سيف القدس وتحرير الأسرى من سجن جلبوع.. دلالاتٌ وعِبَر

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 01:53 م
15 سبتمبر 2021
محمد عباس

بقلم: الدكتو

يعتبر الصراع مع كيان الاحتلال تحدياً للوجود والبقاء العربي، يواجهه كل مناضل يؤمن أن أرضه وتاريخه ومستقبل أحفاده قد سلب منه بفعل أوروبي، وتآمر أممي يشرعن له ممارساته العدوانية، ويبرر له أفعال التهويد والاستيطان والقمع والإرهاب والاعتقال وفرض أحكام مؤبدة لمرات عديدة ضد الأسرى الفلسطينيين الذين واجهوا الجلاد وانتصروا عليه، وهنا يتجسد الصراع بين مدية وجسد ضحية وعين تواجه مخرزا كريها نجحت في هزيمته.

يمكننا تقييم عملية التحرير الذاتية من سجن جلبوع الإرهابي- حيث نجح ستة مقاومين في الإفلات من قبضة السجان، وكسر ساطور اعتاد أن يلتهم ضحاياه التي انتفضت في وجه الجلاد فحطمت ذراعه؛ ليكتشف أن كل ما يمتلكه من تقانة متطورة قد فشلت كلها أمام إصرار الإرادة الإنسانية في الانعتاق إلى الحرية- واعتبارها نجاحا لمقاومة استخدمت الأرض التي عشقت إرادة أبنائها، وباتت لينة طيعة لهم وهم يمارسون فعل الحفر لصنع أداة التحرير والتطهر من رجس الاحتلال، ويصنعون ثقباً في جدار الظلم ليعبر منه إلى نفق طويل حيث منارة الحرية، تنتقل بإرادة الشعب الفلسطيني لمحو حالة الظلام الذي أريد له أن يخيم في وعيه وفي اللا وعي بعد أن تعرض إلى تدجين وترويض وإعادة إنتاج الهوية لديه.

إن العملية تجسد قصوراً تقنياً وعجزا استخباراتياً وهزيمة علمية عسكرية في ضوء صراع الإرادات التي تعتبر جوهر الحرب ومضمونها ومحتواها، حيث الصراع جلي بين من يريد مصادرة الحرية والأرض وقتل الانسان بمواجهة الروح الوطنية الفلسطينية المقاومة الأسيرة التي تتوق للحرية وتمارس انتماءها لأرض ترفض الدخيل والمحتل الغازي، فخرجت إلى النور بعد صراع مع السجان وقضبان السجن وأقبيته الباردة.

روجت وسائل إعلام العدو وأدواته أنه جيش أسطوري لا يهزم وأنه يملك أعقد الأجهزة الأمنية، ومن أجل اختراق الوعي العربي فقد سوقته أجهزة إعلام ناطقة بالعربية على أنه قوة مطلقة، بل بات يشكل قضاء وقدراً في نظر هؤلاء، مما جعل مستوطنيه يعيشون في حلم خادع تغلفه ثقة مفرطة وقوة خلبية، ظهر عجزهاوأنها "أوهن من بيت العنكبوت"، حين بدأت من حرب تشرين 1973 مروراً ببوابة فاطمة حين كشف الزيف بفرار جنود الاحتلال من لبنان عام 2000، وشاهد العالم هشاشة مركبة الرب " ميركافا" تمزقها صواريخ المقاومة في حرب تموز 2006 وفضحت قدراتهم القتالية على أعتاب غزة المقدسة، وجنودهم يرفضون الذهاب إلى ميدان المعركة وقيادتهم ترتبك غير قادرة على اتخاذ القرار بزج قواتها البرية للدخول في معارك المشاة لحسم المعركة، بعد أن قام طيران الاحتلال بقصف المنازل والمدارس والمنشآت المدنية في غزة بحثاً عن منصات إطلاق "سيف القدس" التي زلزلت كيانه وعطلت شرايين الحياة في مستوطناته تبحث عن ملاجئ لم تعد تكفي لاحتواء أفراد الكيان فراراً من ضربات صاروخية فلسطينية دقيقة عالية التأثير والفعالية.

نجحت المقاومة في استخدام تكتيكات مناسبة أدت إلى فضح سوأة مقلاع داؤود وهزيمة منظومة حيتس وباتريوت وثاد وكسر عصاه السحرية، فتحطمت قبة قيل أنها فولاذية وثبت أنها لا قيمة عسكرية لها. بعد أن جرى الترويج لها وباتت عبئاً على من صنعها وفشلت عمليات تسويق أبهرت العالم وادهشته بإعلاناتها عبر الشبكة العنكبوتية ومعارض السلاح العالمية وفجأة خسرت الصراع في مواجهة حقيقية مع صواريخ المقاومة الفلسطينية بدائية الصنع مقارنة بصواريخ محور المقاومة الجاهزة للانطلاق في حينه.

