شريط الأخبار

د.مازن النجار يكتب : ثقافة المقاومة.. الدم يهزم السيف!

11:50 - 04 تموز / أبريل 2009

عندما تتعرض الأمم للبغي والإبادة والعدوان الهمجي فإنها تدخل مراحل بالغة الحرج؛ فيتهدد وجودها الإنساني وبقاؤها الحضاري ومقومات حياتها، وحقوقها ومصالحها، وقد تتعرض الأوطان والشعوب للاحتلال والاغتصاب والإذلال، ويصبح مستقبلها وكرامتها وحريتها على المحك.

وفي ظل تلك التحديات الكبرى تتمايز الحضارات في قدرتها على الصمود وصدّ العدوان، وبذل التضحيات، كما تظهر الحقيقة حول جوهر الأمم وصلابة معادنها، وقدراتها على المقاومة والانتصار.

 

في هذا السياق يهتم طلاب التاريخ والاجتماع البشري بدراسة عوامل الصمود والمقاومة لدى الأمم والحضارات، واكتشاف مقومات وخبرات ما نسميه "ثقافة المقاومة".

 

والثقافة بشكل عام هي حالة جامعة وواسعة، فيها الأفكار والمعتقدات، والتقاليد الحضارية، والأمثال والمأثورات، وخبرات وحكمة الأمم، ووصفات الطبخ، والأغنيات المعبرة عن روح الشعوب، ورؤية الناس لأنفسهم وتصوراتهم عن غيرهم وعن العالم، وطرائق تفكيرهم حول جميع القضايا والهموم الإنسانية.

 

أما ثقافة المقاومة فهي حالة وخبرة تحياها الأمم النبيلة الحية، التي تتصدى للبغي والعدوان، ولذلك فهي تنهض في وجه التحديات عبر مختلف وسائل ومستويات المواجهة، من أبسط آليات وأدوات الكفاح، ووسائل الدفاع المدني، إلى التحليل الإستراتيجي الثاقب الذي يعطي كفاح الأمم مسارًا ورؤية ومعنى.

 

أمة متفردة

 

وعندما تتعرض أمتنا للعدوان، وتمر بمنعطفات وتحديات مصيرية، فإنها تستمد قدرتها من إيمان راسخ، ومخزون حضاري بالغ الثراء، وخبرات مواجهة وانتصارات متعددة ومتنوعة.. فنحن أمة تاريخ متصل لآلاف السنين دون انقطاع، ولا يشبهنا في ذلك إلا الصينيون، ولنا امتدادات ثقافية وإنسانية عميقة ومتسعة أفقيا ورأسيا، وقدرات مشهودة على التواصل والتجدد.

 

فنحن الأمة التي أسهمت في إثراء التراث الإنساني روحيًّا وماديًّا ومعرفيًّا، وقدمت للعالم الإيمان، والأبجدية، والأنسنة، والعلوم، والتجارة، والتواصل بين الأمم، عندما كان معظم البشر يعيشون في دياجير الظلام.

 

فهي أمة التوحيد القديمة الخالدة، وتجربتها التاريخية الطويلة الممتدة مكنتها عبر مراحل وابتلاءات عديدة من أن تستعصي على الفزع والانهيار والإبادة، وأتاحت لها تحقيق الصمود والانتصار والبقاء.

 

هذه الحقائق والمعطيات المتعددة تحتم عليها الآن أن تستعيد إيمانها وثقتها بذاتها، وتحتفظ برباطة الجأش والثبات على الحق، وتتجاوز برؤيتها تحديات ومخاطر الواقع إلى آفاق الصمود والانتصار.. المعادلة بسيطة ومعجزة في آنٍ واحد، مصيران لا ثالث لهما: إما نصر أو شهادة، وعقيدة واثقة بأن الآجال والأرزاق مقدرة من لدن إله أزلي قادر ومتجاوز ومطلق الإرادة سبحانه وتعالى.. إيمان راسخ يعصمنا من التوتر والقلق والانهيار، فنحن أمة تأوي إلى ركن شديد.

