شريط الأخبار

خبير من المنظمة الدولية للدفاع المدني:" ما جرى في غزة... أمر غير مقبول ! "

08:51 - 06 تشرين أول / أبريل 2009

فلسطين اليوم - غزة

لقد استهدفت إسرائيل في حربها الأخيرة على قطاع غزة "بشكل متعمد مراكز الدفاع المدني، والجهات التي تقدم المساعدة الإنسانية للمدنيين ، منها سيارات الإسعاف، والمستشفيات، ومراكز الشرطة، وبنايات الدوائر الحكومية، بالإضافة الى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية... والمساجد ومدارس الطلبة والجامعات ومدارس الأونروا ومخازن المساعدات الإنسانية المعيشية والطبية"..

 

وردت حرفيا في التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق التابعة للمنظمة الدولية للحماية المدنية والدفاع المدني التي يوجد مقرها في جنيف، والذي أعاد تأكيده الخبير وعضو لجنة التحقيق جون شارل ديدو، في حوار خص به سويس إنفو.

 

وفي الواقع، يعتبر التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق هذه من التقارير المفصلة النادرة التي صدرت عن لجان دولية نزيهة، حققت في الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل ضد المدنيين وضد المنشآت المدنية أثناء الحرب التي شنتها على قطاع غزة ما بين 27 ديسمبر 2008 و19 يناير 2009.

 

الخبير السويسري جون شارل ديدو الذي أنجز مهمة التحقيق في أحداث غزة بعد أيام من وقف الحرب، لصالح المنظمة الدولية للحماية المدنية والدفاع المدني، صحبة الدكتور سعد النونو، مستشار الأمين العام للمنظمة وخبير الصحة الإنسانية فيها.

 

ما هي دوافع قيامكم بهذا التحقيق بعد أيام قليلة من انتهاء الحرب، وهل هو تقليد متبع من طرف منظمتكم في باقي الصراعات؟

 

جون شارل ديدو: إننا ننتمي الى منظمة دولية تضم حوالي 50 من البلدان الأعضاء ومن ضمنها فلسطين التي تحظى بصفة مراقب. وكلما تعرض بلد عضو لكارثة طبيعية أو لصراع مسلح، نحاول تقديم المساعدة حسب المستطاع. وفي وضع فلسطين، استفدنا من وقف إطلاق النار لمحاولة تقييم الأوضاع في عين المكان، كمنظمة دولية للدفاع المدني، ليس فقط من حيث الأضرار التي تعرض لها السكان، بل أيضا الأضرار التي لحقت بالمؤسسات التي من المفروض أن تقدم الإسعاف والمساعدة للمدنيين مثل رجال المطافئ والحماية المدنية. كما اصطحبنا معنا شحنة من المساعدات وهي عبارة عن معدات صحية وتقنية لفائدة مصالح الحماية المدنية الفلسطينية.

 

وما هي أهم المراحل التي اشتملت عليها عملية التحقيق هذه؟

 

جون شارل ديدو: كما ذكرت اشتملت العملية على إرسال حاوية بمعدات لمساعدة جهاز الحماية المدنية، ثم القيام بعملية تقييم في عين المكان للأضرار التي لحقت بمراكز الدفاع المدني التي من المفروض أن تقدم المساعدة والحماية للمدنيين. والقيام فيما بعد برفع تقرير للدول الأعضاء لمحاولة معرفة كيف يمكن الإسهام ماليا في إعادة بناء قدرات الدفاع المدني الفلسطينية. وإذا كنا قد ركزنا بالدرجة الأولى على منشئات الدفاع المدني، فإن الزيارة سمحت لنا بالإطلاع على قطاعات أخرى يمكننا الإسهام فيها.

 

جون شارل ديدو، الخبير السويسري بالمنظمة الدولية للحماية المدنية والدفاع المدني   سوس إنفو: وما الذي توصلتم إليه من خلاصة بعد هذه الزيارة الميدانية التي استمرت من 27 يناير إلى غرة فبراير 2009؟

 

جون شارل ديدو: عندما نتحدث عن الحروب نظريا مثلما نفعل أثناء تأدية الخدمة العسكرية في سويسرا نتصور دوما بأن الحرب هي صراع بين دولتين وبين جيشين. ولكن عندما وصلت الى قطاع غزة لم أشاهد أي جندي، أو أية منشآت أو سيارات أو معدات عسكرية، بل كل ما هنالك مدنيون.

