شريط الأخبار

باحث إسرائيلي: معركة تهويد القدس على أشدها وسياسة تل أبيب ستوصل العالم إلى حافة حرب دينية

07:25 - 10 حزيران / أبريل 2009

فلسطين اليوم – وكالات

 لا يمر يوم، لا تمر ساعة، إلا ويجري عمل ما في إسرائيل يستهدف تهويد ‏بقعة ‏أخرى من مدينة القدس الشرقية المحتلة. فهذه المدينة المقدسة ‏للأديان الثلاثة، هذه الدرة التي يضعها ‏الفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، ‏قبلة لهم، يحجون إليها ويقيمون أقدس الصلوات فيها، هذه القبلة التي ‏يريد ‏الفلسطينيون أن تكون عاصمة لدولتهم العتيدة، هذه العاصمة التي يعتبرها ‏العرب قدس أقداسهم ‏ويقيم لها المؤتمر الإسلامي لجنة خاصة لمتابعة ‏شؤونها وحمايتها، تتعرض كل يوم لتبعات مشروع ‏خطير يستهدف محو ‏آثارها العربية والإسلامية. ‏

 

ينشغل عنها أحباؤها من شتى أصقاع الأرض، ‏لكن الأنكى من ذلك أن أهلها الفلسطينيين أيضاً ‏مشغولون عنها. هم ‏غارقون في همومهم وصراعاتهم ولملمة جراحهم، وآلة التهويد ‏الإسرائيلية تنشغل ‏في تنفيذ مخططاتها ولا تعرف الهدوء والسكينة.‏

 

وفي هذه الأيام، فيما احتفل الفلسطينيون بالقدس عاصمة للثقافة، ‏تحتفل إسرائيل بإطلاق مشروع تهويد ‏الحوض المقدس، يستحق ‏الأمر إلقاء نظرة إلى هذه المدينة وما يصيبها. ولنبدأ من زاوية غير ‏عادية، ‏لا يتطرق إليها كثيرون عندما يتحدثون عن القدس، من زاوية باحث ‏يهودي صهيوني، لا جدال حول ‏حرصه على إسرائيل ومصالحها، هو خبير ‏الآثار الذي عمل طيلة 39 عاماً في الحفريات الإسرائيلية ‏في منطقة الحرم ‏القدسي الشريف، ويدعى مئير بن دافيد، قال معقباً على مشروع التهويد ‏الإسرائيلي: ‏‏"القيمون على سياسة إسرائيل، المحلية والخارجية، مصابون ‏بالعمى في أحسن الأحوال. وربما ‏مصابون بهوس الانتحار. فما يفعلونه ‏اليوم في البلدة القديمة في القدس، هو الجنون بعينه. يوصلون ‏العالم إلى ‏حافة حرب دينية بين العالم الإسلامي واليهود. وبعد ذلك يشكون: لماذا ‏العالم يكرهنا؟". ‏

 

وبن دافيد واحد من مجموعة غير قليلة من اليهود ‏العقلاء في إسرائيل الذين يقفون معارضين للمشاريع ‏الإسرائيلية التهويدية ‏عبر تاريخ الدولة العبرية، ويفزعون. ويرون أنها تمس أولا بالمصالح ‏‏الإسرائيلية.‏

 

ويقول التقرير الذي اعدته صحيفة "الشرق الاوسط" ونشرته اليوم الجمعة انه بمراجعة التاريخ ‏الإسرائيلي في بدايات الدولة العبرية، ‏يتضح أن الطمع في السيطرة على القدس الشرقية كان موضع ‏خلاف بين ‏قادة الحركة الصهيونية قبل أن تقوم إسرائيل في سنة 1948. ففي حينه ‏قررت الجمعية ‏العامة تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية، ‏ولكنها منحت للقدس مكانة دولية مميزة وقررت ‏أن تكون بإدارة دولية، لا ‏لليهود ولا للفلسطينيين، بل مفتوحة للجميع.‏

 

