمليات كثيرة ضد قطعان المستوطنين وجنود الاحتلال قرب المدينة والمستوطنات المحيطة بها والحواجز التي كان يقوم الاحتلال بنصبها بين الطرق الواصلة بين المدن".

 

وفي إحدى الليالي الحاسمة، طلب قيادات من عدة فصائل لإجراء اجتماع عاجل لوضع كافة الإمكانيات تحت تصرف يد واحدة، من أجل إبقاء حالة الصمود قدر الإمكان، وكان الاجتماع بحضور قيادات من كافة الفصائل مثل "الشيخ بسام السعدي من الجهاد – عطا أبو رميلة من فتح – إبراهيم الجبر من حماس"، ووضع كلاً منهما الإمكانيات حسب ظروف كل فصيل، وكان للجهاد الإسلامي في تلك الليلة بصمة في تسخير كافة إمكانياته من أجل العمل تحت إطار موحد لمواجهة العدوان وتدريع المخيم بقدر الإمكان من العبوات وتفخيخ المنازل.

 

ويتابع " كان الشهيد القائد محمود طوالبة يشرف علي ثلاثة مصانع ومخارط تنتج العبوات الناسفة والمواد الجاهزة للتفجير، ويشرف بنفسه علي توزيعها بين المجموعات المختلفة لنصبها وتجهيزها وتفخيخ عدد من المنازل، وكان للقائد الأسير الحاج علي الصفوري الشرف في توفير 20 ألف طلقة رصاص قبيل بدء المعركة وتوزيعها علي المقاتلين بمختلف فصائلهم، وتوفير كمية مماثلة فيما بعد وسخر الجهاد الإسلامي ما يقارب الـ 300 ألف دولار لهذه المعركة، وكانت هذه الفلوس مسخرة للمشروع العام دون التفريق بين أبناء الفصائل، وتمكن إخواننا من إحياء حالة الصمود وسط هذه التجهيزات والإبداعات التي كان يشرف عليها إخواننا".

 

بداية العملية العسكرية

 

وعن بداية العملية العسكرية ضد جنين، كان لنا حديث مع "أبو محمود" أحد قيادات سرايا القدس والمعتقل الآن بسجون الاحتلال، فيقول "كانت الأوضاع في الضفة أشبه بالحرب، وتعرضت جنين ومخيمها لعملية من عدة اتجاهات وكانت أولي العمليات تستهدف أحد مقرات الشرطة الخاصة قرب المقاطعة، قبيل عملية السور الواقي، وحاولوا فيما بعد الدخول لعمق مدينة جنين والتوغل اتجاه المخيم، إلا أنهم لما يتمكنوا إلا من الوصول لأطرافه من جهة حي الزهراء بمنتصف شهر مارس، وقد انسحب غالبية المقاومين للخلف لاستدراج الجنود لداخل المخيم ولم يتبقي بمحيط التوغل سوى الشهيد "محمود طوالبة" وعدد من المقاتلين معه من فصائل مختلفة، ثم تراجعت قوات الاحتلال بعد أن غادر الجنود عدداً من المنازل التي اعتلوها".

 

ويتابع "ثم شهدت أطراف المخيم المختلفة، عدة محاولات للتوغل داخل المخيم وصلت إلي اثنا عشرة مرة، وفي كل محاولة كانت المقاومة تصد ببسالة محاولات التوغل التي كانت تقوم بها وحدات من المشاة مدعومة بآليات وجنود من الوحدات الخاصة".