 

وعلى طول الطريق من معبر رفح حتى أقصى قطاع غزة، شاهدنا منشآت مدمرة وكلها مدنية وليس من بينها أية منشآت عسكرية. وكان ذلك بمثابة المفاجأة الأولى.

 

يضاف الى ذلك أننا شاهدنا كيف أن المدارس والمساجد والمنشئات التي من المفروض أن تحمي المدنيين تعرضت للقصف. وحتى عند زيارتنا للمستشفى للتوقف على طبيعة الإصابات والجروح الناتجة عن بعض الأسلحة المستعملة، شاهدنا كيف أن سيارات الإسعاف تعرضت هي الأخرى للقصف وهذا أمر لا يُتصوّر. وابتداء من هذا المشهد بدأنا ننتقل من مفاجأة غير سارة لأخرى أكثر منها.

 

 

 

تحدثتم عن الأسلحة المستخدمة. ما هو التقييم الذي توصلتم إليه في عين المكان عن طبيعة تلك الأسلحة؟

 

جون شارل ديدو: عند زيارتنا في اليوم الثالث لساحة تم فيها تجميع كل الذخيرة والقنابل التي لم تنفجر، تعرفنا على بعض القنابل الإنشطارية وبعضها يحتوي على مسامير. وقد جلبت معي بعضا من تلك المسامير للإستدلال بها عند إلقاء المحاضرات في سويسرا ولتوضيح ما تم بالفعل. وبما أنني لست خبيرا في الأسلحة والذخيرة، اتصلت عند عودتي لسويسرا بأصدقاء لي من خبراء الأسلحة، واتضح لي أن بعض الأسلحة ليست أسلحة تقليدية بالمرة.

 

كما أن حديثنا مع الأطباء في عين المكان تبين منه كيف أن هؤلاء الأطباء مندهشون لكون الأدوية لم تعد تؤثر في نوعية الحروق والآلام المترتبة عن هذه الأسلحة والمتمثلة في جراح عميقة. فقد تم الحديث عن استخدام الفوسفور الأبيض ويمكن تصور أسلحة وذخيرة من نوع آخر. وحتى كبير الجراحين في قسم المصابين بالحروق كان في وضعية يأس من كونه غير قادر عن تخفيف الآلام على الجرحى خصوصا أولائك الذين أصيبوا بجراح عميقة تنهشهم من الداخل.

 

ومع أننا لسنا خبراء لتحديد نوعية الأسلحة المستخدمة، هناك خبراء بإمكانهم تقييم تلك الأسلحة من خلال ما هو متوفر ويجب أن يتم إرسالهم على عين المكان للقيام بتوثيق ما هو بفعل أسلحة تقليدية وما هو بفعل أسلحة غير تقليدية مثل تلك الذخيرة المزودة بتقنيات عالية مثل جهاز تصويب بالإحداثيات الجغرافية أو القنابل الإنشطارية.

 

وماذا عن طبيعة الأضرار التي لحقت بمراكز الحماية المدنية والدفاع المدني في قطاع غزة؟

 

جون شارل ديدو: لقد قمنا بزيارة خمسة مراكز للحماية المدنية متواجدة على طول الطريق المؤدية من معبر رفح حتى أقصى قطاع غزة. بعض هذه المراكز تعرض لتحطيم كلي أو جزئي، والبعض قُتل فيه أعوان الحماية المدنية أو أصيبوا بجروح وتعرضت فيه سيارات الإطفاء للتحطيم.

 

وما نستغرب له هو كيف استُهدفت مراكز الحماية المدنية بالدرجة الأولى في القصف الإسرائيلي على الرغم من كونها مؤسسات يحميها القانون الإنساني الدولي لكونها مؤسسات موجودة لمساعدة السكان المدنيين في أوقات الأزمات.

 

إذن مراكز الحماية المدنية تخضع لحماية القانون الإنساني الدولي مثل جمعيات الصليب والهلال الأحمر وباقي المنظمات الإنسانية؟

 

جون شارل ديدو: بالطبع لأنها مؤسسات مهمتها حماية السكان ولذلك يجب تفادي الإضرار بها في الصراعات المسلحة شأنها في ذلك شأن سيارات الإسعاف والمستشفيات والكنائس والمدارس. ولكن مع الأسف ما لاحظناه في غزة هو العكس. ونتيجة لهذا الإستهداف المتعمد لمراكز الحماية المدنية أصبح عمال الإغاثة يتجمعون خارج المباني في انتظار التدخل بهدف تفادي أن يكونوا عُرضة للقصف.