وقد جرت نقاشات حادة داخل الحركة الصهيونية وفيما بعد داخل الحكومة ‏الإسرائيلية حول الموضوع، ‏بين القوى التي أرادت الالتزام بالإرادة ‏الدولية، والقوى التي أرادت فرض الواقع واحتلال أجزاء من ‏القدس. ‏وانتصر التيار الاحتلالي في حينه. وجرى التوصل إلى تفاهم مع الأردن في ‏ذلك الوقت يقضي ‏بتقاسم القدس بينهما، فتسيطر إسرائيل على القدس ‏الغربية بينما يسيطر الأردن على القدس الشرقية. ‏ولم تعترف في حينه ‏سوى دولتين بهذا الواقع، هما بريطانيا وباكستان. لكنه تحول إلى أمر واقع ‏‏فرضته الدولتان. ‏

 

وقد حاولت الجمعية العامة للأمم المتحدة تغيير هذا ‏الواقع، وأصدرت قراراً في أغسطس (آب) 1949 ‏يدين إسرائيل على ‏تصرفها، فردت إسرائيل عليها بإعلان القدس عاصمة ونقل مؤسساتها ‏الحكومية ‏من تل أبيب إلى القدس. وكان قد سبق هذا التطور قيام قوات ‏‏"إيتسل"، التابعة للتيار اليميني ‏الإصلاحي في الحركة الصهيونية بدخول ‏قرية دير ياسين، في التاسع من أبريل (نيسان) 1948، ‏وارتكاب المذبحة ‏الشهيرة ضد الفلسطينيين، كتعبير عن ذلك "النقاش". فقد كانت تلك قرية ‏محاذية ‏للقدس. وقد خططوا لاستخدامها نموذجاً يؤدي إلى هرب ‏الفلسطينيين منها ومن القدس، حتى تتحول ‏إلى مدينة يهودية. ‏

 

ويقول ‏الباحث أهرون ليران، إن الجنرال دافيد شالتئيل، قائد لواء القدس في تنظيم ‏‏"هاجناه" العسكري، ‏تعرض لضغوط شديدة من ضباطه ومن قادة ‏التنظيمات ومن عدة سياسيين أن يدخل القدس القديمة في ‏‏14 مايو (أيار) ‏‏1948 ويحتلها. ففي هذا التاريخ غادرت قوات الانتداب البريطانية القدس، ‏وبقيت ‏المدينة فارغة من الجيوش أربعة أيام، ولكنه صمد في وجوههم ‏جميعاً لأن قيادته السياسية كانت تأمل ‏في التفاهم مع الأردن ولم ترد ‏استفزازه. ودخلت القوات الأردنية بعد أربعة أيام، وهكذا تم تقاسم القدس ‏‏بينهما.‏

 

ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول، دافيد بن غوريون، لم يكن راضياً ‏عن القرار وقال: "سوف ‏نبكي لأجيال بسبب امتناعنا عن تحرير القدس في ‏ذلك الوقت". وفي حرب الأيام الستة سنة 1967، ‏نكسة العرب في العصر ‏الحديث، حقق الجيش الإسرائيلي رغبة بن غوريون واحتل القدس الشرقية ‏‏أيضاً.‏

 

بداية المشروع

 

لم تتأخر قوات الاحتلال عن عملية التهويد يوماً واحداً. ‏فما إن تكرس الاحتلال بعد أربعة أيام، حتى بدأ ‏في تطبيق مشروعه، الذي ‏كان معداً سلفاً كما يبدو، فقام بطرد سكان حي المغاربة من بيوتهم بهدف ‏‏توسيع باحة حائط المبكى (البراق)، الذي يعتقد اليهود أنه الجدار الغربي ‏المتبقي من هيكل سليمان. ‏وما هي إلا أسبوعين، حتى اجتمعت الحكومة ‏الإسرائيلية (في 26 يونيو (حزيران) 1967)، وقررت ‏‏"توحيد مدينة ‏القدس"، شرقها وغربها، في مدينة واحدة وضم المنطقة الشرقية رسمياً ‏إلى تخوم ‏إسرائيل.‏

 

