شريط الأخبار

العقدة المخفية التي تحول دون نجاح حوار القاهرة ..هاني المصري

12:43 - 04 تشرين أول / أبريل 2009

ـ الأيام الفلسطينية 4/4/2009

استؤنفت، يوم الأربعاء الماضي في القاهرة، جولات الحوار، واقتصرت على وفدين من حركتي فتح وحماس، ثم علقت الاجتماعات الى ما بعد ثلاثة اسابيع جراء الفشل في تحقيق اختراق.

من أجل التعرف على حقيقة الوضع سأحاول أن أعرض في هذا المقال ما اعتبره العقدة المخفية الرئيسية التي حالت ويمكن أن تحول دون نجاح الحوار.

العقد المعلنة هي الشروط الدولية على أية حكومة فلسطينية قادمة، والخلافات حول برنامج الحكومة، والمرجعية التي ستقود منظمة التحرير خلال الفترة الانتقالية، وقانون الانتخابات، وكيفية توحيد وإصلاح الأجهزة الأمنية، وتوكيلات النواب المعتقلين.

النظرة التبسيطية لقضايا الخلاف يمكن أن تتسرع وتقول إنها خلافات على عدة كلمات مثل: "نحترم" أو "نلتزم" بالنسبة للاتفاقيات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل. أو حول اللجنة التي ستقوم بعملية إصلاح وتفعيل م.ت.ف وإعادة تشكيلها والتحضير لإجراء الانتخابات، وهل هي إطار مؤقت أم مرجعية مؤقتة؟ أو حول إعطاء كتلة التغيير والإصلاح شبكة أمان بدلا عن التوكيلات للنواب المعتقلين لكي تحتفظ بالأغلبية التي حصلت عليها في المجلس التشريعي.

أو أن تكون اللجنة الأمنية الفنية العليا التي ستشرف على إعادة بناء وإصلاح وتوحيد الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة من صلاحيات الرئيس أو الحكومة أو تشكل بالتوافق الوطني، وأين تبدأ عملها في غزة أولا، أو في غزة والضفة في وقت واحد.

اذا بحثنا وراء سطح الأشياء، وغصنا في الأعماق نجد أن العقدة الحقيقية تكمن في الصراع على من سيقود السلطة والمنظمة، ومن سيكون صاحب القرار الفلسطيني. فالمتغيرات التي شهدتها الخارطة السياسية الفلسطينية بعد غياب الزعيم ياسر عرفات وبعد نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية الأخيرة، وبعد الحسم العسكري (الانقلاب في غزة) أظهرت أن حركة فتح لم تعد صاحبة الأغلبية الكبيرة، والقائد دون منازع لـ م.ت.ف والحركة الوطنية الفلسطينية، وهذا أدى الى وجود رأسين لجسم واحد. فإما أن يستطيع أحدهما أن يحسم الموقف لصالحه بشكل أو بآخر عسكريا أو أمنيا أو بانتفاضة أو عبر صناديق الانتخابات . وإما أن يتفقا على شراكة وطنية تقوم على القواسم المشتركة والتوافق الوطني.

إن عدم الاعتراف بالمستجدات، أو اعتبارها تلغي بجرة قلم كل ما سبقها، ساهم مساهمة بارزة في حدوث الانقسام. ان اعتبار حركة حماس أن حصولها على الأغلبية لمرة واحدة يعطيها تفويضا بالقيادة للسلطة والمنظمة والحق بتغيير مرتكزات وأسس النظام السياسي كله، كما أن اعتبار حركة فتح أنها صاحبة الحق بالقيادة الى الابد يعقد الأمور ويجعل إمكانية الاتفاق صعبة جدا.

المخرج يمكن أن يكون:

أولا: من خلال اعتراف حركة فتح بأنها لم تعد قادرة وحدها على قيادة الفلسطينيين بل لديها شركاء، من ضمنهم شريك قوي حصل على الأغلبية في الانتخابات، وقوي لدرجة أنه استطاع أن يحسم الأمر لصالحه عسكريا في غزة.

ثانيا: من خلال اعتراف "حماس" بأنها فازت من خلال المشاركة في السلطة، وعليها احترام حقائق التاريخ الفلسطيني السابق لها ومرتكزات وأسس السلطة ومرجعيتها م.ت.ف، مع حقها بالعمل من أجل التغيير الذي تراه مناسبا، ولكن عبر اعتماد الطرق السياسية والديمقراطية والقانونية بعيدا عن العنف والإقصاء والتخوين والتكفير.

وإذا حصلت "حماس" مرة أخرى على الأغلبية، وخصوصا إذا حصلت عليها أكثر من مرة ثانية، فإنها تملك الحق بإجراء التغييرات التي تراها مناسبة.

