شريط الأخبار

علو وانحطاط مثال "دولتين لشعبين"* ..بقلم: افرايم عنبار**

11:36 - 02 تشرين أول / أبريل 2009

مقدمة:

        نما النزاع العربي - اليهودي، او الاسرائيلي – الفلسطيني في ارض اسرائيل في خلال مئة السنة الاخيرة. اكثر المحاولات اليوم لحل النزاع العرقي الفوار هذا تقوم على نحو ما، على مثال "دولتين لشعبين". هذه النظرية المقبولة تقول بتقسيم ارض اسرائيل، كما كانت تحت سلطة البريطانيين (1917 – 1948)، الى دولة يهودية ودولة عربية، تقومان بسلام بعضهما الى جانب بعض. لهذا المثال شجرة نسب ذات عمر مديد وهو ذو شعبية في دوائر جامعية وسياسية معاصرة؛ لم يكن الحل القائم على اقامة دولتين دائما بمنزلة خيار سياسي ذي صلة في جدول العمل الدولي. تبدأ هذه المقالة باستعراض جماع العوامل الداخلية والدولية التي افضت الى ظهور هذا المثال، وتنتقل الى تحليل وضعه الحالي. لسوء الحظ، ليس معقولا ان نرى في المستقبل القريب سلاما مستقرا يقوم على هذا المثال، وذلك لسببين هما: ان الحركتين القوميتين – الفلسطينية والصهيونية – غير قريبتين من مصالحة تاريخية، وان الفلسطينيين غير قادرين على بناء دولة. في الجزء الاخير من المقالة نفحص عن الخيارات السياسية المختلفة التي تقف اليوم امام متخذي القرارات المشغولين بالنزاع. الخيار الذي تفضله الجماعة الدولية هو بناء دولة، لكن ليس من المعقول ان ينجح هذا الخيار. والخيار الاخر الذي هو دولة ثنائية القومية ذات اجهزة سياسية تمكن من تعايش سلمي بين اليهود والعرب ليس من المستطاع. ان التوجه الاقليمي، الذي يقول بزيادة مشاركة الدول العربية في الشؤون الفلسطينية، يقتضي مشاركة مصر والاردن، واحتمالات ان يفضي الى استقرار الوضع اعلى من احتمالات الخيارت السابقة التي ذكرت. وفي الختام، مع عدم حل، يبدو ان السياسة الاشد واقعية هي ادارة مراقبة للنزاع في اطار الوضع الراهن.

تاريخ الفكرة

        كانت المرحلة الاولى من النزاع الاسرائيلي – العربي (1917 – 1948)، صراعا بين مجموعتين عرقيتين مختلفتين تصطرعان على قطعة الارض نفسها. حاولت كل مجموعة ان تنشىء اجهزتها السياسية وان توسع المنطقة التي كانت في حوزتها. في اثناء هذه المدة اظهرت الدول العربية مشاركة ضئيلة فقط فيما يحدث. بالرغم من التركيز المنخفض الذي يميز على نحو عام النزاعات بين المجموعات، بدأ الصراع بين المجموعتين يحدث صدى اخذ في الازدياد، جعل البريطانيين اقل صبرا. ازاء تدهور الوضع في فلسطين عينت حكومة بريطانية في آب 1936، لجنة ملكية يرأسها وليم روبرت بيل، تحقق في الوضع وتوصي بسياسة. في تموز 1937 اوصت لجنة بيل بتقسيم البلاد بين اليهود والعرب الى دولتين غير متساويتين في مساحتهما، وبنقل سكان. وكانت الحكمة من وراء ذلك هي انه اذا لم تكن المجموعتان العرقيتان غير قادرتين على العيش معا، فان الحل الافضل هو الفصل. اثيرت فكرة التقسيم بعد عدة سنين ايضا في السياق الهندي، بأمل حل التوترات السياسية التي زادت في شبه القارة.

        رفض العرب في فلسطين اقتراح لجنة بيل لانهم كفروا بحق اليهود في بناء كيان سياسي يهودي. بعد ذلك بعشر سنين، في سنة 1947، اقترح اقتراح تقسيم اخر، اقترحته هذه المرة لجنة استدعتها الامم المتحدة. ومرة اخرى رفض عرب فلسطين الاقتراح، ومعهم زعماء الدول العربية المجاورة، لانهم لم يستطيعوا تحمل اقامة دولة يهودية. بيد ان حكومة بريطانيا قررت هذه المرة ان تنهي وجودها في المنطقة، واحدثت فراغا سياسيا. في ايار 1948 اعلنت الجماعة اليهودية نفسها دولة، وانتهت في الواقع مرحلة النزاع بين المجموعات.