ومن مراجعة بروتوكول جلسة الحكومة في ذلك، والتي كانت أبحاثها سرية ‏بشكل مطلق، تقرر أن ‏تكون القدس الشرقية بمساحة 14 ضعفاً عن ‏مساحتها الحقيقية. ففي حينه كانت مساحة المدينة المقدسة ‏مع كل مناطق ‏نفوذها حوالي ستة كيلومترات مربعة ونصف الكيلومتر المربع. فضمت ‏إليها مساحة ‏إضافية (64 كيلومتراً مربعاً)، تمتد إلى حدود الصحراء في ‏الشرق وإلى رام الله في الشمال وإلى بيت ‏لحم في الجنوب، وضمت معها ‏‏28 قرية فلسطينية مجاورة. ‏

 

وخلال النقاش طلب رئيس الحكومة يومها، ‏ليفي أشكول، أن لا تتم مصادرة أراضي الفلسطينيين وأن ‏يتم شراء ‏الأراضي بالنقود، لكن حكومته رفضت اقتراحه فتمت مصادرة 24500 ‏دونم أرض من ‏أصحابها الفلسطينيين. وتكلم مندوب الجيش، الجنرال ‏رحبعام زئيفي (الذي أصبح وزيراً للسياحة ‏واغتاله عدد من مقاتلي الجبهة ‏الشعبية لتحرير فلسطين سنة 2001)، فطلب أن تضم مساحة أوسع ‏‏(ثلث ‏مساحة الضفة الغربية)، بحيث تصبح القدس ممتدة إلى أريحا شرقاً وبيت ‏لحم جنوباً، لكن ‏اقتراحه رُفض، ليعلن فيما بعد أن إسرائيل ضيعت على ‏نفسها فرصة تاريخية. ‏

 

ويتضمن البروتوكول نقاشاً مطولا بين الوزراء حول ‏كيفية النشر عن الموضوع، وتقرر تكليف لجنة ‏وزارية خاصة بالاتصال مع ‏رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية ومطالبتها بأن لا تنشر تفاصيل ‏‏المشروع، لأنه يستفز العرب والغرب. ومن هنا بدأ طرح وتنفيذ مشاريع ‏التهويد في القدس الشرقية، ‏في إطار خطة عنصرية واضحة ترمي إلى ‏تقييد التكاثر العربي في المدينة. وقد عبرت غولدا مائير، ‏وزيرة الخارجية ‏في ذلك الوقت، عن هذه الخطة صراحة عندما قالت: "العرب يشكلون ‏اليوم نسبة ‏تعادل 22 في المئة من سكان مدينة القدس، وينبغي أن نبقي هذه ‏النسبة كما هي في المستقبل"، أي إن ‏على الحكومة ضمان أن لا يزيد عدد ‏المواطنين العرب.‏

 

وقد انتقد هذه السياسة حتى من كان في القيادة العسكرية للقدس، نائب ‏الحاكم العسكري يعقوب سلمان، ‏عندما كتب في رسالة الدكتوراه، أن ‏القرارات جاءت "عاطفية من دون حسابات موزونة عميقة. لم ‏يحسبوا ‏حساباً للمستقبل. وضموا الأراضي الشاسعة بنهم بالغ".‏

 

‏14 مستعمرة

 

بدأت السلطات الإسرائيلية المحتلة في عملية استيطان غير ‏مسبوقة في القدس، تمت جنباً إلى جنب مع ‏الاستيطان الواسع في الضفة ‏الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية المحتلة وسيناء المصرية ‏‏في ذلك الوقت. ولكن وتيرة الاستيطان في القدس كانت أكبر بما لا يقاس. ‏ويكفي لتوضيح ذلك أن نشير ‏إلى أنه، اليوم، وبعد حوالي 42 سنة من ‏الاحتلال، يبلغ عدد المستوطنين اليهود في المنطقة التي ‏ضمتها إسرائيل ‏إلى حدودها ووضعتها تحت نفوذ مدينة القدس وحدها، 180 ألف ‏مستوطن، وهو ‏يقارب عدد المستوطنين في الضفة الغربية برمتها.‏

 