في هذا السياق لا ينفع ولا يستقيم أن تطالب "حماس" بضرورة أن توافق أو تعترف أو تلتزم بالاتفاقيات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل، وبالالتزامات المترتبة عليها. فهذه الاتفاقيات والالتزامات لا تعترف بها فصائل وشخصيات وطنية تشارك في م.ت.ف. فالحق بالمشاركة في الانتخابات ليس مشروطا بالموافقة على اتفاق أوسلو وملحقاته، بل حق طبيعي لأي فلسطيني والاتفاقيات أكدته فقط. كما لم يطلب من "حماس" ولا من غيرها أن توافق سلفا على الاتفاقيات لكي تستطيع المشاركة في الانتخابات. كان هناك رأي يطالب بذلك ولكن لم يؤخذ به. والآن هناك رأي يطالب بذلك، وإذا أخذ به فهذا سيشكل ضربة قاصمة للديمقراطية الفلسطينية والتعددية التي تعتبر صمام الأمان ومصدر الاستمرارية والقوة والمناعة للقضية الفلسطينية.

لا ينفع ولا يستقيم أن ترفض "حماس" الاعتراف بالمنظمة ووحدانية تمثيلها وشرعيتها لأنها لا تشارك بها، بحيث تربط هذا الاعتراف بالمشاركة. إن المنظمة والاعتراف العربي والدولي بها وبشرعيتها ووحدانية تمثيلها هي الإنجاز التاريخي الرئيس للشعب الفلسطيني، والاعتراف به دون شرط ضروري جدا لكي يتوفر أساس للعمل المشترك، بما لا يتناقض بل يوجب ضرورة العمل من أجل إصلاحها وتطويرها وإعادة تشكيلها ووضع ميثاق وطني جديد لها وبرنامج سياسي قادر على حشد الشعب وتحقيق الأهداف الوطنية.

بدعة الفصل التام بين برنامج الحكومة وبرامج الأحزاب المشاركة فيها

سأقف أمام بدعة أن الالتزام بالاتفاقيات والالتزامات التي عقدتها والتزمت بها م.ت.ف مع إسرائيل لا يلزم الفصائل بل الحكومة فقط.

أولا: إن الحكومة القادمة ستكون إما مطعمة، أي مشكلة من فصائل وشخصيات وطنية مستقلة أو من شخصيات وطنية مستقلة، وهي ستحصل على الشرعية والثقة من المجلس التشريعي في كل الأحوال، أي من الكتل البرلمانية التي تمثل الفصائل وخصوصا حركتي فتح وحماس. ولن تستطيع حكومة أن تحصل على ثقة المجلس التشريعي دون أن تصوت لها كتلة التغيير والإصلاح كلها أو بعضها، وبالتالي ستكون مسؤولة عنها وموافقة على برنامجها شاءت أم أبت.

ثانيا: إن الحكومة الائتلافية تعبر عن القواسم المشتركة في برامج الأحزاب المشاركة فيها ولا يمكن أن يكون برنامجها متناقضا جوهريا مع برامج الأحزاب خصوصا الكبيرة المشكلة لها. وهنا إذا كان هناك تناقض بين برنامج حركة فتح وبرنامج الحكومات التي قادتها أو دعمتها، فهذه مشكلة لفتح عليها حلها. وهي من الأسباب التي أدت الى أزمتها الشاملة الراهنة. فـ"فتح" الآن دون برنامج. وعليها أن تجيب على سؤال: هل برنامجها برنامج حركة التحرر الوطني كما تنص على ذلك وثائقها وبياناتها وتصريحات قيادتها؟ أم برنامجها بناء سلطة تحت الاحتلال، سلطة تلتزم بالاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والإرهاب والتنسيق الأمني ووقف المقاومة واعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، والتقيد بكافة الالتزامات التي عقدتها المنظمة والسلطة مع إسرائيل.

ثالثا: عند الحديث عن الالتزامات التي عقدتها المنظمة، يجب التمييز بين تلك الالتزامات بشكل عام التي يجب احترامها والالتزام بها، وهي تتعلق بالثقافة والاقتصاد والاجتماع والقانون والحريات، وبين الالتزامات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل. فهذه الاتفاقيات والالتزامات الأخيرة لم تلتزم بها الحكومات الإسرائيلية السابقة وداستها بالأقدام، وأتت حكومة نتنياهو الثانية لكي تكمل القضاء عليها، فهي لا تحترمها ولا تلتزم بها، وهي تأتي لاستكمال تطبيق المشاريع التوسعية الاستيطانية والعنصرية والعدوانية.

