إنفاق يقابله إخفاق.. ثقة الجمهور "الإسرائيلي" بجيشه تتراجع

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 03:58 م
12 أكتوبر 2021

حرص الجيش الإسرائيلي منذ تأسيسه على رسم صورة جميلة أمام الجمهور الإسرائيلي، وأخرى أمام أعدائه وأصدقائه في مختلف دول العالم تظهر قوته وتفوقه، لكنه تراجع وانهزت جميع صوره داخلياً وخارجياً، وبات يعاني من جملة مخاطر أصابت بنيته وسلوكه.

المجتمع الإسرائيلي والذي كان ينظر لكل من يخدم في الجيش بأنه ذو مكانة كبيرة وصاحب نفوذ في البلاد، أصبح يفكر في التهرب من الخدمة العسكرية وترك الجيش الذي تعرض في الآونة الأخيرة لمجموعة من الانتقادات بسبب إخفاقاته المتزايدة.

فبعدما كان الجيش يتغنى بثقة الجمهور الإسرائيلي وحبه في الانتماء له، أصبح اليوم يشكوا تهرب الكثيرين من الخدمة العسكرية، وانصرافهم نحو قطاعات أخرى يحصلون فيها على امتيازات أفضل.

ثقة الجمهور تراجعت

كشف استطلاع للرأي أجراه معهد الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب مطلع العام الجاري في إسرائيل، تراجع ثقة الجمهور بالجيش بنحو 10%، وأظهر استطلاع آخر أن عام 2019 شهد نسبة تأييد بلغت 93%، لكن العامين الأخيرين شهد تراجعاً ملحوظاً لدى الجمهور.

وعزا المعهد الإسرائيلي هذا التراجع إلى مجموعة من التطورات في المرحلة الأخيرة، والتي انعكست بشكل سلبي على صورة الجيش الإسرائيلي داخل المجتمع، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على قوة وتماسك الجيش الإسرائيلي داخلياً وخارجيًا.

وبحسب تقرير صدر حديثاً عن المعهد نفسه، فإن حادثة مقتل الجندي الإسرائيلي برئيل حداريا شموئيلي، في آب/ أغسطس الماضي، إثر إطلاق ثائر فلسطيني النار عليه من فتحة في الجدار الأمني على حدود قطاع غزة، شكلت نقطة تحول في العلاقة بين الجيش والمجتمع الإسرائيلي، تمثلت بانتقادات واسعة ولاذعة للمنظومة الأمنية.

وعلّق الخبير في الشؤون الإسرائيلية عمر جعارة، على هذا الأمر، قائلًا: إن النقادين الإسرائيليين لحادثة مقل القناص على حدود غزة يعتبرون أن سبب امتناع القناص عن إطلاق النار على الشاب الفلسطيني هو الخوف من تجاوز تعليمات إطلاق النار، لكن الحقيقة وفق جعارة هي أن السبب يعود لفشل المنظومة الأمنية في كشف الشاب الفلسطيني المسلح أثناء اقترابه من الجدار.

وأشار جعارة إلى أن الجيش الإسرائيلي على مدار الأعوام الماضية وخلال حروبه المتعاقبة على قطاع غزة، لم ينتصر في أي منها، وكانت المقاومة تخرج من كل جولة من جولات القتال ويدها هي العليا، إضافة لتحقيقها إنجازات ميدانية تخدم مصالحها.

وأضاف أنه "عندما كنت تسأل الإسرائيليين حول مدى رضاهم عن أداء الجيش في المعارك الأخيرة، فإن 70% منهم يجيبك أن الفصائل الفلسطينية كانت تخرج منتصرة من هذه الحروب، فلم يستطع الجيش الخروج بمعادلة صفر صواريخ".

إنفاق يقابله إخفاق

وفي ظل إخفاقات الجيش الإسرائيلي في عملياته العسكرية، فإن مسألة ارتفاع ميزانية الجيش باتت محط انتقاد لدى الجمهور الإسرائيلي، سيما وأن هذا الإنفاق الكبير على الجيش يتبعه إخفاق عملياتي في الميدان، وهو ما يشكل سببًا في تراجع ثقة الجمهور بالجيش.

وبحسب تقرير معهد الأمن القومي الإسرائيلي، تعرض الجيش لانتقادات شديدة في أعقاب تقارير نُشرت في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية حول طلب ميزانيات إضافية بمليارات الشواكل من أجل منح امتيازات مالية لضباطه، في الوقت الذي تفوق فيه مخصصات وميزات التقاعد للضباط في الجيش مثيلتها في المؤسسات المدنية بأضعاف، فيما لا زالت المحكمة العليا تنظر في مدى قانونية هذه الميزانيات.