وبدأت هذه العملية بسن القانون الخاص بضم القدس وضواحيها إلى ‏إسرائيل ثم بقانون آخر هو تحويل ‏‏"القدس الكاملة والموحدة عاصمة أبدية ‏لدولة إسرائيل". وبنت إسرائيل 29 مستعمرة في هذه المنطقة ‏منذ عام ‏‏1967، منها 14 مستوطنة في القدس نفسها، وهذا عدا عن الاستيطان ‏القائم في قلب الأحياء ‏العربية من المدينة وفي البلدة القديمة بشكل خاص.‏

 

ومن مراجعة لأسماء الجهات العاملة في تهويد القدس نجد شبكة واسعة ‏من ألوف الناس الذين يعملون، ‏بل يعتاشون أيضاً، من مشروع تهويد ‏القدس. فهناك أولا المؤسسات الرسمية، ونقصد وزارة الإسكان، ‏‏المسؤولة عن مشاريع البناء، ووزارة الاستيعاب، التي تجلب اليهود ‏القادمين من الخارج وتسكنهم في ‏القدس، ووزارة الأديان، التي تمهد ‏الأجواء الدينية وتبني الكنس اليهودية، وسلطة الآثار، التي تحفر في ‏‏القدس وتشرعن الاستيطان بالادعاء أنها اكتشفت آثاراً يهودية عديدة، ‏وفي الوقت نفسه بطمس معالم ‏عربية تاريخية في المدينة، وبلدية القدس، ‏التي تعد المشاريع وتمنح تراخيص البناء. وهناك هيئات ‏غير رسمية تعمل ‏من مواقع أخرى مثل الوكالة اليهودية والمؤتمر الصهيوني العالمي وهناك ‏جمعيات ‏مستقلة وحركات استيطانية خاصة وأحزاب ومتمولون يهود في ‏الخارج والداخل، كلهم يعملون لتهويد ‏القدس. ويوجد للأسف بعض ‏الفلسطينيين من السماسرة، الذين يتعاونون مع هذا المشروع أيضاً. الحال ‏‏على الأرض: التهويد بشكل عملي يطبق على الأرض بالعديد من الطرق. ‏فإذا أخذنا البلدة القديمة، ‏داخل الأسوار، نجد الحال على النحو التالي:‏

 

مساحة البلدة كلها كيلومتر مربع واحد، مقسمة إلى أربعة أحياء: الحي ‏الإسلامي ويضم بين جنباته ‏الحرم القدسي الشريف (المسجد الأقصى ‏المبارك والصخرة المشرفة)، الحي المسيحي ويضم كنيسة ‏القيامة والعديد ‏من الكنائس والأديرة بما فيها بطريركيات الطوائف المسيحية المختلفة ‏‏(الروم ‏الأرثوذكس والكاثوليك وحارس الأماكن المقدسة وممثل بابا ‏الفاتيكان) والحي الأرمني والحي اليهودي. ‏في البداية سيطرت إسرائيل ‏على الحي اليهودي وعلى حائط المبكى (البراق) بشكل كامل. ‏

 

ولكن في ‏أوساط سنوات السبعين، بدأ المستوطنون اليهود يشترون العقارات من ‏المواطنين ‏الفلسطينيين وفق خطة رسمية لتخفيض عدد المواطنين غير ‏اليهود واستبدالهم بمستوطنين يهود، بيتاً ‏بيتاً وحانوتاً حانوتاً. وحسب ‏تقديرات غير رسمية، يسيطر اليهود اليوم على 40 في المئة من عقارات ‏البلدة ‏القديمة، حولوا بعضها إلى بيوت سكن والأخرى إلى مكاتب أو فنادق أو ‏حوانيت يهودية. على ‏سبيل المثال فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، ‏أرئيل شارون، يمتلك بيتاً في قلب الحي الإسلامي ‏في البلدة القديمة.‏

 