        كانت المرحلة الثانية من النزاع في اساسها بين دول، وبدأت مع اقامة دولة اسرائيل، حينما هاجم الجيوش الدول العربية المجاورة الكيان الجديد الذي نشأ في المنطقة. في نهاية الامر افضت حرب 1948 الى تقسيم ارض اسرائيل فعليا، على نحو عبر عن علاقات القوى بين الطرفين. سيطرت اسرائيل على 78 في المائة من الارض واخذت الجيوش العربية الغازية ما بقي. حكم الاردنيون ما يسمى الضفة الغربية، وسيطر المصريون على غزة، اما السوريون فسيطروا على اجزاء من الارض في الشمال. لم تقم مصر والاردن اللتان حكمتا الفلسطينيين بين السنين 1948 – 1967، بأي محاولة لانشاء دولة فلسطينية، ولم يستعمل عليهما اي ضغط في المسألة، لا من الداخل ولا من الخارج. فالدولة الفلسطينية لم تنشأ قط، والقومية الفلسطينية في الاربعينيات من القرن العشرين كانت ضعيفة. عندما ضم الاردن الضفة الغربية في سنة 1949، اصبح سكان الضفة مواطنين اردنيين. اما مصر بمقابلة ذلك، فاختارت ان تنشىء في غزة نظاما عسكريا.

        في اثناء مدة النزاع بين الدول، بين السنين 1948 – 1967، تولى فيه الفلسطينيون دورا محدودا فقط، وبرز مثال الدولتين بعدم وجوده في جدول العمل الدولي؛ كان التوجه المأخوذ به ان النزاع بين الدول العربية والدولة اليهودية "غير الشرعية". وكانت العلاقات بين دولة اسرائيل وجاراتها مليئة باعمال العنف، وفيها حربان بين دول بمقدار كبير، في تشرين الاول 1956 وفي حزيران 1967. تناول القرار 242 عن مجلس الامن، الذي اتخذ في تشرين الثاني 1967، نتائج حرب الايام الستة واصبح احد الوثائق الرئيسة المرجوع اليها في كل محاولات اقرار السلام التي اتت بعد ذلك. لا يشتمل القرار على اي ذكر للفلسطينيين بل على دعوة الى حل مشكلة اللاجئين فقط. رئي الفلسطينيون انذاك مشكلة انسانية، لا مجموعة عرقية ذات حقوق سياسية جماعية تستحق دولة مستقلة تخصها. في اثناء هذه المرحلة من النزاع وبعدها اصبحت المشكلة الفلسطينية، التي كانت دائما اداة لعب في السياسة العربية العامة، تخضع لمصالح الدول العربية.

        في اثناء المرحلة الثالثة، بين حرب الايام الستة (حزيران 1967) واتفاق اوسلو في ايلول 1993، حظي النزاع بابعاد دولية وجماعية معا. في اثناء هذه الفترة حدثت عدة مصادمات عسكرية بين الدول، مثل حرب الاستنزاف على امتداد قناة السويس (1969 – 1970 ) وحرب يوم الغفران (تشرين الاول 1973)، على الجبهة المصرية والجبهة السورية. وفي حرب لبنان الاولى في سنة 1982 كانت مصادمات بين قوات اسرائيلية وسورية، لكن شارك في القتال ايضا عصابات مسلحة فلسطينية، اكدت البعد العرقي للنزاع. ينبغي ان نذكر ان قوة البعد بين الدول خف بعد ان وقعت مصر، اقوى واهم الدول العربية، في اذار 1977 على اتفاق سلام مع اسرائيل. ان مغادرة مصر لصفوف التحالف العسكري العربي في منتصف السبعينيات افضى الى انخفاض عام لاستعمال قوة تقليدية كبيرة. فبعد 1982 لم توجد حروب على قدر كبير بين اسرائيل وجاراتها. في سنة 1991 تلقت اسرائيل هجمات صواريخ من العراق، لم ترد عليها اسرائيل بأي رد عسكري.