وكشف التقرير عن مدى تأثر فئات أخرى داخل المجتمع الإسرائيلي من ميزانية الجيش المرتفعة، والتي دعمها بيني غانتس، خاصة تلك الفئات التي تضررت من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة أزمة كورونا، مما ولد شعورًا بانعدام الاهتمام بأوضاع فئات المجتمع الأخرى.

وأظهر استطلاع للرأي العام أعده ذات المعهد، أن 59% من المجتمع الإسرائيلي، يفضلون أن تذهب الأموال للاستثمار في موارد تضع حلولاً اجتماعية واقتصادية على حساب ميزانية الأمن والجيش.

الخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور عاهد فروانة، قال: إن الجيش الإسرائيلي لم يحقق أي إنجاز خلال معاركه الأخيرة، بل مُني بالفشل والإخفاق، وهذا فرض على كل رئيس أركان جديد للجيش عمل خطة عسكرية جديدة، الأمر الذي تطلب ميزانيات ضخمة لإنجاز ذلك.

وأضاف فروانة، أن "قادة الاحتلال حاولوا خلال السنوات الماضية أن يرسموا صورة انتصار للجيش، لكنهم عجزوا عن ذلك أمام الإخفاقات المتتالية، كما حملت جميع لجان التحقيق التي أعقبت العمليات العسكرية المسؤولية لقادة الجيش في فشل تحقيق الأهداف".

نتنياهو يثأر من الجيش

واعتبر فروانة أن القيادة الإسرائيلية السياسية والعسكرية، انحدرت إلى مستوى متدني في القيادة، وذلك بسبب الخلافات الشخصية بينها، والتي كانت على حساب مصلحة الدولة والجيش، وأصبح القادة يتخذون المواقف وفقاً لمصالح وعداوات شخصية.

واستشهد فروانة خلال حديثه بموقف نتنياهو الذي كان في السابق يمثل رأس الجيش الإسرائيلي والحكومة، لكنه اليوم يعتبر أكثر الشخصيات انتقادًا للسياسات العامة في الدولة ولقيادة الجيش، الذي اتهمه بالعمل لأجندات حزبية وشخصية.

وأضاف أن "نتنياهو يسير مع ما يخدم مصلحته، وما يعارضها يهاجمه في هذا الجانب، هو فقط مهتم بمصلحته، وهذا ما جعل نتنياهو يصطدم مع الجيش في عدة مواقف، خصوصاً مع أيزنكوت خلال فترة ولايته، والذي تميز بالعقلانية وواجه نتنياهو أكثر من مرة ومنعه من التهور".

وتابع فروانة: "نتنياهو لديه ثأر مع الجيش وهو الآن يأخذ بثأره، ويحاول أن يتبرأ من الإخفاقات الأخيرة التي مُني بها في الحرب الأخيرة على غزة، وفشل خطة المترو ومفاجئة الفصائل الفلسطينية، كما أنه يسعى من خلال ذلك لزيادة الضغوطات على نفتالي بينت الذي يعاني من الخبرة في إدارة شؤون الدولة.

القناة 12 العبرية بثت حلقة خاصة، حول تذمر المجتمع الإسرائيلي من نسبة الرواتب والعلاوات التي يتم منحها للضباط والجنود داخل الجيش، مقارنة بباقي فئات المجتمع، مؤكدة وجود سخط عام لدى الجمهور من امتيازات الجيش.

وأجرت القناة خلال الحلقة مقارنة قصيرة بين شخصين أحدهما يعمل داخل الجيش والآخر موظف في القطاع الخاص، حيث أوضحت الفارق الكبير في علاوات وامتيازات العاملين في الجيش أمام نظرائهم في الفئات الأخرى.

ويرى مراقبون أن إخفاقات الجيش الإسرائيلي المتزايدة تُشكل خطرًا وجوديًا على إسرائيل، والتي بدورها تشكل مصدر قلق لدى الجمهور الإسرائيلي الذي يرى أن بقاء إسرائيل مرهون بقوة جيشها وقدرته على مواجهة التحديات، لا سيما في ظل تعاظم قوة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة التي تضع تحرير فلسطين وإنهاء وجود إسرائيل هدفًا استراتيجيًا لها، وكذلك برنامج إيران النووي الذي يُهدد تفوق إسرائيل النوعي في منطقة الشرق الأوسط.

"عكا"