وبالإضافة إلى ذلك، عملت يد الاستيطان على احتلال باطن الأرض في ‏البلدة القديمة. وقد أتيح لنا أن ‏نتجول في الأنفاق التي شقت تحت البلدة ‏القديمة، فوجدنا أنها تقيم مدينة يهودية تحت القدس القديمة، ‏تحتوي على ‏متاحف أماكن عبادة وممرات يتنقل اليهود من خلالها من حي لآخر تحت ‏الأرض. أحد ‏هذه الأنفاق كان سبباً في تفجير اشتباكات مسلحة بين الجيش ‏الإسرائيلي والشرطة الفلسطينية في جميع ‏أنحاء الضفة الغربية، قتل فيها ‏‏26 جندياً إسرائيلياً و100 رجل شرطة فلسطيني. وقد جرى ذلك في ‏سنة ‏‏1997، عندما كان رئيس الحكومة الحالي، إيهود أولمرت، رئيساً لبلدية ‏القدس، وكان بنيامين ‏نتنياهو، رئيس حكومة. في مؤسسة الأقصى، التي ‏أقامها الشيخ رائد صلاح وينشط فيها المئات من ‏أنصار الحركة الإسلامية ‏في إسرائيل، يرون أن تلك الحفريات تستهدف تقويض أركان المسجد ‏‏الأقصى المبارك والصخرة المشرفة، تمهيداً لهدمهما ولتنفيذ الحلم ‏اليهودي القديم بإعادة بناء الهيكل ‏اليهودي مكانهما. ‏

 

وهم يعتمدون في ذلك ‏على فئات من المتطرفين اليهود الذين لا يخفون أن هذا هو هدفهم. ‏ويوزعون ‏ملصقاً خاصاً بالموضوع يظهر فيه بناء الهيكل اليهودي مكان ‏المسجد الأقصى. ولا يقل خطورة عن ‏ذلك، حال بقية مناطق القدس. ‏الحوض المقدس: منذ مطلع الثمانينات، بدأت بلدية القدس ووزارة ‏‏الإسكان، تنفيذ مشروع جديد يقضي بالسيطرة على الأحياء الفلسطينية ‏المحيطة بأسوار المدينة ‏المقدسة. ويسمون هذه المنطقة بالحوض ‏المقدس، بدعوى أنه يضم "مدينة الملك داهود" وأقدس ‏المناطق لدى ‏اليهود.‏

 

لكن هذه المنطقة لم تكن شاغرة، وتوجد فيها أحياء فلسطينية مأهولة ‏يريدون تفريغها، مثل حي سلوان ‏الذي تقرر هدم 88 عمارة فيه يسكنها ‏‏1500 فلسطيني، وتوجد فيها مقبرتان إسلاميتان بدأت جرافات ‏الاحتلال ‏تعمل فيهما يد التخريب والهدم لأن البلدية تريد إقامة موقف سيارات ‏ومشروعاً تجارياً ‏وسياحياً، وتوجد في المنطقة معالم تاريخية عريقة يتم ‏هدمها، مثل جسر باب المغاربة، الذي يعيدون ‏بناءه بطريقة حديثة تقضي ‏على الأثر القديم وذلك لأنهم يريدون جسراً قوياً تستطيع قوات الاحتلال ‏‏استعماله عندما تقرر اقتحام باحة الأقصى. وفي الدائرة الثانية للحوض ‏المقدس، توجد أحياء عديدة يتم ‏اختراقها بالسيطرة على عمارات وبيوت ‏فلسطينية، بيعت بوعي من الفلسطينيين أو بيعت بالخداع عن ‏طريق ‏سماسرة، مثل حي الشيخ جراح أو حي جبل الزيتون أو حي المندوب ‏السامي.‏

 

وفي هذه المنطقة مشروع جديد يدعى "إي ـ 1"، يستهدف السيطرة على ‏المنطقة الوحيدة التي بقيت ‏خالية حول القدس الشرقية. والخطة تقضي ‏ببناء حي سكني كبير يضم 7500 وحدة سكن، إضافة إلى ‏بناء مقر ‏للشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية ومجمع تجاري. ويرمون من وراء ‏هذا المشروع قطع ‏التواصل الجغرافي الوحيد المتبقي ما بين المنطقة ‏الشمالية من الضفة الغربية والمنطقة الجنوبية. وقد ‏اعترضت الإدارات ‏الأميركية على هذا المشروع، فتوقف العمل المكثف فيه، ولكن مقر ‏الشرطة قد ‏أنجز بناؤه وبدأ العمل فيه.‏

