شريط الأخبار

"بابور كاز" يقضي على حياة "غادة" ويحرمها أطفالها وزوجها

01:08 - 05 تشرين أول / أبريل 2009

فلسطين اليوم- خانيونس

"إذا الشعب يوماً أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر..ولا بد لليل أن ينجلي..ولابد للقيد أن ينكسر.. قيلت تلك الكلمات مدحاً في شعب تجرع مرارة العيش منذ أن خُلق على وجه الأرض، ووقف متحدياً لأحلك الظروف حاملاً إرادة عصية على الانكسار والانحناء.

 

قيلت تلك الكلمات في زمن مضى عليه عقود ولكن ذاك الزمن بدأ يُعيد نفسه اليوم متمثلاً في الافتقاد لأدنى مقومات الحياة، والفارق بأن الفترة التي مضى عليها عقود وجدنا أنفسنا نعيشها منذ الصغر بكل ما تحتويها من ظروف تفتقد لأدنى مقومات رغد العيش، فاليوم تطورت الحياة بشتى جوانبها لنستغني بشكلً شبة كُلي عن تلك الوسائل التي كنا نستخدمها بالماضي، ولتبدأ المعادلة نفسها تفرض من جديد علينا من خلال الحصار الذي افقدنا أدنى مقومات الحياة، ليدفعنا لابتكار أشياء لتجاوز مرحلة ما أو فترة معينة، وبدأنا نتأقلم مع شيء جديد اسمه "بابور الكاز" والذي كان نتاج افتقادنا للمحروقات بشكل عام وعلى وجه الخصوص

"غاز الطهي" بسب الحصار.

 

يكاد القلب يعتصر ألماً عندما تسمع أو تشاهد بأن هذا " البابور" يتحول من وسيلة للمساعدة في سد فراغ ما بالبيت أو لتماشي مع ظروف حزمة زمنية معينة، إلي أداة مشاركة في دفع عجلة ضحايا الحصار في تزايد بعدما يودي بحياة من دفعتهم قسوة الأيام والواقع المرير لاقتنائه لعله يكون صديق قاسي بدلً من صديق قاتل.

 

ضحية بابور

عبير الأغا أم " لخمسة أطفال " وضحية بابور الكاز بعدما اقتنته لتدير حياتها ولتتماشى مع ظروف الوقت الحاضر الذي أصبح فيه الحلم الوردي لكل أسرة فلسطينية " توفير اسطوانة غاز".

 

عماد مروان الأغا زوج الضحية عبير تحدث حول فصول حادثة وفاة زوجته أثناء استخدامها للبابور.

 

وبصوت يئن ألماً من هول الفاجعة التي التهمت بيت سعيد كان على موعداً ليفتقد العش الدافئ والقلب الحنون، قال زوج الضحية:"يعيش في بيت مكون من طابق واحد بمنطقة السطر الغربي غرب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وأب لأسرة مكونة من سبعة أفراد هو وزوجته المرحومة وخمسة أطفال أكبرهم سناً لا يتعدى عشرة أعوام وهم: " أمل و مروان ونسمة ويسرى وبتول التي لم تتجاوز الشهرين ", مشيرا إلى أنه لا يعمل منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة أي منذ ما يزيد عن أربعة أعوام حيث كان يعمل بالمستوطنات سابقاً .

 

بداية وقوع الحادثة

وأضاف الأغا:" قمت قبل عدة شهور بشراء بابور كاز يسمى بالبابور" الأخرس " عندنا لأنه لا يخرج صوت عند استخدامه كباقي البوابير المتعارف عليها لذلك يطلق عليه الأخرس، بعدما نفذ غاز الطهي من بيتي بسب عدم توفر غاز هي منذ فترة طويلة بسب الحصار", متابعاً حديثه قائلاً:" كنت عائد إلي بيتي من بيت عزاء لأحد أقاربنا بمدينة خانيونس، فدخلت البيت فوجدت زوجتي تقوم بتحضير الحليب على البابور لطفلتي الصغيرة "بتول" والتي لا تتجاوز الشهرين، وقبل أن أدخل البيت بخمسة دقائق كنت أتحدث لقريب لي عن اسطوانة الغاز التي امتلكها فقال لي راح أحاول في أقرب وقت أن أجلبها لك ممتلئة بالغاز".

