شريط الأخبار

المدهون: هناك مؤشرات قوية أن قادة إسرائيل في طريقهم للمحاكم الدولية

12:23 - 09 تموز / أبريل 2009

فلسطين اليوم-غزة

لم تكد تنتهي الحرب الإسرائيلية على غزة حتى بدأت تتكشف تحت الغبار مشاهد مؤلمة، وقفت ولا زالت، شاهدا على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، سببها حجم ونوعية الأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا التي استخدمها جيش الاحتلال ضد غزة، والتي أنتجت حجما من الدمار والإصابات الغريبة والخطيرة، لم يكن متوقعا.

وقبل أن تندثر هذه المعالم، شكلت الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة لجنة أطلقت عليها اسم "توثيق" أخذت على عاتقها توثيق كافة الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب، سعيا نحو تنظيم الجهود للوصول إلى غاية واحدة، وهي ردع قوات الاحتلال الإسرائيلي عن ارتكاب جرائم ضد أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وفي أماكن تواجده على الأرض الفلسطينية، وذلك من خلال تحقيق هدفين رئيسيين، الأول، توثيق الجرائم وجمع الأدلة حولها وبناء ملفات قانونية، ومن ثم ملاحقة وتقديم هؤلاء المجرمين إلى المحاكمات الدولية المختصة.

"قدس برس"، التقت القاضي ضياء الدين المدهون، رئيس اللجنة الحكومية المركزية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين "توثيق"، والذي أكد على أن لجنته ماضية بقوة في طريقها لتحقيق أهدافها، وأنها استطاعت، توثيق أكثر من 1500 جريمة حرب ارتكبتها إسرائيل في غزة خلال الحرب.

وأوضح بأن اللجنة تتعامل مع منظمات كثيرة في أوروبا وأمريكا وفي دول عربية، إضافة إلى عدد كبير من الخبراء في أنحاء العالم، مشيرا إلى أن مرحلة التوثيق وجمع الأدلة وفق الأصول القانونية قاربت على الانتهاء، وأن المرحلة الثانية ستكون قريبة وحاسمة، وقال: "هناك مؤشرات أن قادة إسرائيل في طريقهم إلى المحاكم الدولية".

وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته "قدس برس" مع رئيس لجنة "توثيق" القاضي ضياء الدين المدهون في غزة:

* ما هي دواعي تشكيل لجنة "توثيق"، وعلى أي أساس تشكلت؟ وما هي الأهداف التي تطمحون لها؟

- بعد الحرب الأخيرة على غزة، وتعاظم الجرائم التي ارتكبت من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، تعاظمت الجهود القانونية والجهود القضائية من قبل منظمات دولية ومنظمات محلية، لمساعدة الشعب الفلسطيني في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ومن هنا كان انطلاق "توثيق" كلجنة مركزية حكومية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

فبادرت الحكومة بعد انتهاء الحرب مباشرة إلى إنشاء هذه اللجنة، لتكون الجسم الناظم والحاضن والداعم لكافة الجهود الدولية والمحلية المبذولة في إطار ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وشكلت هذه اللجنة من مجموعة من القضاة ووكلاء النيابة والمستشارين القانونيين، وكان الهدف الرئيس لهذه اللجنة تنظيم الجهود كوسيلة ومهمة، للوصول إلى غاية واحدة، وهي ردع قوات الاحتلال الإسرائيلي عن ارتكاب جرائم ضد أبناء شعبنا المدنيين في قطاع غزة وفي أماكن تواجده على الأرض الفلسطينية، وذلك من خلال تحقيق هدفين رئيسيين، الأول، توثيق الجرائم وجمع الأدلة حولها وبناء ملفات قانونية، ومن ثم ملاحقة وتقديم هؤلاء المجرمين إلى المحاكمات الدولية المختصة.

وإذا ما تم تحقيق هذين الهدفين وصلنا إلى الغاية، وهي ردع قوات الاحتلال الإسرائيلي عن ارتكاب جرائم ضد أبناء شعبنا الفلسطيني.

* حدثنا عن هيكلية اللجنة، والوحدات التي تتفرع عنها؟

- بعد تشكيل اللجنة مباشرة تم هيكلة اللجنة إلى وحدات متخصصة، فنية ولوجستية بحيث تقوم بدورها على أكمل وجه، وضمن مدة زمنية محدودة.

 

نحن نتكلم عن جرائم ارتكبت أواخر كانون أول (ديسمبر) وأوائل كانون ثاني (يناير) الماضيين، لذلك، توثيق هذه الجرائم يجب أن يكون في مدة محدودة قبل أن تندثر معالم الجريمة، قبل أن تضيع آثارها، لذلك كنا نعمل تحت ضغط الوقت.