تسارعت الأسئلة إلى وعي الصهاينة حول الوجود والمصير ومدى القدرة على البقاء في ظل تآكل الردع وامتلاك القدرات النارية الهائلة ووجود أسلحة التدمير الشامل- النوويةوالكيميائية والجرثومية والإيكولوجية - المحرمة دولياً وعجز القيادة الصهيونية عن اتخاذ قرار خوض الحرب؛ بسبب الخوف من وقوع الخسائر البشرية الناتج عن ضعف تدريب قوات الاحتياط وتراجع ثقة الجنود بقياداتهم وهشاشة الروح المعنوية حين بحث الصهاينة عن جواز سفرهم الثاني للهروب إلى جنسيتهم السابقة.

بنى العدو دفاعه الاستراتيجي مستنداً إلى امتلاكه تفوقا تقنياً وعلمياً عسكرياً ظن أنه لا يخترق، ففي خدمته تعمل كل مراكز البحث العلمي العالمية وتنتج له أفضل تقنيات المراقبة والاستشعار والاستطلاع والاستخبارات، وهو يوحي لنا أنها تزوده بصوت دبيب النمل إذا ما تحركت في موريتانيا أو في ماليزيا، وأنه يعرف كل ما يجري في مؤتمرات القمم العربية ويستمع إلى كافة محادثاتنا التي نجريها عبر وسائط تقنية وبرامج اتصالات مجانية متطورة يروجها لنا ويعرف ماذا نأكل في بيوتنا، ويخطط لنا نمط معيشتنا، معتقداً أنه قد استولى على اللاوعي لدينا لترسيخ فكرة "أن الكبار يموتون والصغار ينسون".

جعل العدو من فلسطين سجناً كبيراً، كما نقل الحرب إلى داخل دول المقاومة مستثمراً فصائل من المتوحشين أشباه الآدميين؛ كجيوش إرهابية تتعطش للدماء وتقتات على لحوم السوريين. تم تأهيلهم في مختبرات الموت في غوانتامو وتورا بورا ومعسكرات الاحتلال التركي، مما يفسر تردد الكيان في زج قواته البرية في معارك المواجهة مع رجال المقاومة، فهناك جيوش بديلة يتم استثمارها واستخدامها لكي تموت من أجل من صنعها ويدفع لها.

جاءت عملية التحرير الذاتي من سجن جلبوع ضربة قاصمة أخرى أصابت الكيان بالصدمة ووضعت قياداته أمام حالة الارتباك مما حدث، وكانت نتائجها صدمة قاسية، وضعت شبكات استخباراته في حالة الحيرة والخوف من التفاصيل فهي تبحث عن إجابات شافية لأسئلة كثيرة يطرحها المستوطنون على قياداتهم، كيف حدث ذلك؟ وهل فشلت كل وسائط المراقبة اللصيقة في زنازين السجناء ولم تعد قادرة على رؤية سلوكهم؟ أم أن جنود الكيان وحراس السجن مطمئنون أن السجين لا يفكر بالفرار وأنه من المستحيل الخروج من هذه الأقفاص الحديدية التي تعتبر فخر الصناعة الأمريكية الصهيونية وهي تضم كل خبرات الأجهزة البوليسية الإرهابية حول العالم؟.

نعم إنه الافراط في الثقة بالنفس، واستغباء السجين، وعقدة التفوق العنصري لدى الكيان. إنه فيلم سينمائي "هوليوودي" صنع ملحمته أسرى فلسطينيون عظماء وبإخراج فلسطيني صادق لكنه غير قابل للتصديق فالوعي والمنطق لا يستطيع أن يفكر بعمل استمر لأشهر طويلة، و ربما أكثر، قام به فريق من الاسرى بحثا عن الحرية، ولا يمكن تصديق أن هذا العمل قد تم بهذه السهولة والبساطة في ظل صراع الإرادات القائم بين الجلاد والضحية فهو انتصار رغبة البقاء وحب الحياة، إنها ولا شك حرب أدمغة وعقول تثبت أن إرادة العقل البشري يمكنها هزيمة التقانة الحديثة مهما بلغ تطورها.

بعد سلسلة الهزائم نما الكثير من الهلع والخوف على مستقبل الكيان، وبات ينتظر أن تطلع المقاومة في وجهه من البحر والنهر والأرض والهواء وربما من تفاصيل كيانه الهرم. ولن يكون قادرا على حماية نفسه وهو يواجه تآكل الردع لديه، وهشاشة جبهته الداخلية وتعرية سلوكه العنصري، وتصاعد أزماته الداخلية. لتضع أسئلة كثيرة تراود أذهان الباحثين حول طريقة التحرير غير أن كثيرا من الوقت والجهد سوف يستغرق لمعرفة تفاصيل العملية، التي ستبقى لغزا يصعب على العقل والوعي إدراكه، في ظل حقيقة واحدة مؤكدة هي أن الكيان يحمل بداخله بذور فنائه وكلما كبر حجمه اقترب زمن زواله من الوجود.