 

بدء المعارك

 

ويضيف أبو محمود "في صباح 2-4-2002، كانت جميع وحدات المقاتلين منتشرة في مناطقها، وحاولت قوات الاحتلال التوغل إلي عمق المخيم من الجهة الجنوبية أو ما يعرف باسم منطقة "الجبريات"، ودارت اشتباكات عنيفة بين المقاتلين وتمكن إخواننا من تفجير إحدى الألغام بإحدى الآليات التي كانت تشارك في العملية ولم يفلح الصهاينة بالدخول للمخيم فتراجعوا إلي أماكن تمركزهم بالقرب من منطقة الجبريات، ثم حصلت اشتباكات خفيفة من الجهة الشمالية بالقرب من منطقة ما يعرف بـ "سهل مرج بن عامر"، حيث حاولت قوات من المشاة التسلل تحت جنح الظلام للمخيم إلا أن المقاومين كانوا متنبهين لحركة الجيش وأفشلوا المحاولة وسط فرحة المقاومين والمواطنين والأطفال الذين كانوا يضيئون سماء المخيم بالمفرقعات والتكبيرات فرحاً بما تسطره المقاومة"

 

ويواصل "طلب عدد من الإخوة في القيادة العسكرية المشتركة من الفصائل باليوم التالي من المواطنين وبعض القيادات السياسية بمغادرة المخيم حفاظاً علي أرواحهم وأطفالهم، إلا أن الجميع رفض الخروج من المخيم وأصروا في البقاء به حتى الاستشهاد أو دحر العدو".

 

"في ذات الليلة ظهر الطيران المروحي وبدأ بإطلاق زخات من النيران بالمخيم، وهنا بدأ المقاتلين باتخاذ أماكنهم تحسباً لبدء الهجوم وهو ما بدأ فعلاً وسط التكبيرات التي كان يسمع دويها في المخيم والألعاب النارية التي كانوا يطلقونها الأطفال، وبدأ التقدم من اتجاهات حي الزهرة ووادي برقين والجبريات ومنطقة السلطات المشرفة علي جنين، وبدءوا يتقدمون من كل المداخل باتجاه المخيم كونه آخر منطقة كان فيها اشتباكات بعد أن انتهت معارك أخرى كان يسطرها المقاتلون في البلدة القديمة بالمدينة".

 

"وتقدمت كاساحات الألغام باتجاه المداخل المذكورة للقيام بمهام التمشيط وتسهيل عملية التقدم أمام الآليات وقوات المشاة وبدأت الاشتباكات تندلع في كل المناطق علي أطراف المخيم، وشهدت مناطق "وادي برقين – العمارة – الجبريات – شارع مهيوب" حالات اشتباك مباشرة وسقوط عدد من الجنود في كمائن بين برقين والمخيم في المنطقة الغربية وهي المنطقة ذاتها، وكذلك منطقة حارة الدمج، واندلعت الاشتباكات عنيفة جداً وقتل وأصيب عدد كبير من الجنود في المناطق جميعها المذكورة وخصوصاً المنطقة الغربية التي وقع فيها عدد كبير من الجنود في كمائن للمقاومين، وهنا تدخلت المجنزرات للدخول إلا إنها لم تتمكن بعد إعطاب بعضها، فادخل الطيران الحربي وقام بالقصف علي كافة مناطق المخيم".

 

ويضيف أبو محمود "الكمين الذي وقع بالمنطقة الغربية من المخيم، كان عبارة عن تفجير عبوات وسط الجنود الذين كانوا يمرون بأزقة قرب منازل عائلات (الشافع والسعدي والصباغ)، وكان الشهيدين محمود طوالبة وأبو جندل من الذين شاركوا بالكمين وأشرفوا عليه بشكل مباشر، حيث كان يتمركزان منذ البداية في المنطقة الغربية، وعندما تم التفجير كنا نسمع بكاء الجنود الذين وقعوا في الكمين، حيث كانت لا تفصلنا عنهم سوى أمتار لا تتعدى الـ 100متر، وحين وقع الكمين قام أحد الجنود بإلقاء إشارة فسفورية للطيران الحربي، فارتطمت بعامود كهرباء وعادت لتسقط في الزقاق المتواجدين به الجنود المصابين والقتلى، فقام الطيران الحربي بقصف المكان ذاته مما أدي لمقتل الجرحى وإصابة آخرين من الأحياء، وقام الإخوة بإطلاق النار اتجاههم للإجهاز عليهم إلا أن الوقت لم يسعفهم واستدرك الطيران الحربي أنه تم قصف الجنود بالخطأ فقام بإطلاق الصواريخ والنيران بشكل عشوائي وعنيف، مما اضطر المقاومين للانسحاب لمنزل يعود لشخص يعرف باسم "خالد أبو محمد"، وكان من المشاركين في الكمين الشهيد "أشرف السعدي" الذي استشهد قبل سنوات في عملية اغتيال بعد خروجه من السجون خلال صفقة حزب الله عام 2005".