 

وما هو انطباعكم عن ذهنية عمال الإغاثة الفلسطينيين الذين واصلوا أداء مهامهم في هذه الظروف؟

 

جون شارل ديدو: لقد كنت منبهرا لمستوى الروح المعنوية التي يتحلى بها عمال الإغاثة الفلسطينيون سواء في الحماية المدنية أو في فرق الإسعاف، لأنه على الرغم من فقدان 13 من رفقائهم وإصابة 25 بجراح، احتفظوا بمعنويات عالية وواصلوا تجندهم من أجل التدخل في أي وقت لصالح السكان المدنيين. وهذا شيء خارق للعادة بالنظر لظروف العمل التي مارسوا فيها نشاطاتهم والتي سبقت وصولنا لقطاع غزة.

 

بعد إصدار هذا التقرير ما هي المراحل المرتقبة سواء على مستوى منظمتكم او على مستوى منظمات دولية أخرى؟

 

جون شارل ديدو: في الواقع بعد تقييم الأوضاع في عين المكان رفعنا هذا التقرير للدول الأعضاء في منظمتنا من أجل الحصول على دعم مالي لإعادة تأسيس وتأثيث مراكز الدفاع المدني. كما قدمنا نسخا من هذا التقرير مرفوقة بكافة التوصيات للعديد من المنظمات الدولية. وسنواصل تطوير برامج التكوين بالنسبة لرجال الدفاع المدني الفلسطيني. وقد طلبنا من مصر استقبال دورات تدريبية للإطارات القيادية في الدفاع المدني الفلسطيني. وقد تم تقييم تلك الاحتياجات في حدود 7 مليون فرنك سويسري.

 

وهل هناك استجابة لحد الآن لهذا النداء؟

 

جون شارل ديدو: هناك أمين عام المنظمة الدولية للحماية المدنية والدفاع المدني الذي زار مؤخرا البلدان العربية في الخليج وهناك استجابة حصل عليها في دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

وهل بالإمكان استخدام هذا التقرير في إحدى الشكاوى سواء تلك المتعلقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية او لتبرير الحصول على تعويض إذا ما فتح المجال لذلك؟

 

جون شارل ديدو: أقول وأكرر بأننا ليس لدينا ما نخفيه. فنحن كمنظمة غير سياسية حاولنا أن نكون موضوعيين في معاينتنا لكل ما تم في قطاع غزة بزيارة عدة مناطق للوقوف على الأضرار التي مست المدارس و مستودعات منظمة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا وغيرها، ووثقنا ذلك بكل موضوعية بالصور والشهادات.

 

فقد شاهدنا كيف أن مستودع الأغذية التابع للأونروا حطم نهائيا في حين أن المباني الإدارية لم تمس. وهو ما يسمح لنا بالقول أنه تم التصويب بدقة لتحطيم هذا المستودع. ونفس الشيء ينطبق على الجامعة التي بها مباني الإدارة ومبنى المخابر. ويا للعجب كيف أن مبنى المخابر هو الوحيد الذي أصيب؟ فإذن حتى ولو كنا محايدين لا يمكننا غض الطرف عما حدث في غزة ولا يمكننا عدم الحديث عما شاهدناه هناك.

 

بالنسبة لشخص متعود على رؤية ساحات الكوارث الطبيعية والصراعات المسلحة بحكم عمله، هل يمكن لما شاهدته أن يترك انطباعا لديك بأن ما جرى في غزة هو نوع جديد من انتهاكات القانون الإنساني الدولي بشكل سافر؟

 

جون شارل ديدو: لقد سبق لي بحكم عملي أن عاينت الأضرار في الكثير من ساحات الكوارث. وإذا كان من الصعب معاينة تلك الأضرار عندما يتعلق الأمر بكوارث بسبب الزلازل أو الفيضانات، فإن ما شاهدناه في غزة أقوى من ذلك، لأن ما حدث لم يحدث بسبب الطبيعة بل بفعل الإنسان. فتلك العائلات التي أصبحت تعيش في أنقاض منازلها رغم مخاطر الإنهيار تشكل منظرا لا يمكن تصوره في القرن الحادي والعشرين، لكن مع الأسف الشديد هذا أمر واقع.

 

وعندما تعود من مهمة مثل هذه، بعد الإستماع لكل هذه الشهادات من أسر الضحايا، ومعاينة جميع تلك الأضرار، لا يمكنك أن تعود بدون تأثر عميق. وهذا ما أشعر به حتى في هذه اللحظة (يجهش بالبكاء )... إنه أمر صعب للغاية ... إنه أمر غير مقبول...

 

 

انشر عبر