شريط الأخبار

أمن النظام.. وأمن الأوطان../ خالد خليل

06:56 - 10 حزيران / أبريل 2009

في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ظهرت نظرية الأمن القومي المصري والعربي عموما على أرضية الإدراك بأن إسرائيل هي التهديد الأساسي للأمن القومي المصري، وأن هذا الأمن مرتبط حتما بالبعد العربي والإسلامي على امتداد قارتي آسيا وإفريقيا.

 

وهذا الاستنتاج المنطقي المبني على مقارعة ومحاربة الاستعمار بإشكاله المختلفة أدى إلى ربط مسألة الأمن القومي بالضرورة في موضوع التنمية الوطنية والقومية في كافة المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، ومنه نشأت أفكار ومحاولات لتحقيق الوحدة العربية والتضامن العربي والعمل المشترك وغيرها...

 

هذه الأفكار والمحاولات باءت جميعها بالفشل، ليس فقط بسبب غياب الديمقراطية كما يحلو للكتاب الليبراليين الادعاء في كل شاردة وواردة ، وإنما بالأساس بسبب نجاح الاستعمار في إدامة تبعية النظام العربي الرسمي بمعظمه له، باستثناء سورية، وربما مؤخرا السودان بعدما أصبح رأس عمر البشير مطلوبا بشكل مباشر. ونقول ربما لأننا ما زلنا ننتظر كشف المستور في قمة الدوحة الأخيرة والموقف العربي الرسمي الداعم للبشير والرافض لقرار المحكمة الدولية.

 

فهل يأتي هذا الموقف جراء صفقة سعودية مع الأمريكان مقابل تنازلات سيقدمها البشير في المدى المنظور؟!

وماذا يختبئ وراء حجيج البشير إلى السعودية مباشرة بعد القمة؟!.

 

افعلاً كان أداء العمرة هو الدافع لهذه الزيارة، أم أنها صفقة "تهدئة اللعب" كما يقال وراء الكواليس، وما هذا الخفوت والاختفاء الإعلامي المفاجئ للقضية السودانية بعد قمة الدوحة؟! هل خاف الغرب من العرب؟

 

على ما يبدو هناك مصلحة لجميع الأطراف بـ "تهدئة اللعب"، خاصة أن الموقف الدولي إزاء البشير كان "متسرعا"، من وجهة نظر الغرب لا بل كان خاطئا ومبنيا على تقديرات خاطئة أيضا...

 

نحن نعرف عندما نطرح هذه التساؤلات أنه ولى زمن عبد الناصر الذي كان فيه معسكر الأصدقاء واضحا بالضبط كما هو واضح معسكر الأعداء. وقد انقلبت إستراتجية الأمن المصري والقومي عموما رأسا على عقب، حيث لم تعد إسرائيل هي العدو الأول والأوحد، بل إنها انتقلت إلى "معسكر الأصدقاء"، أو على الأقل لا تشكل بؤرة رئيسية في قضية الأمن القومي، كما يرد في تحليلات أبواق النظام المصري صبح مساء (لمن يريد التمتع بهذه الجواهر، فليراجع ندوة روز اليوسف بهذا الشأن).

 

إن المخاطر الرئيسية التي تهدد الأمن القومي المصري والعربي حسب تلك التحليلات هي أولا إيران وثانيا ما يسمى "التنظيمات الإرهابية" ومن ضمنها حزب الله وحماس وتنظيم القاعدة (مؤخرا اعتقلت السلطات المصرية مجموعة من المصريين وفلسطينيين من عرب الداخل بتهمة نقل معلومات من حزب الله إلى حماس وتنوي محاكمتهم كإرهابيين!!)... باختصار لقد أضحت المقاومة في الوطن العربي العدو الأول "للأمن القومي"، وأي نظام أو دولة تتجرأ على دعم المقاومة تصنف أوتوماتكيا بأنها تشكل خطرا على الأمن القومي ... وبالطبع فإن "حركة 6 ابريل" في مصر تشكل خطرا على "الأمن" .. ويجب اعتقال أفرادها "الإرهابيين" من الطلبة والمساكين الذين تجرأوا على انتقاد السياسات الحكومية ودعوا إلى الإضراب العام.