 

ويتابع "كان من بين المنازل التي تم استهدافها بعد عملية الكمين منزل يقوم الإخوة بنقل الجرحى فيه للعلاج، ويعود لعائلة "طالب" حيث تم استهدافه واستشهد عدد من المقاومين والمواطنين الجرحى والعّزل"

 

ويواصل "الغريب أنه وبالرغم من قوة الاشتباكات كنا نتفاجأ حقاً بقيام الأشبال والأطفال برمي الأكواع اتجاه جنود الاحتلال، والنساء في المخيم يقومون بأداء كبير فينقلن الأكل للمقاومين ويساعدن في تأمين الطرق بين الأزقة والمنازل التي كانت مفتوحة علي بعضها البعض لتسهيل حركة المجاهدين، ولا بد هنا أن نستذكر اختنا الشهيدة ووالدة أحد الشهداء لؤي الوشاحي، والتي استشهدت أثناء توزيع الأكل علي المقاومين".

 

وبالعودة للمعارك يتابع القيادي بالسرايا "أبو محمود": "بعد الكمين الذي وقع بالمنطقة الغربية، وعملية القصف العشوائي بالمنطقة تراجع المقاومين إلي وسط المخيم بمنطقة ما يعرف الساحة، ثم بعد وقت عاد الجميع للمنطقة الغربية بالقرب من منزل الشهيد القائد "محمود طوالبة" رحمة الله عليه، الذي كان مجهزاً منزله للتفجير، حيث قام بتفخيخه وتفخيخ مواسير الماء حول بيته ومحيط المنزل، واستعد إلي جانب الحاج "علي الصفوري" وعدد من المقاتلين للمعركة المقبلة، ولم تمضي سوى ساعات، حتى عادت قوات من المشاة للتوغل في المنطقة ذاتها ووقعت اشتباكات عنيفة وكانت الاشتباكات تدور والمجموعات المسلحة تتراجع لإتاحة الفرصة للجنود للتقدم اتجاه الكمين في منزل الشهيد طوالبة، وفجر المقاومين مواسير الماء المفخخة والمنطقة المحيطة بالمنزل وسقط الجنود متهالكين ما بين قتلى وجرحى، فتدخلت المدفعية التي كانت متمركزة قرب منطقة الجبريات بقصف المنطقة الغربية وتدخل أيضاً الطيران بالصواريخ والرشاشات الثقيلة مما استدعانا للعودة إلي وسط المخيم لمنطقة الساحة تدريجياً".

 

"حينها استدرك العدو أن عملية التوغل لن تكون سهلة وأن المقاومة شرسة وليست بالبسيطة، ومضت الساعات، ومع حلول إحدى ليالي أيام المعارك عادت قوات الاحتلال لمحاولة التوغل وتقدمت عملية التوغل التي تمت من عدة محاور الجرافات العسكرية التي بدأت بهدم المنازل والتوغل بعمق إلي المخيم ففصلوا المخيم إلي مربعات ووضعوا القناصة للنيل من أي هدف يتحرك وسط قصف مكثف وعشوائي من الطيران مما استدعانا للتراجع لمنطقة الساحة وسط المخيم، وكان يتواجد آن ذاك الشهيد الشيخ رياض بدير والحاج علي الصفوري وكان بجانبهم مجموعة من المقاتلين وكان متواجد أبو جندل ومقاتلين آخرين، وحصلت اشتباكات عنيفة استشهد وأصيب فيها عدد من المجاهدين والمواطنين، وتمكن المقاومين من محاصرة عدد من الجنود في منزل يعود للمواطن "أبو علي عويف" وبيت "حسين الحج راجح" وتمكن إخواننا من تفجير عبوات ناسفة بهم داخل المنزل واشتبكوا بشكل مباشر حيث كانت لا تتعدي المسافة التي كان يتواجد بها المقاومين والجنود عشرات الأمتار، فقتلوا وأصابوا منهم وتدخل الطيران الحربي وعاد ليقصف بشكل عشوائي فتراجع جميع الشباب للخلف في منطقة الساحة ذاتها".