 

وتابع الزوج حديثه قائلاً:" بعدما تنهد قليلً قمت بمساعدة زوجتي لكي تحضر الحليب سريعاً وبعدها أقوم بتحضير العشاء لي، وكانت زوجتي تغسل ببعض أدوات المطبخ وحينها كانت الطفلة تبكي وبعدها شاهدت الحليب شارف على التحضير، فقررت مساعدتها وذلك لراحتها، فحاولت أن أحمل الحليب خشية أن يطفوا خارج "الحلة المتواجد بها " ويتسبب في أذى لي أو للمكان الذي نتواجد به أو للبابور نفسه.

 

وأضاف:" عندما وضعت يدي على الحلة كانت أطراف الحلة ساخنة جداً فلم أستطع حملها بسب شدة سخونتها فتركتها فوقعة الحلة مباشرة على طرف البابور ولم تقع مكان ما كانت تتواجد بالسابق قبل تحريكها، فحينها الحلة كادت أن تقع على الأرض فتدخلت سريعاً لكي لا تقع فاصطدمت يدي بطرف البابور فوقع البابور على الأرض، حيث كان البابور يتواجد فوق سطح "فرن الغاز" المتواجد عندي بالمطبخ وتحته قطعة من القماش كي أحافظ على نظافة هذه الفرن والمكان الذي يتواجد به البابور من تناثر بعض من الكاز أثناء محاولة تعبئة البابور أو ما شابه ".

 

 

انفجار كبير

وتابع قائلاً :" بعدها وقع الحليب على قطعة القماش المتواجدة تحت البابور وتبعه البابور بنفس الطريقة، الأمر الذي أدي لنفاذ الكاز المتواجد بداخل البابور بسهولة على قطعة القماش ومن ثم حدوث حريق بالمكان الذي وقع به البابور على قطعة القماش المتواجدة على سطح الفرن وتبع هذا الحريق مباشرة انفجار كبير هز أركان البيت وهبة نار أحدثها الانفجار طالت أجزاء من وجهي محدثة بعض الحروق الطفيفة بالوجه وأيضاً تسبب الحريق بحرق رُموش عيني فكُنت لا أستطيع النظر بشكل طبيعي حينها.

 

وقال:"لم أشعر بما حدث ووجدت نفسي ملقى على الأرض لا أعرف كيف، وزوجتي المتواجدة بالقرب مني تصرخ على والنار الناتجة عن الانفجار طالت قطعة السجاد التي تتواجد على أرضية المطبخ، ومكثت مدة عشرة ثواني تقريباً على الأرض غير قادر على استيعاب ما حدث، وسمعت زوجتي تصرخ بصوت عالي إلحقني يا عماد, حيث كانت النار مشتعلة بها ودون أن أراها، فقمت من مكاني وتناولت " منشفة " كانت متواجدة بالمطبخ عندي وحاولت إخماد الحريق المشتعل بزوجتي فوجدت أن المنشفة التي أحاول إخماد الحريق بها تساعد على تزايد الحريق بملابس زوجتي.

 

وقال الأغا "حينها خطر ببالي استخدام "حرام" لإخماد النار لأنه يساعد على إخمادها سريعاً من خلال كمرها وعدم السماح للهواء بالعبور للمنطقة المحترقة، وفي هذه اللحظة التي خطر فيها ببالي أن أجلب حرام وقعت زوجتي على الأرض والنار ما زالت مشتعلة بها وخصوصاً في الأجزاء العلوية للجسم، وبالفعل جلبت حرام بسرعة وكمرت زوجتي بشكل كامل وبحمد الله الحريق توقف تماماً".