 

عودة إلى السودان

 

من الغريب فعلا ذلك الاستغراب المتكرر الذي يثيره البعض في واقعة قصف القافلة المحملة بالسلاح المزعوم على الأراضي السودانية قبل شهرين، وكأن الرادارات المصرية أو السودانية لم تستطع كشف الطائرات الإسرائيلية وهي تحلق في سماء العرب لفترة غير قصيرة لتقصف ما تشاء وتعود سالمة إلى ديارها.

 

السيناريو الأقرب إلى الحقيقة هو أن هذه الطائرات قامت بمهمتها بتنسيق أمني تام مع المخابرات المصرية صاحبة اليد الطولى في السودان والتابع الأوفى والأخلص للولايات المتحدة وحلفائها وأجهزة مخابراتها. ولعلنا لا نجازف إذا افترضنا تنسيقا امنيا أيضا مع المخابرات السودانية والتي نعتقد أن لها تاريخا بالتنسيق الأمني مع إسرائيل تعود جذوره لسنوات طويلة خلت.

 

فوجئنا، أنا ومجموعة من ناشطي المجتمع المدني، قبل بضع سنوات عندما شاهدنا في مطار اللد طائرة تابعة للخطوط الجوية السودانية واعتقدنا خاطئين لحظتذاك أن هذه الطائرة هي التي ستقلنا إلى القاهرة على فرض أنها تعمل بالتنسيق مع الخطوط الجوية المصرية، لكن سرعان ما اتضح أن الأمر ليس كذلك... وبقي باب الاستنتاج مفتوحا... مع العلم أن السودان لا تقيم علاقات تجارية أو سياحية أو دبلوماسية مع إسرائيل.. فماذا إذا تفعل طائرة سودانية في مطار اللد؟!).

 

بغض النظر عن هذا التناقض فإن قرار المحكمة الجنائية الدولية لا يهدف إلى إصلاح الوضع في السودان، بقدر ما هو تدخل سافر في الشؤون السودانية وإمعان في سياسة "التدخل المباشر" في المنطقة العربية ضمن الإستراتجية السابقة لإدارة بوش، والتي فرضت الأزمة الاقتصادية الأمريكية والعالمية على الإدارة الجديدة إجراء تغييرات عليها، ومن المفترض أن تكون القضية السودانية في مندرجات هذه التغييرات.

 

الرهان الخاسر

 

في ضوء كل ذلك تتأكد صحة الاستنتاج بأن القضية ليست غياب مشروع امن قومي عربي فقط، وإنما بالأساس وجود مشروع امني عربي منسجم تماما مع مشروع الأمن الأمريكي الإسرائيلي المعادي للأمة العربية، يهدف إلى تأبيد سيطرة وحماية النظام الرسمي العربي واستخدامه أداة طيعة لضرب المقاومة ودول الممانعة في المنطقة مثل سوريا وإيران، وأي نظام أو رئيس يخرج من التلم ويتمرد أو يتنصل من الدور المرسوم له أمريكيا يجز رأسه كما حصل مع صدام حسين.

 

ولم يعد خافيا أن النظامين المصري والسعودي هما الراعيان الرئيسيان لهذا المشروع، لذا فان أي رهان على هذه الأنظمة فيما يتعلق بالنهضة أو الوحدة أو التضامن العربي هو رهان خاسر منذ البداية، وأي تفهم لشوفينية بعض المثقفين المصريين الذين اخذوا على حسن نصر الله نقده للنظام المصري لتواطئه مع إسرائيل في عدوان غزة وحصارها، وهاجموه بلا هوادة، هو ضرب من الرياء والمداهنة.

 

لعل البديل المتبقي أمام قوى المقاومة والممانعة في الوطن العربي هو في فضح و مواجهة هذا المشروع الخطير من خلال صياغة مشروع قومي حقيقي همه الأول حماية الوطن قبل حماية النظام. ولا بد من السعي المتواصل لوضع إستراتيجية موحدة لهذا المحور وتعزيز التنسيق والعلاقات التفاعلية بين البعد العربي والإسلامي على أساس الحوار والتحالف، على نقيض ما يخطط له المحور الآخر.

 

انشر عبر