 

ويتابع "واستمرت عمليات محاولات الاقتحام والاشتباكات مستمرة في محاورة مختلفة علي هذا المنوال، وشهدت حارة الدمج اشتباكات عنيفة جداً وكانت عدة مجموعات من المجاهدين بقيادة كلٍ من القائد الأسير "ثابت مرداوي" والقائد "جميل حويل" والقائد "مهدي بشماق" والقائد "محمود الحلوة" والقائد إبراهيم جبر"، واستشهد في تلك المعركة الشهيد "زياد العامر" أحد كوادر كتائب الأقصى والذي كان يعد أول شهيد يرتقي خلال اشتباكات مباشرة مع جنود الاحتلال، بالإضافة للشهيد محمد النورسي، وأدت الاشتباكات العنيفة التي فجر خلالها المقاومون عدة ألغام وكمائن بالمنازل في الجنود، فتوقفت وحدات المشاة عن التقدم وتدخلت الجرافات وبدأت بتجريف المنازل بشكل كامل عن بكرة أبيها"

 

"وشهدت المنطقة معركة لن ينساها التاريخ، حين دخل عدد من الجنود منزل يعود لعائلة "أبو جليل" حيث دارت اشتباكات بين الجنود والمقاومين عن مسافة كانت صفر، حيث كان الجنود والمقاتلين بمنزل واحد وكان الشرف للشيخ الأسير ثابت مرداوي أول شخص يخرج للجنود ويطلق النار إتجاههم بعد أن قاد الكمين داخل المنزل وقتلوا وأصابوا إخواننا عدد من الجنود وانسحبوا بعد تدخل الطيران ووصول الجرافات للمنطقة".

 

نهاية المعركة

 

ويواصل القيادي في سرايا القدس وأحد المقاتلين البارزين الذين شاركوا في المعركة فيقول عن المعركة "في النهاية انحصرت الأمور في بقائنا بمنطقة الحواشين والساحة، حيث استمرت الاشتباكات في تلك المنطقتين بالرغم من عمليات التجريف التي كانت متواصلة من منزل إلي منزل، وكان عدد هائل من المقاومين والمواطنين بتلك المنطقتين، وكان الطيران يقوم بعمليات قصف عشوائي والقناصة تعتلي بعض المنازل التي تتركها الجرافات لاستخدامها كثكنات للتحرك منها ورصد المقاتلين، وأصبح التقدم اتجاه عمق المخيم فقط عن طريق هدم المنازل وتجريف الشوارع واستهداف كل من يتحرك".

 

ويتابع "في التاسع من شهر إبريل كان واقع المخيم شبه هادئ، فعدد كبير من المقاتلين استشهدوا وأصيبوا، وآخرين تمكنوا من الانسحاب بطريقة أو أخرى إلى خارج المخيم وغالبية المدنيين استسلموا وتم إعدام بعضهم واعتقال آخرين، فحينها استشعر جنود الاحتلال أنه بإمكانهم الدخول مشاة، فتقدموا وكنا جاهزين ومستعدين وقام الإخوة بتحضير عدة كمائن في منازل وعدة أزقة، وتقدموا من منطقة الحواشين الشرقية بالقرب من "عائلة الآلوب" ودخلوا زقاق صغير بالمكان وعند دخولهم كانت مجموعتين من المقاتلين تكمن بالمكان ودخل الجندي الأول وتبعه الثاني فالثالث، وبعد أن فحص الجنود المكان واطمئنوا فاجأنهم بوابل من النيران من عدة مناطق، وقتلنا وأصبنا الجنود ورأينا بعضهم يترك سلاحه ويهرب، وتقدم عليهم عدد من إخواننا لسحب سلاحهم وجثثهم، فوجدوا أحد الجنود مصاباً فأطلق النار اتجاه إخواننا مما أدي لاستشهاد كلٍ من "محمد وأمجد الفايد ونضال النوباني" فقام أحد إخوانا بالإجهاز عليه وسحب جثث الشهداء والاستيلاء علي قطع السلاح، وكان يشارك في الكمين أخونا الشهيد "أشرف السعدي".