رابعا: إن مبدأ التبادلية المتضمن في القانون الدولي، يعفي أي طرف من الالتزام باتفاقيات وقعها مع طرف آخر لا يلتزم بها، لذلك، يمكن للحكومة الفلسطينية القادمة مهما كان شكلها أن تكتفي بتأكيد انسجامها مع الشرعية الدولية والتزامها بالقانون الدولي، والتأكيد على أن مرجعيتها م.ت.ف. إن تأكيد الالتزام بالاتفاقيات والالتزامات مع إسرائيل رغم عدم التزامها بها، خصوصا بعد مجيء حكومة نتنياهو الحالية، يفتقر الى توفير متطلبات اتخاذ موقف قادر على الحفاظ على البرنامج الوطني والتفاوضي في حده الأدنى، هذا البرنامج الذي تآكل سقفه باستمرار منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الآن. لا يمكن دون إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، برنامج حركة التحرر، الذي يضع السلطة في خدمته ولا يضخم دورها على حساب المنظمة، النجاح في الحوار، ولا النجاح، وهذا هو الأهم في توحيد الشعب والمؤسسات المدنية والأمنية. يمكن الاتفاق على حكومة تكنوقراط (تكون شخشيخة) لا تملك من أمرها شيئا ولا تستطيع أن تنهي الانقسام بل تغطي على استمراره.

نحن بحاجة الى حكومة وحدة وطنية مطعمة، لأنها وحدها ستكون قادرة على إنجاز المهمات الصعبة، والتصدي للتحديات الجسيمة. بربكم ماذا ستفعل حكومة تكنوقراط دون مشاركة أو تمثيل الفصائل مع أجهزة "حماس" الأمنية في غزة. ومع الأجهزة التي بنيت على أساس الالتزامات الأمنية مع إسرائيل في الضفة، ومع عشرات آلاف الموظفين المفصولين أو المعينين أثناء فترة الانقسام!!

وإذا أردنا أن نخوض أكثر في أبعاد العقدة المخفية، سنجد أنها تعبر عن نفسها من خلال أن "فتح" تخشى من أن توقع اتفاقا يتضمن مشاركة "حماس" في السلطة في رام الله والمنظمة دون أن تضمن أن "حماس" مستعدة لمشاركة الآخرين في سلطتها في غزة. فسابقا قال قائد حمساوي: "غزة في اليد أفضل من عشرة عصافير في الضفة على الشجرة".

كما أن "حماس" تخشى أن تشاركها "فتح" والآخرون في سلطتها، دون أن تضمن أنها ستشارك في المنظمة مشاركة أساسية فورية وليست رمزية لحين إجراء الانتخابات للمجلس الوطني، وخصوصا أنها تدرك أن مسألة مشاركتها في السلطة في الضفة ليست في يد "فتح" ولا القيادة الفلسطينية لأن الضفة تحت الاحتلال، وإسرائيل هي اللاعب الرئيسي فيها.

تأسيسا على ما تقدم، إذا أردنا التوصل الى اتفاق حقيقي قادر على إنهاء الانقسام فعلا واستعادة الوحدة يجب:

أولا: الاستناد الى برنامج وطني واقعي عقلاني يجسد القواسم المشتركة وبوصلته مقاومة الاحتلال مقاومة ذات جدوى ومتفقا عليها ولها مرجعية واحدة، مقاومة تسعى لحل سياسي يستند وينسجم مع الشرعية الدولية، عبر النظر لها ككل متكامل وليس بشكل انتقائي.

ثانيا: الاتفاق على شراكة وطنية تضمن للجميع دورا وفق ما يستحق، وليس على أساس المحاصصة.

ثالثا: الحفاظ على الأسس الديمقراطية وتعميقها، وعلى إقامة نظام يخضع لسيادة القانون دون نسيان أن فلسطين تحت الاحتلال.

رابعا: توفير الضمانات الممكنة لقيام سلطة واحدة في الضفة وغزة، تضمن مشاركة الجميع خصوصا "فتح" في غزة، و"حماس" في الضفة.

خامسا: توفير ضمانات أكيدة لمشاركة "حماس" وغيرها من الفصائل التي لا تزال خارجها في المنظمة مشاركة أساسية حقيقية، خلال الفترة الانتقالية بما لا يمس مكانة وصلاحيات م.ت.ف.

إن ما سبق يعني بصراحة كاملة أنه دون وفاق وطني وشراكة وتعددية حقيقية لا يمكن تحقيق الوحدة. فالجميع يجب أن يخرج رابحا، أما إذا أصر كل طرف على إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر، فسلام على الوحدة، وسلام على فلسطين!!.

 

انشر عبر