كيف أكدت "كتيبة جنين" على صوابية نهج حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين؟!

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 01:26 م
07 سبتمبر 2021
عرفات أبو زايد
الكاتب عرفات أبو زايد.jpg

عرفات عبدالله أبوزايد

7 أيلول - سبتمبر 2021م

لم يكن خيار تشكيل حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين نتاج حالة ترف فكري, أو تقليد للحالة السائدة في ذاك الوقت من خلال إنشاء أحزاب وحركات تكاد تكون نسخ كربونية من بعضها البعض في التوجه والأساليب, لذا جاء مؤسس الحركة الدكتور فتحي الشقاقي ليعيد تشكيل المرحلة بشكل غير مألوف, ربما في ذلك الحين كان الشقاقي يسبق أقرانه من قيادات الفصائل الأخرى بسنوات على مستوى الفكر والبصيرة التي كان يمتلكها, فهو جاء بصورة غير نمطية وبعيداً عن البيروقراطية الفجة, وهو الأمر الذي جعل البعض إما يهاجم هذه الحركة الوليدة لتوها, أو يسخر مما تنادي به وتؤمن به, وأكبر هذه الأمثلة التي مازالت حتى يومنا هذا هو محاولة السخرية من شعار الحركة الذي يتمسك بفكرة تحرير فلسطين من البحر إلى النهر, وهو الأمر الذي لم يقتنع به بقية الأحزاب والحركات الفلسطينية على اختلاف يمينها ويسارها بسبب عدم واقعيته حسب زعمهم, باستثناء هذه الحركة التي ما فتأت في كل مناسبة إلا وتؤكد على هذا المبدأ وتعتبره جزء من عقيدتها التي لا يمكن التخلي عنه مهما اعتقد الآخرين باستحالة تحقيق هذه النبوءة.
مارست حركة الجهاد الإسلامي عملها المسلح الهادف منذ انطلاقتها بطريقة غريبة تحتاج إلى تعمق في الدراسة والتحليل, وعلى الرغم أنني لست بصدد نقاش ذلك إلا أنه من المآخذ على الحركة أنها لم توثق الأحداث بطريقة تعطيها حقها الطبيعي, فهي حركة تميل للفعل أكثر من القول, على الرغم من أن هذه التجارب والنماذج مهمة للأجيال الحالية والقادمة التي يجب أن تقرأ تاريخ حركة الجهاد الإسلامي للاطلاع والتعرف على تجربة المقاوم الأصيل البعيد عن الإنتهازية والبراغماتية في التعاطي مع القضية الفلسطينية.
ومن النماذج المهمة للحركة في عملها المقاوم هو تركيز عملها المسلح منذ بداية نشأتها تجاه الجنود العسكريين فقط, وحتى العمليات الاستشهادية حاولت في غالبيتها التركيز على الأماكن والمركبات والحافلات التي تختص بالجنود العسكريين الذين يرتدوا البزة العسكرية الصهيونية, وهذا له الكثير من الاعتبارات.
عمدت حركة الجهاد الإسلامي خلال سنوات الصراع مع الاحتلال على أن تنأى بنفسها عن أي تجاذبات داخلية وذهبت تجاه ما أسمته "البوصلة الصحيحة للسلاح" وهي أن تكون وجهة السلاح فقط تجاه العدو, وهو الأمر الذي جعلها حركة ذات مصداقية وثقة لدى المجتمع الفلسطيني, وبسبب هذه الرؤية الدقيقة للحركة, استطاعت أن تمارس دورها المقاوم دون أي محاذير تتعلق بحسابات الربح والخسارة, لذا في كل الأوقات التي وصلت بها القضية الفلسطينية لمرحلة السكون الشبيهة بالاستسلام والخنوع  كانت حركة الجهاد الإسلامي تخرج لتؤكد بأن هذه القضية لازالت حية, وهو ما حدث ليلة السابع عشر من مايو - أيار 1987 عندما تمكنت خلية الجهاد الاسلامي بقيادة الشهيد مصباح الصوري من الهروب من سجن غزة المركزي المحصن بأحدث الإمكانات الصهيونية, فقد اعتبر الاعلام الصهيوني في حينه أن هذه الخلية المسؤولة عن الهروب الكبير من سجن غزة المركزي هي أخطر خلية واجهت المخابرات الإسرائيلية منذ عام 1967, وهذا الهروب جاء في توقيت وصلت به القضية الفلسطينية إلى مرحلة عميقة من الضياع والترهل, فجاءت هذه العملية لكي تكون شرارة الانطلاق للانتفاضة الأولى.
لم تتوقف هذه المجموعة عند هذا الحد, في 25 أيار/مايو 1987 استطاع مصباح الصوري قتل ضابط المخابرات الإسرائيلي غاليلي غروسي شرق الشجاعية بعد محاولة لأسره، في 2 آب/أغسطس 1987 وفي وضح النهار بقلب شارع الوحدة الرئيسي بمدينة غزة، قرب موقف سيارات جباليا ترجل سامي خليل أحد أبطال المجموعة وأطلق النار بشكل مباشر على قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية في غزة مسؤول معتقل أنصار 2 سيئ السمعة العقيد "رون طال" وأرداه قتيلًا، وقد شكلت العملية حالة من صدمة في الأوساط العسكرية الصهيونية.