 

"وبعد عملية الكمين عادت عملية التجريف، وانتقل الإخوة المجاهدين لمنزل يعود للمواطن "علي الحبيب" حيث كان عددنا ما يقارب الـ 35 مقاتل، وكنا نبحث في المنزل عن طعام وشراب وأخذ قسط من الراحة قليلاً، وبعد ساعات تقدمت وحدة كبيرة لمكان الكمين وسحب الجنود جثث قتلاهم التي حاول الشباب أخذها، ومن ثم عادت أدراجها، وكان بالمنزل الشيخ رياض بدير والحاج علي الصفوري وأبو جندل ومحمود الحلوة وثابت مرداوي وعلاء فريحات وعدد كبير من المقاتلين وكنا نتسامر عما حصل من معارك وإذا بكلب يفتح باب المنزل علينا، فقام أحد الإخوة بقتله فتبين أنه كان يتبعنا علي رائحة دم الجنود الصهاينة الذين كان تلتصق دمائهم علي ملابس بعض المجاهدين أثر الاشتباكات المباشرة، فقام الطيران مباشرة بقصف البيت وانسحب جميع المقاتلين علي منزلين لعائلي الدمج والزرد وفي هذه المنطقة حاول القيادي بالقسام محمود الحلوة الخروج فاستشهد برصاص قناص وكذلك الشهيد محمد النورسي، وازداد القصف والهدم ووصل للبيوت التي كان بها المقاتلين فانسحبنا جميعنا إلي منزل يعود لعائلة البكليزي وأبو سرية، وبدأنا نفقد الذخيرة وتم محاصرتنا في ستة منازل نتنقل فيما بينهن واستشهد الشيخ رياض بدير بإحداهن بعد أن رفض تسليم نفسه وهدم المنازل عليه".

 

ويواصل "وبدأ الجنود بالمنادة علينا فرفضنا، وتدخل آن ذاك أمين عام حزب الله حسن نصر الله كي يتم ترحيلنا خارج الضفة مقابل إطلاق سراح أحد ضباط الجيش الصهيوني المختطفين، إلا أن الاحتلال  رفض وطلب منا الخروج عراة فرفضنا ووافقنا علي أن نخرج دون أي "بلايز" فيما نبقي باقي الملابس علينا وفعلا تم ذلك وتم نقلنا للمسجد الكبير بالمخيم وتم التحقق من أسمائنا، وأذكر حينها أن القيادي ثابت مرداوي أعطي الجنود اسماً مغايراً لاسمه الحقيقي، وقام الجنود بالتنكيل بالحاج علي الصفوري وجمال حويل، وفي تجمع سالم العسكري تعرف ضباط المخابرات علي شخص القيادي ثابت مرداوي وتم عزله"

 

ويختم القيادي "أبو محمود" "وتمكن خلال المعركة الشيخ بسام السعدي وعدد من قيادات المقاومة وهي كانت مجموعة صغيرة من الانسحاب قبل محاصرتنا إلي مناطق آمنة، وبعد أيام تم العثور علي جثة الشهيد القائد محمود طوالبة في منزل يعود لعائلة أبو جواد طالب في عمق المخيم، حيث كان قد انقطع الاتصال به وببعض المقاتلين، الذين تبين إنهم استشهدوا في أحد المنازل خلال اشتباكات مباشرة مع الجنود فاستشهد معه عبد الرحيم فرج وأشرف أبو الهيجا، وأصيب آن ذاك إياد أبو الليل الذي استشهد بعد 10 أشهر من المعركة في عملية اغتيال، واستشهد "طه الزبيدي" أثناء الاشتباكات المباشرة في حي الدمج، وحرق جنود الاحتلال جثمانه وكان علي رأسه عصبة باسم "جند الله" فحرق جسمه ولم تطال النيران هذه العصبة".