قمنا بهيكلة اللجنة إلى وحدات عاملة لوجستية وفنية، كانت الوحدة الأولى هي العمود الفقري لهذه اللجنة، وهي وحدة التوثيق وجمع الأدلة، وكانت هذه الوحدة مشكلة من حوالي 100 عضو يرأسهم المدعي العام العسكري، وأعضاء هذه الوحدة هم وكلاء نيابة ومحققين قانونيين، وكتبة تحقيق وموثقين، وكانت هذه الوحدة تقوم بتوثيق الجرائم من الميدان، وهؤلاء الأخوة منتشرون في جغرافيا قطاع غزة، كي يقوموا بتوثيق الجرائم ميدانيا من كافة المناطق، ومباشرة يقوموا بالاستماع إلى إفادات الضحايا وشهادات الشهود، وتسجيلها كتابية وتصويرها بالفيديو، ويقومون بضبط وجمع وتحريز الأدلة المادية من بقايا المتفجرات أو الأتربة أو ملابس الضحايا أو أي دليل يتعلق بالجريمة، وهناك وحدات أخرى تتابع الملف بعد أن يتم بناءه ميدانيا.

* ما هي إنجازاتكم إلى هذه اللحظة، وماذا جمعتم من أدلة يمكن أن تدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب؟

- في الحقيقة إن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب بشكل علني ومفضوح عبر وسائل الإعلام العامة، وكانت مشاهد الجريمة تنقل بالبث الحي والمباشر، عبر القنوات ووسائل الإعلام المختلفة، ولكن هذا لا يكفي لملاحقة هؤلاء المجرمين وتقديمهم للعدالة، وهنا كان الدور القانوني لـ"توثيق"، حيث قمنا بالتوثيق القانوني وفق إجراءات وأصول قانونية متبعة في القانون الدولي لبناء ملفات لهذه الجرائم وتفصيلها بجرائم القتل وجرائم الخطف وأخذ الرهائن، وجرائم الدروع البشرية، وجرائم استخدام الأسلحة المحرمة، وجرائم إحداث دمار واسع النطاق للمباني المدنية، وجرائم قتل الأطفال والقتل العمد بشكل عام، وجرائم استهداف المدنيين في أماكن سكناهم، وما إلى ذلك.

 

نحن الآن وبفضل الجهود الجبارة التي بذلت بفضل طواقم "توثيق" قمنا بتوثيق أكثر من 1500 جريمة وفق الأسس والإجراءات القانونية السليمة، ولقد اطلع بعض خبراء القانون الدولي على نماذج من ملفاتنا وأشادوا بهذا التوثيق، وقالوا إن ملفاتكم جاهزة لرفعها للجهات المختصة.

* ماذا عن الأدلة المادية والمضبوطات، هل بحوزتكم بقايا أسلحة محرمة دوليا مثلا تم استخدامها في الحرب؟

- نعم، قمنا بتحريز العديد من الأدلة المادية التي تعزز ارتكاب الجيش الإسرائيلي لجرائم حرب ضد أبناء شعبنا، والتحريز هو ضبط الأدلة المادية وتحريزها وفق أصول قانونية معترف بها أمام المحاكم، يعني مثلا قمنا بضبط وتحريز بعض بقايا قنابل الفسفور، وهي من الأسلحة المحرمة دوليا، والتي تترك آلاما ومعاناة جسيمة، للصحة الجسدية وللبيئة، أيضا قمنا بتحريز بعض بقايا قنابل الدايم، وهي القنابل التي تسمى بالقنابل الذرية المتناهية في الصغر، كما قمنا بجمع الكثير من الأدلة الدامغة.

هذه الأدلة التي قمنا بجمعها وتوثيقها وفق الأصول القانونية المتبعة حتى لا يذهب جهدنا هدرا، أطلعنا خبراء قانون دولي في بلجيكا وأمريكا ومصر، وكلهم أشادوا بأدائنا في بناء الملفات وفق الأصول المتبعة.

* ما هي طبيعة التعاون والعلاقة بينكم وبين المؤسسات المحلية والدولية في هذا الإطار؟

- نحن نقوم ومنذ اللحظة الأولى بالتوصل الدولي، ولدينا وحدة خاصة بالتواصل مع المنظمات الدولية، ومن خلال الوحدة تمكنا بالتواصل مع العديد من المنظمات الدولية لفحص بعض العينات في المخابر الدولية، وقد قمنا بإرسال العديد من العينات سواء من التربة أو من الأسلحة، أو من أنسجة الضحايا، سواء شهداء أو مصابين، وجاءتنا تقارير أولية.

* ما هي الدول والمؤسسات التي تتعاملون معها بهذا الخصوص؟

- تعاملنا مع منظمات كثيرة في أوروبا أو في أمريكا أو في دول عربية.