استطاعت حركة الجهاد الإسلامي أن تكون مختلفة تماماً عن كافة أقرانها من الفصائل الأخرى, فعندما شعر الفلسطيني بالذل والتيه مع عملية السور الواقي التي أطلقها رئيس الوزراء الصهيوني شارون في العام 2002 وعلى إثرها تم احتلال مناطق الضفة ومحاصرة الرئيس عرفات في مقر المقاطعة في رام الله , كانت حركة الجهاد الإسلامي تزرع الأمل في نفوس شعبنا من خلال معركة مخيم جنين ذاك المخيم الصغير جداً في مساحته ولكنه شكل مخزون استراتيجي هام للمقاومة الفلسطينية, فكان الشهيد محمود طوالبة قائد معركة جنين على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقه وهي مسؤولية زرع الوعي في عقول شعبنا بأن الإيمان بالقضية يحقق المعجزات.
لم تتوقف هذه الحركة الصادقة في نبوءتها عند هذا الحد, فقد ازدادت عنفواناً وإصرارً تجاه ماتؤمن به, وتمثل ذلك عقب انخراط كافة الفصائل الفلسطينية بالعملية السياسية في العام 2006 والتي كانت عبارة عن إدخال شعبنا ومقاومته في ملهاة تسمى نظام سياسي فلسطيني, كانت الحركة في حينها تواصل عملياتها الاستشهادية والمسلحة بالضفة والداخل المحتل, وإطلاق الصواريخ من غزة ومهاجمة مواقع العدو العسكرية الذي لتوه أعلن إعادة الانتشار والانسحاب أحادي الجانب, ولم يغيب شباب الإيمان والوعي والثورة عن المشهد, فقد فجر الشهيد مهند حلبي أحد قادة الحركة الطلابية لحركة الجهاد الإسلامي في الضفة المحتلة, فقد فجر انتفاضة القدس التي جاءت في سياق مرحلة كانت أشبه بكابوس يلاحق أهلنا في القدس والضفة عبر قطعان المستوطنين, وحتى وصلنا إلى مرحلة حساسة من تاريخ شعبنا وهي محاولة تحويل قضيتنا من قضية سياسية إلى قضية إنسانية, وبدأت تظهر حالة انعدام ثقة المجتمع بالفصائل الفلسطينية, حتى جاء الشهيد بهاء أبوالعطا وملحمية الساعة التاسعة التي أحدثت تفاعل بين حركة الجهاد الإسلامي وأبناء شعبنا عندما وضع شعبنا الثقة الكاملة في قيادة الحركة بأنها السيف والدرع له أمام تغول الاحتلال ضد الشباب العُزل الذي يتوجهوا للمناطق الحدودية خلال مسيرات العودة, وفي هذه المرحلة استطاعت حركة الجهاد الإسلامي أن تعيد للقضية الفلسطينية بريقها وأهميتها عبر إبقاء مشاغلة العدو كأساس لاستنزاف جنود الاحتلال ومستوطنيه, وأسست لمعادلة الرد السريع واللحظي على أي اختراق صهيوني.
ومسك الختام هو ما قامت به "كتيبة جنين" وهو المصطلح الذي أطلقه الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الأستاذ زياد النخالة, والذي أعتقد أن هذه التسمية ليست مجرد مصطلح يمر مرور الكرام, ولكن له ما بعده, فنحن نتحدث عن جنين التي تواصل منذ بضع شهور عمليات اشتباك يومي مع قوات الاحتلال والمستعربين, وذلك عبر كوادر سرايا القدس والمقاومة داخل مدينة جنين ومخيمها, وهو يعني أن الحركة سعت طوال الفترة الماضية على إعادة هيكلة وترتيب صفوفها داخل جنين لكي تكون بداية الانطلاق لكل أراضِ الضفة المحتلة, وقد اتضح ذلك مؤخراً من خلال بعض التصريحات العسكرية لسرايا القدس داخل جنين أو المشاهد العسكرية لكوادر سرايا القدس في بعض المناسبات الوطنية.
مجاهدي كتيبة جنين داخل سجن جلبوع استطاعوا أن يؤكدوا على صدق وصوابية نهج حركة الجهاد الإسلامي, النهج الأصيل الذي لا ينكسر ولا ييأس, فالاحتلال الذي يراوغ في ملف الأسرى طوال السنوات الماضية ويحاول اللعب على الجانب النفسي للأسرى وتدمير عزائمهم, فكان ثُلة من أبطال الجهاد الإسلامي كما يبدو لم يلتفتوا كثيراً للأخبار المتواترة والمتناقضة عن ملف التبادل فأخذوا قراراهم بذاتهم دون انتظار تصريح موافقة من العدو أن يشملهم قرار الافراج, فكانت كتيبة جنين في صراع أدمغة مع منظومة متكاملة يمتلكها الاحتلال منظومة أمنية وتكنولوجية وعسكرية, فكانت تعلم يقيناً بأنها ستنجح, فحاولت مرة واثنان وفي الثالثة نجحت, ولم تصب بالإحباط أو اليأس, أو التعويل على مستقبل مجهول, فكان لها ما أرادت , فأظهرت فشل منظومة الاحتلال أمام عقيدة تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية.
حركة الجهاد الإسلامي التي تؤمن بفكرة تحرير فلسطين من البحر إلى النهر, هي ذاتها التي تمكن كوادرها من اختراق أكثر السجون الصهيونية تحصيناً, بحيث لم يكن أحد على وجه الأرض يمكن أن يصدق بحدوث هكذا أمر إلا بأفلام هوليود, وكذلك هو الحال بالنسبة لتحرير فلسطين كاملة, إن كان لا يزال أحداً ما يعيب أو يسخر من تمسك الحركة بهذا المبدأ ويعتبره مجرد خيال وأحلام وردية, عليه أن يراجع حساباته بأنه أمام حركة تملك الكثير والكثير من رأس المال البشري والفكري القادر على خلق أفكار إبداعية للتحرير لا يمكن لها أن تخطر على قلب بشر.