 

شعور المقاتلين بعد سبعة أعوام عما تفعله السلطة بالضفة

 

وبالعودة للقيادي بحركة الجهاد الإسلامي "أبو نعمان" وسؤاله حول شعورهم عما تقوم به السلطة الفلسطينية من ملاحقة المقاومين ومحاولات سحب سلاحهم بعد سبعة أعوام من المعركة التي كان أحد مقاتليها البارزين؛ فأجاب "السلطة في جنين وباعتقادي في كافة مناطق الضفة لم تكن يوماً من الأيام مع المقاومة، وكنا في خضم المواجهات الاعتيادية مع الاحتلال نواجه قوات الأمن الفلسطيني، أي أنه قبيل الاجتياح الكبير للمخيم، كانت في كل مرة من محاولات الاحتلال المتكررة ضد المخيم ويتمكن المقاومين من إفشالها، نتفاجأ بمحاولة اقتحام للمخيم من قبل أجهزة أمن السلطة بالرغم من كل ما كانت تتعرض لهم مقارهم وعناصرهم في المدن الأخرى، إلا أن السلطة في جنين كانت وفي أكثر من مرة تحاول اقتحام المخيم بعد فشل قوات الاحتلال في دخوله، وكنا جميعاً في فصائل المقاومة وفي مقدمتهم مقاتلي الجهاد الإسلامي نواجه محاولات أجهزة السلطة لاقتحام المخيم، حتى وصلت المرات التي حاولت السلطة فيها اقتحام المخيم توازي عدد محاولات الاحتلال التوغل فيه".

 

ويضيف "وكانت من مرة لأخرى تزداد حالة الغضب والعناد لدي المقاومين فهم أصبحوا هدف لأكثر من طرف وفشل الطرفين في الدخول للمقاومين كان يرفع من معنويات المقاومين، وبالتالي فإننا نؤكد علي أن عمليات التنسيق الأمني لم تنقطع أبداً، ولم يفاجآنا عمليات ملاحقة أبناء المقاومة ومصادرة سلاحهم والتآمر مع العدو ضد المقاومين، ففي أفضل الظروف التي كانت تعيشها السلطة، كان قياداتها يحرصون علي مقاتلتنا، ويعملون لتحريض قيادات من الذين يشاركونا بالمعارك بمقاتلتنا، وهو ما فشلوا فيه حتى بدء الاجتياح الكبير ضد المخيم".

 

ويواصل "بعض ضباط الأمن الوقائي كانوا يتوعدوننا علي الملأ أمام الناس بحسب عظمانا ومحاسباتنا علي كل طلقة كنا نطلقها ضد العدو الصهيوني، بعد أن تنتهي الانتفاضة، وكانوا يقولون لنا أنتم معروفين لدينا جميعاً وستعود السلطة بقوتها وتريكم".

 