 

إن عشنا فليكن ذلك العيش حياة بعزة وكرامة، وإن متنا فلن نئول إلى حالة فناء غبارية تتلاشى في العدم، فمن عند الله جئنا، وإليه نعود.. هذا اليقين يضيء تجربتنا كأمة، ويعصمنا من حالة انعدام الوزن، ويخفف التوتر والقلق الإنساني غير المبرر؛ فنصمد ونتحدى ونقاوم، حتى مع اختلال ميزان القوة المادية لصالح العدوان.

 

يعلمنا التاريخ والتجارب الإنسانية الرحبة أنه مهما بلغ جبروت وغطرسة العدوان، فلا يزال ممكنا هزيمة سيفه بالصبر النبيل وبذل التضحيات.. قد يوغل العدوان في الدمار وسفك الدماء، بل إن "الكف لا يصد في وجه المخرز"؛ هذا صحيح على مستوى التفاصيل.

 

وربما تبدو المقولات متعارضة لدى التغاير في مستوى التحليل؛ فقد نتناول قضية ما على مستوى التحليل التاريخي، أو المستوى الإستراتيجي، أو المستوى التكتيكي، أو المستوى العملاني، لكنها متسقة في التحليل النهائي أو التفاعل الكلي.

 

وغالبًا ما كانت مسيرة الحق عبر التاريخ الإنساني هي رحلة الدم الذي هزم السيف.. فالعبرة -في النهاية- بمآلات الأمور، ومستقبل الشعوب، ومصائر الأوطان، ولولا تضحيات الأمم وصبرها وإصرارها ما تحرر وطن، ولا أضاءت الخبرة البشرية، ولا أشرق العدل والإحسان في التجربة الإنسانية.. ثقافة المقاومة تبدأ من فكرة الإيمان؛ الإيمان بالحق والقسطاس الذي قامت به السماوات والأرض، وبأن الظلم منبتٌ لا يدوم، وأن الله أنزل العدل وأقامه، فالعدل منظومة كونية شاملة.

 

تجاوز الأيديولوجيا

 

لا تنحصر ثقافة المقاومة في انتماء فكري أو أيديولوجي أو ديني أو طائفي بذاته، بل يضم معسكر المقاومة كل الشرفاء الذين ارتقى وعيهم إلى مستوى التحديات، وأدركوا البوصلة الحقيقية للمرحلة، وانتموا إلى روح الأمة وتطلعات الشرق نحو النهوض والتحرر والتنمية، بصرف النظر عن انتماءاتهم، أو خصوصياتهم، أو معتقداتهم، فمصادر الفكر المقاوم متعددة وليست أحادية.

 

ويعزز ذلك أن المستضعفين من شعوب العرب والمسلمين، وكثيرا من شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، لم يتم احتلال وجدانها، أو إفساد ضميرها، أو إخضاع إرادتها، أو تزييف وعيها، بل ما زالت تقاوم الظلم والاحتكار والاستغلال والهيمنة الإمبريالية بمختلف تعبيراتها.

 

وبرغم تغول الدولة الحديثة، وسعيها للسيطرة على جميع مناشط الحياة والاجتماع والاقتصاد، وتقويضها للجماعات والمؤسسات التقليدية، واحتكارها لوسائل القوة والعنف؛ فإنها أخفقت في قمع وتشكيل وعي الأمة والفرد بما يؤدي إلى التسليم الكامل لها كما حدث في التجربة الغربية.

 

تعبر ثقافة المقاومة عن عبقرية الأمة، وتنوع مخزونها من بدائل وخيارات المقاومة والحراك، فمثلا منذ بداية المشروع الصهيوني الاستيطاني اتخذت مقاومة هذا المشروع أشكالا وتعبيرات متعددة: سياسية، واجتماعية، وأيديولوجية.. فتغير الأفكار، وتعدد التوجهات التي انخرطت في كفاح الأمة على الساحة الفلسطينية هي تعبيرات لحركة وطنية واحدة متجددة.

 

فالأمة فيها خير كثير، وفطرتها لا تخطئ، ولا تجتمع على باطل، وتتجاوز بمبادرة فاعلة المواقف الفئوية والتصورات الانعزالية، وعندما تنخرط في مقاومة حقيقية فإنها تتحفز وتنتفض وتصبح أكثر قدرة على المواجهة؛ مما يعزل الخطاب الانهزامي الذي هو -بالتعبير القرآني- {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}؛ ذلك أنه يتناقض مع وعي الأمة وضميرها وروحها، ويسخر منها، ويراهن على هزيمتها وذلها وركوعها.