        في موازاة هذه التطورات بدأت جوانب النزاع العرقية تحتل مكانا اهم، حينما انتقل الفلسطينيون في الضفة الغربية وفي غزة للعيش تحت سلطة اسرائيل. حاولت اسرائيل من الفور بعد حرب الايام الستة محاورة القيادة الفلسطينية محاولة ان تجد خيارا فلسطينيا لحل النزاع. رفض الوجهاء الفلسطينيون لاسباب كثيرة ومختلفة ان يتحملوا تبعة عقد صفقة مع اسرائيل. والى ذلك ذكر القادة الفلسطينيون انهم مواطنون اردنيون وان العائلة الهاشمية ما زالت عظيمة التأثير في الضفة الغربية. في نهاية الامر تبنت اسرائيل "تحولا اردنيا"، اي استمرار المحاولات لتوصل الى خطة تقسيم جديدة مع المملكة الهاشمية، التي كان لها عدو مشترك هي واسرائيل هو الحركة القومية الفلسطينية. لكن ازدياد الحركة القومية الفلسطينية تأسسا اضعف دعوى الاردن انه يمثل الفلسطينيين، وكذلك صدق التوجه الاسرائيلي – الاردني. افضت هذه التطورات الى جعل النزاع فلسطينيا، أي ان الفلسطينيين اصبحوا تهديدا سياسيا لاسرائيل يزداد، وقضية سياسية ذات حضور عام أعلى. بعقب ذلك اثير مرة اخرى في جدول العمل العام مثال الدولتين للشعبين؛ عملت في هذا التغيير عوامل كثيرة ومختلفة.

        أولا ينبغي أن نذكر أن صياغة الهوية الفلسطينية التي تمت خاصة تحت حكم اسرائيل، وهي منسوبة الى حقيقة ان الفلسطينيين لم يعودوا تحت حكم عربي بل تحت حكم اليهود، الذين كانوا مخالفين لهم من جهة عرقية ودينية. في هذه الفترة حظيت منظمة التحرير الفلسطينية باعتراف دولي، في 1974 اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية في القمة العربية في القاهرة انها "الممثل الوحيد" للفلسطينيين، بل حظيت بمكانة مراقب في الامم المتحدة. فضلا عن ذلك اعترفت اتفاقات كامب ديفيد في سنة 1978 بين اسرائيل ومصر بـ "حقوق الفلسطينيين المشروعة" واقترحت إمكان حكم ذاتي للعرب الذين يسكنون الضفة الغربية وغزة؛ وبهذا انشأت صلة بين المنطقتين، اللتين عدتا سنين طويلة مناطق منفصلة بعضها عن بعض، وجعلتها في واقع الامر كيانا سياسيا واحدا. كان الحكم الذاتي الذي اقترحته حكومة الليكود على الفلسطينيين يرمي الى منع اقامة دولة فلسطينية، لكن كثيرين (حتى في اسرائيل) رأوه كيانا فلسطينيا جنينيا. اخذ تأييد مثال الدولتين للشعبين يزداد قوة عندما بدأت الجماعة الدولية ترى منظمة التحرير الفلسطينية حركة تحرير تستحق اقامة دولة لها. على اية حال رفض الفلسطينيون الحكم الذاتي – وتبين بعد ذلك ان هذا كان خطأ سياسيا فظا آخر من قبلهم، لان المناطق اشتملت في ذلك الحين على عشرين الف مستوطن فقط - لانهم كانوا ما يزالون يعارضون وجود دولة يهودية.

        ثانيا، حظي نضال الفلسطينيين بتأييد دولي آخر بعد نشوب الانتفاضة في كانون الاول 1987. اكدت الانتفاضة حقيقة ان الفلسطينيين كانوا خاضعين لاحتلال – تسوية سياسية اصبحت بالتدريج غير سليمة سياسيا. كذلك اصبحت الانتفاضة دليلا على أن النزاع الاسرائيلي – العربي لم يعد نزاعا عسكريا على قدر كبير، بل نزاعا "بتركيز منخفض"، لا تستعمل فيه اسلحة "دولة" مثل الطائرات او الدبابات.