ويستذكر "أبو حسام" إحدى القصص التي حصلت معه شخصياً فيقول "كنا نقوم في منطقة حي الزهراء بالتصدي لمحاولة توغل باتجاه المخيم، وبعد أن نجحنا، عدت للمنزل لأخذ قسط من الراحة، فأثناء نزولي من حي الزهراء باتجاه منزلنا بالمخيم، تفاجأت بوجود أحد رموز السلطة "حيدر ارشيد" فأوقفني وقال لي حرفياً (ايش يا زعران وقفتوا الاجتياح) فرديت عليه (نحن بنعرف انك متعصب أكثر من اليهود ضد المقاومة وبدك إياهم يدخلوا المخيم حتى يريحوك منا لكن هذا بعدكم جميعا) ثم انطلقت وبعد ربع ساعة من دخولي المنزل تفاجأت بأن عشرات الأفراد من الأجهزة الأمنية حاصرت منزلي الذي يقبع أطراف المخيم، ونادوا بتسليم نفسي إليهم، فقلت لهم اعتبروني إني مش موجود، فقام أحد عناصر السلطة بالطرق علي باب المنزل بشكل غير أخلاقي، فخرجت من المنزل باتجاه المقاتلين الذين توافدوا مباشرة للمكان، ووقفت بينهم فقام ارشيد بإصدار الأوامر لأحد الجنود بقتلي وأنا متوجه نحو المقاتلين، فلم يطلق النار، فخرج الشهيد "إبراهيم السعدي" واخذ السلاح من الجندي وصفعه بيده، فقام أحد الجنود برفع السلاح وسحب الأقسام في وجه الشهيد إبراهيم وقال له أنت جاسوس، فغادروا مباشرة المكان وعدنا لمراكزنا تخوفاً من استغلال الاحتلال للدخول للمخيم".

 

ويتابع "كما إنني أذكر في أحد الأيام حاصروا الحاج علي الصفوري لمدة 48 ساعة في منطقة الحارة الشرقية خارج المخيم، وطلبوا منه تسليم نفسه إلا أنه رفض وهددهم إنهم لن يتمكنوا من اعتقال إلا إذا أصبح جثة، وانتهت بمغادرة السلطة من المنطقة بعد وصول عدد من المقاتلين للمكان؛ ثم حصلت أيضاً قصة مع الشهيد "إبراهيم السعدي" أحد أبناء الشيخ "بسام السعدي" حين تعرض له أفراد من الأمن الوقائي وكان في ذاك الوقت يبلغ من العمر 15 عام، وتعرضوا له بشتم شقيقاته ووالدته، فقام بضرب المحقق علي عينه، فقام الضابط وقال له "أنت ووالدك جاسوس، وأهلك جواسيس" حينها اتصلت أنا شخصياً بالضابط آن ذاك "زياد هب الريح" وهددته وقلت له أي تعرض لإبراهيم بالشرف والعرض سيجعل منك جثة إن حاولت دخول مخيم جنين، ثم تم إطلاق سراحه فيما بعد ووقعت هذه الحادثة بعد شهر من اجتياح جنين".

 

وسرد "أبو حسام" قصة أخيرة حيث قال "حاول مدير المخابرات الفلسطيني واسمه كان إبراهيم خضر أبو أحمد بمحاولة اغتيال القيادي الأسير الآن "ثابت مرداوي" وكان ذلك قبيل الاجتياح الكبير بأيام قليلة، لكنه تمكن من النجاة، فتحدث معي هذا الضابط شخصياً، وقال لي أن ثابت مرداوي عميل ونتمنى أن تزورنا كي تشاهد ملف عن عشرات المقاومين بأنهم يعملون لحساب الأمن الصهيوني، فرفضتن فأصبح يسرد لي أسماء كالشهيد رائد الكرمى ومحمود طوالبة ومحمود الحلوة وغيرهم بأنهم عملاء للعدو الصهيوني، فحذرته من أن يعيد هذا الكلام علي لسانه وإلا سيكون للجهاد الإسلامي كلمته وفعله بحقه، ثم أغلقت الهاتف في وجهه".

 

وختم حديثه "إننا نؤكد أن السلطة وكافة أجهزتها الأمنية لم تكن يوماً مع المقاومة، بل هي تقف دوماً إلي جانب العدو الصهيوني، وتعمل من أجل مواجهة المقاومة في كل وقت وكل مكان، والملاحقة التي تنتهجها ضد المقاومة الآن لم تفاجآنا أبداً، فنحن عشنا أياماً طويلة نعاني فيها ظلم ذوي القربى، لكن حسبنا أن الله ولينا وأن لا مولي لهم وبإذن الله لا بد من يوم للخروج من معاقلنا كي نعيد للبندقية كلمتها وفعلها".

 

 

انشر عبر