 

وأضاف "حملت زوجتي لخارج المطبخ لأن النيران لا زالت مشتعلة بالمطبخ، فصرخت بعدها على عمي أبو عمر الذي يقطن بجوار بيتي تماماً الحق يا عم.. لكي يأتي ليُطفئ النار التي لا زالت مشتعلة بالمطبخ وتزداد تارة مع مرور الوقت، وبالفعل سمع صوت صراخي عمي فجاء ومعه " اسطوانة الإطفاء المليئة بغاز الأكسجين"، وعمل على إخماد الحريق وبحمد الله استطاع إخماد الحرق، وبعدها تجمع الجيران وأقاربي وتم إخماد الحريق بالكامل ".

 

 

لحظة حدوث الفاجعة

وأضاف:" قمنا بحمل زوجتي وتوجهنا بها لمستشفى ناصر بمدينة خانيونس وكانت تتنفس واعتقدت بأن صحتها بخير ولكنها تحدثت لنا أنها متعبة, حيث تعرضت لحروق في الجهة اليمني من الوجه واليد اليمني حرق شبه كامل ومنطقة الخصر حتى منتصف القدمين أي ما يعرف بمنطقة الرُمانة بشكل كبير وكذلك اليد اليسرى كان بها حرق بشكل شبه كامل".

 

وتابع "عندما وصلنا لمستشفى ناصر قام الأطباء بإجراء العلاج اللازم لزوجتي وبعدها بقيت زوجتي قرابة الساعتين بقسم الاستقبال يتم إجراء العلاج اللازم لها، وبعدها تم تحويلها للقسم الخاص بالنساء بالمستشفى وكان وضعها مستقر وصحتها جيدة، وفي اليوم الثاني تقرر تحويلها لقسم الحروق بمستشفى الشفاء بمدينة غزة لأنها بحاجة لرعاية صحية أكثر، وهناك تحدث لنا الأطباء بأن وضعها الصحي صعب جداً وهذه حالة متأخرة.

 

وتابع قائلاً "بعدها بقيت قرابة خمسة أيام بمستشفى الشفاء بصحة جيدة وتتلقى العلاج اللازم وتتحدث عبر الجوال وتتحدث مع الآخرين وكانت تتلقى علاج أولي "علاج خارجي للحروق"، حيث لم يستطع الأطباء عمل أي شيء لها حين تحسن صحتها".

 

وأوضح الأغا في اليوم السادس لها بالمستشفى بدأت صحة زوجتي بالهبوط تدريجياً، ولم يستطع الأطباء في أحد الأيام عمل غيار لمناطق الحرق بسب شدة خطورة وضعها الصحي، وحسبما علمت من الأطباء بأن زوجتي تعرضت لــ "تسمم بالدم" خصوصاً بمنطقة البطن أي المنطقة التي تعرضت للحريق بشكل كبير وعميق ليصل لمعدات الجسم الداخلية.

 

وقال الأغا "جاءت لحظة حدوث الفاجعة وهي الإعلان عن وفاة زوجتي عبير الأغا" ، مضيفاً :"أنه تلقى الخبر بحدوث حالة من الهلوسة معه وعدم الوعي على نفسه وعلى الكلام الذي صدر منه فور وفاة زوجته.

 

وبين صمت استمر لعدة ثواني تبعه تنهيدة خرجت من أعماق قلب مجروح يقول الأغا:"إن أطفالي تقبلوا خبر وفاة والدتهم بالبكاء والألم الشديد سيما أنهم لم يعوا ولم يبصروا بعد على الدنيا، مشيراً إلى أنهم لم يفيقوا بعد من هول الصدمة التي تعرضوا لها بعدما سمعوا نبأ وفاة والدتهم فلا زالوا يسألون عن والدتهم كل يوم".

 

ووجه الأغا رسالة للعالم أجمع ولكافة الجهات المعنية لفك الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني حتى لا يزيد عدد الضحايا وترمل مزيد من العائلات الفلسطينية بسب هذا الحصار وما نتج عنه من تداعيات.

 

ومع تواصل الحصار وتشديده على قطاع غزة فإن معاناة الفلسطينيين لن تتوقف وستبقى حاضرة في واقعهم وذاكرتهم !!!.

انشر عبر