 

ولا شك أن نجاح وسائط الإعلام في تقديم صورة حية للعدوان في فلسطين ولبنان والعراق، مثلا، والاستجابة الشعبية إزاءه يظهر نقلة نوعية في وعي الجماهير ونضجها وارتقاء شعورها بالمسئولية، وقدرتها على الفعل والمبادرة، كما يعجل التفاعل بين شعوب الأمة ونمو وعيها وحراكها بوتائر (جمع وتيرة) جديدة؛ الأمر الذي يعني أننا نشهد تسارعًا أو تصعيدًا في حركة التغيير والتاريخ مقارنة بالمراحل السابقة.

 

هكذا هي الصورة بالنسبة للجمهور العربي خارج مسرح الفعل والاستجابة، أما في فلسطين أو لبنان أو العراق فهي لوحة أو حالة حقيقية يعيشها الإنسان المقاوم بكافة تفاصيلها وتضميناتها، وتشكل وعيه، كما ترسخ ثقافته المقاوِمة.. وهنا نرى أن الإنسان المقاوم يستجيب في الحال للحدث -الذي يرى صورة من بعيد- عبر التماسك الداخلي والفعل الإيجابي معا.

 

المقاومة.. وأدوار متعددة

 

بيد أن هذه الصورة تلقي على الجماهير العربية أعباء أخلاقية ثقيلة؛ فاللبناني، والفلسطيني أو العراقي يصمد ويتحمل التضحيات أمام أعينها كل يوم وكل ساعة، بينما تراقب هذه الجماهير المشهد بحسرة، أو بعجز، أو بإحباط، يخشى معه من الوقوع في حالة تسمى في العلوم السلوكية: "العجز المكتسب بالتعلم".

 

لكن الإنسان المتمثل لثقافة المقاومة لا تنكسر إرادته، بل يصمد ويثبت برغم الدمار والقتل والخراب، ودخان القصف المتصاعد، والدليل على ذلك ساطع في عبارات وتعبيرات الإباء والإصرار والصمود لضحايا العدوان الذين تعرضوا للقصف والموت والدمار، وانهارت منازلهم وأحلامهم وسبل عيشهم وأمانهم، لكنهم يقولون سنصمد ونقاوم.. هذه التعبيرات هي الأصدق والأعمق، والأحق بالبقاء والاستمرار.

 

ثقافة المقاومة هي حالة استنهاض إنساني تتوجه ضد كل اعتداء على الإنسانية؛ ضد الاحتلال والاستيطان.. ضد أنظمة التمييز أو الفصل العنصري.. ضد التغول والاستغلال الاقتصادي.. ضد اللأخلاقية والإباحية المهينة لكرامة الإنسان.. ضد اضطهاد الأطفال والنساء وسائر الضعفاء، وحرمانهم من الحياة الكريمة.

 

نقطة البدء والمآل في ثقافة المقاومة هي الإنسان الذي اصطفاه وكرمه الله، وأنطقه بالبيان، وعلمه الأسماء كلها، واستخلفه في الأرض، وأوحى إليه آياته وبيناته، وقدسه بالشرائع والشعائر، وكرس حرمته وحقوقه، وحرم ظلمه واضطهاده، وحرره بالتوحيد من كل طاغوت، وسخر له الكون كله.. بذلك تميز الإنسان عن باقي مخلوقات الله؛ فهو يفكر ويتأمل، ويتلقى من الله، ويتعرف عليه، ويتصل به، ويتقرب إليه، ويمتثل له، ويتفاعل معه.

 

فمن تعريف الإنسان نصل لمفاهيم ومضامين متعددة وغنية حول ثقافة ومهام المقاومة؛ فقد يكون دور ثقافة المقاومة هو وقف التدهور في بيئة الحياة الإنسانية بكل الأشكال، وهي قضية راهنة ومهمة عالميًّا، وقد تكون ثقافة ضد الظلم الاجتماعي، أو تكون مقاومة ضد التحلل الأخلاقي؛ انتصارًا لكرامة الإنسان، وما مقاومة الاحتلال والعدوان على الإنسان والأوطان إلا وجه واحد من وجوهها.

انشر عبر