* هل يؤمن هؤلاء، بصفتهم أوروبيين وأمريكان، بضرورة ملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين؟

- جلسنا مؤخرا مع خبير دولي بلجيكي الجنسية، ويستغرب لماذا لم يتم التحرك حتى الآن، نحن جاهزون للتحرك، لكننا نقول له إننا في المرحلة الأولى، ولا نستعجل قطف الثمار، ستبدأ المرحلة الثانية قريبا، ونسقنا معه للبدء بالمرحلة الثانية فور انتهاءنا من المرحلة الأولى مباشرة، إذن هناك خبراء دوليين ومنظمات ومحامين يتوقون للعمل في هذا المجال، وهذا الخبير قال لنا، يجب أن نكسر قاعدة عدم ملاحقة ومحاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي، يجب أن يخرج من دائرة الحماية، ويجب أن يوضع في مكان الاستهداف في الملاحقة القانونية.

وبالتالي هناك بعض المنظمات الدولية تعاظمت مجهوداتها وتبادر للعمل والتنسيق معنا.

* هل يمكن أن تحدثنا عن أبشع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، والتي تم توثيقها من قبلكم؟

- أبشع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل هي عمليات استهداف المدنيين بعيدا عن مناطق القتال، ومن أبشع الجرائم التي ارتكبت ما تم إلقاؤه من قنابل وأسلحة محرمة على مراكز الشرطة في الضربة الأولى، ومن أبشع الجرائم وكلها فظيع، الأسلحة التي تحرمها الإنسانية ولم تستخدم في حروب أكثر ضراوة من حرب غزة، وضد من؟ ضد مدنيين لا يملكون شيئا، وبالتالي بشاعة الجريمة تظهر من عظم ما استخدم من أسلحة، لك أن تتخيل أن ما ألقي على قطاع غزة من متفجرات فقط من الجو يبلغ مليون كيلو جرام، وإذا أضفنا لها مليون من البر ومليون من البحر، كل هذا على مساحة 360 كيلو متر مربع، يعني بمعدل 9 كيلو جرام لكل متر مربع، إذن هي عملية إبادة شاملة لقطاع غزة.

وأنا أريد أن أوضح لك أن قرار شن حرب غزة بحد ذاته هو جريمة حرب وفق القانون الدولي، فهناك قاعدة في القانون الدولي تقول : لا دفاع شرعي ضد دفاع شرعي، ونحن شعب محتل، والقانون الدولي كفل حق المقاومة والدفاع للشعوب المحتلة كحق للحصول على تقرير المصير والاستقلال، فمقاومتنا شرعية، ودفاعنا شرعي.

* ما هي أهم العقبات التي واجهتكم خلال العمل؟

- أكبر عقبة كانت ترهقنا هي ضغط الوقت، كنا نريد إنجاز أكبر قدر من العمل في أقصر مدة ممكنة، حتى لا تضيع آثار الجريمة، إضافة إلى نقص في الخبرات المتفجرات ونقص في المعدات والأجهزة التي من خلالها يمكن المساعدة في الضبط والتحريز والفحص، إضافة إلى عدم السماح للخبراء للدخول عبر معبر رفح للكشف عن هذه الجرائم ومساعدة "توثيق" بالأجهزة أو بالخبرات أو بالمعدات. كما أشير إلى نقص في عدد الأطباء الشرعيين، إذ نحتاج أحيانا إلى تقارير الصفة التشريحية للشهداء لندرك نوع السلاح المستخدم.

* بكل صراحة، هل يمكن أن تثمر جهودكم هذه عن أي نتيجة ملموسة؟

- نجاحنا هو نجاح إعلامي وسياسي قبل النجاح القانوني، وبالتالي نحن منذ الخطوة الأولى نجحنا في إظهار بشاعة الجريمة، ووثقناها وفق الأصول القانونية، ونقلنا الرأي العام الأوروبي نقلة نوعية في نظرته لإسرائيل.

والآن نحن ننظر لهذه الخطوات كخطوات لا بد منها، كان يجب أن يكون مثل هذا الجهد في فترات سابقة ومن حكومات سابقة، لكن أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي، وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وإذا لم تسنح لنا الفرصة الآن والظرف العالمي ضدنا اليوم لابد أن يكون لنا صولة وجولة في المستقبل، لكن حتى في الوقت الحاضر هناك مؤشرات أننا في طريقنا للنجاح وأن قادة إسرائيل في طريقهم للمحاكم الدولية، مجرد أن يخرج ريتشارد فولك (المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية) ليقف في غزة ويقول أن هناك جرائم حرب ارتكبت هذا يفتح لنا الطريق لرفع ملفاتنا للمحاكم الدولية، مجرد أن تقبل محكمة أسبانية بعض الملفات هذا بداية طريق، وبمجرد إحسان ظنا بالقضاء الغربي بداية والقضاء الدولي لا يتأثر بالضغوط السياسية، وهذا ظنا، وإذا أثبت العكس فهذه مشكلة، ومؤشر خطير.

 

 

انشر عبر