 

الدائرة الثالثة والجدار: ما تبقى من القدس العربية في المساحة الجغرافية ‏التي حددتها لها الحكومة ‏الإسرائيلية، يقع تحت معالجة على طراز التطهير ‏العرقي والفصل العنصري. فتحت حجة الأمن، بنت ‏إسرائيل جداراً بشعاً ‏بارتفاع 8 أمتار، يعزل عشرات الأحياء والقرى التابعة للقدس عن المدينة ‏‏المقدسة. وقد بني الجدار بطريقة التوائية مصطنعة، ولم يكن ملائماً لمحيط ‏المدينة. ‏

 

والهدف منه أولا ضم المستعمرات اليهودية القائمة في القدس ‏إلى تخوم إسرائيل وتخفيض عدد ‏الفلسطينيين داخل المدينة المقدسة. وهي ‏بذلك تؤدي إلى تمزيق العائلات المقدسية بعضها عن بعض ‏وإفقاد المكانة ‏التجارية المركزية للقدس العربية والاستفراد بالمواطنين الفلسطينيين ‏المقدسيين الذين ‏يضمهم الجدار فيكونون مواطنين دائمين في القدس من ‏دون حقوق المواطنة وقطع الطريق عن سكان ‏الضفة الغربية إلى الأماكن ‏المقدسة الإسلامية والمسيحية.‏

 

وكانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد وضعت سلسلة قوانين وأنظمة ‏تستهدف تخفيض عدد سكان ‏القدس، قبل هذه الإجراءات الاستيطانية، ما ‏زالت مستمرة حتى اليوم. فكل مقدسي يغادر إلى خارج ‏البلاد للدراسة أو ‏غيرها لمدة سبع سنوات، يفقد حقه في المواطنة. وكل مواطن يسكن خارج ‏تخوم ‏القدس يفقد هذه المواطنة. وتفرض قيوداً صارمة على البناء في ‏الأحياء العربية، فلا تمنح تراخيص ‏بناء لهم وكل مواطن يبني بيتاً من دون ‏تراخيص يهدم بيته. على سبيل المثال فقط نذكر أن البلدية ‏الإسرائيلية ‏هدمت 667 بيتاً فلسطينياً في القدس خلال السنوات 2001 – 2005. ‏

 

واليوم يوجد حوالي 1500 أمر هدم لبيوت فلسطينية في المدينة. وبسبب ‏هذه السياسة، ومع التغيرات ‏الديموغرافية التي خلفها بناء الجدار العازل، ‏بات عدد سكان القدس الشرقية اليوم 410 آلاف نسمة ‏منهم 184 ألف ‏يهودي (45 في المئة) و226 ألف عربي (55 في المئة)، في حين يبلغ عدد سكان ‏‏القدس الغربية 390 ألفاً. ووفق الحسابات الإسرائيلية فإن عدد سكان ‏القدس، بشقيها الشرقي والغربي، ‏يبلغ اليوم 700 ألف نسمة. ‏

 

وحسب ‏الباحث في معهد القدس للدراسات، هليل كوهن، فإن الحكومة الإسرائيلية ‏قلقة من الإحصائيات ‏التي تشير إلى أن نسبة الفلسطينيين من سكان القدس ‏البالغة حاليا 34 في المئة، سوف ترتفع إلى 40 ‏في المئة في سنة 2020، وسوف ‏يتساوى عدد العرب واليهود في القدس في سنة 2035.‏

 

ولا يخفي رئيس بلدية القدس الجديد، نير بركات، هدفه من تلك المشاريع ‏وما يعده من مشاريع قادمة، ‏إذ يقول "أريدها مدينة موحدة يعيش فيها ‏العرب واليهود، ولكن مدينة تلائم قدسيتها اليهودية، وتظل ‏ذات صدر رحب ‏فتستقبل للعيش فيها كل الشرائح، متدينين وعلمانيين. ولكنني سأقف بكل ‏قوتي أنا ‏وأهل المدينة، ضد أولئك الذين يريدون التفاوض حول مستقبل ‏القدس.‏

 

انشر عبر