        ثالثا، أتت الانتفاضة الى مقدمة الحركة الوطنية الفلسطينية بزعامة جديدة من الفلسطينيين الذين حاربوا الاحتلال الاسرائيلي من داخل المناطق نفسها. بالرغم من أن هؤلاء الفلسطينيين اعترفوا نحو الخارج بسلطة منظمة التحرير الفلسطينية، فانهم ظنوا انهم بفضل معرفتهم القريبة للعدو الاسرائيلي يستطيعون ان يصوغوا على نحو افضل الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية. منح نشاطهم الحركة القومية الفلسطينية بعدا اكثر واقعية وتحديدا، في كل ما يتصل بفهم الامور التي يمكن احرازها، وكذلك منحها احساسا بتعج ما لكل ما يتصل بمواجهة مشكلات فلسطينية. افضى تيار المستوطنين الاسرائيليين الذي ازداد في المناطق بعد 1977 الى ادراك أن الزمن لا يعمل بالضرورة في مصلحة الفلسطينيين. أيد أناس "منظمة التحرير الفلسطينية في الداخل" قبول حدود 1967 ودخول تفاوض في انسحاب من المناطق المحتلة. كان لهم تأثير حاسم في تحويل منظمة التحرير الفلسطينية عن برنامجها الاصلي، الذي رفض حق اسرائيل في الوجود، الى برناج تبنى صيغة دولتين للشعبين. في تشرين الثاني 1988 قبلت منظمة التحرير الفلسطينية خطة تقسيم الامم المتحدة في سنة 1947 (القرار 181). كان في هذا الموقف شيء من الاشارة الى ان الحركة القومية الفلسطينية من المحتمل أن تصبح "شريكا" في التقسيم والسلام مع الاسرائيليين.

        بمقابلة هذه التطورات طرأ تغير على موقف الاسرائيليين من الفلسطينيين: فقد اصبح يوجد وعي اكبر لمطامحهم السياسية، واستعداد أكبر لقبولها. ان معارضة النخبة الاسرائيلية لاقامة دولة فلسطينية اخذت تضعف، وحل محل التفضيل الاسرائيلي المقبول – صفقة مع الاردن الهاشم – بالتدريج تفضيل جديد للخيار الفلسطيني. كان الاعلان الاردني في شهر تموز 1988، الذي تنازل به الاردن عن كل مطالبه في الضفة الغربية، اشارة واضحة الى تحفظ الاردن الرسمي من تمثيل القضية الفلسطينية. زاد هذا الاعلان اضعاف التفضيل الاسرائيلي السابق للبحث عن شريك اردني.

        الان رأى اسرائيليون اكثر مزايا حركة قومية فلسطينية تقودها منظمة التحرير الفلسطينية. في نهاية الامر اقتنع اسحق رابين، وكان من مؤيدي الخيار الاردني، بان منظمة التحرير الفلسطينية ناضجة لصفقة؛ وافضى تغيير مواقف رابين الى اتفاق اوسلو في ايلول 1993، الذي قوى في ظاهر الامر تصور رابين للشكل الذي تنبغي عليه مواجهة النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني.  تم التعبير في الاتفاق، الذي وقع على اعشاب البيت الابيض، عن توجه تدريجي، خطوة بعد خطوة، ترك لمرحلة متأخرة بعد قرارات تتصل بقضايا صعبة مثل نوعية الكيان الفلسطيني وحدوده. تركت موضوعات الامن العام في يد اسرائيل، وكانت القدس خارج مجال السيطرة الفلسطينية.

        أتى الاتفاق معه بالمرحلة الرابعة من النزاع (1993 – 2000). رأى رابين – ورأى اكثر الاسرائيليين – اتفاق اوسلو في جوهر الامر بدء عملية "الانفصال" من الفلسطينيين، أي التقسيم. كان يبدو أن المشكلة الخالدة التي هي وجدان شريك للتقسيم قد حلت، واعطيت منظمة التحرير الفلسطينية هذا الدور. رأى رابين ههنا في الاساس مبادلة المناطق بالامن، في حين أن شمعون بيرس ويوسي بيلين، مهندسي مسيرة اوسلو، طورا فكرا تتصل بالتعايش السلمي بل بالاندماج السلمي في المنطقة كلها. واثير مرة اخرى حل الدولتين على نحو يشبه ترياقا سحريا، وتمت محاولات لتطبيق المثال. ينبغي أن نذكر أن البعد بين الدول للنزاع الاسرائيلي – العربي ضعف اكثر بعد اتفاق السلام في 1994 مع الاردن، الذي هو الدولة العربية ذات اطول الحدود مع اسرائيل. فضلا عن ذلك، بعقب مؤتمر مدريد (تشرين الاول 1991) واتفاق اوسلو، ضعف احجام العالم العربي عن الاتصالات باسرائيل، ولا سيما في الخليج العربي وشمالي افريقيا.

        كان يفترض ان تسيطر السلطة الفلسطينية، التي انشئت في 1994 وسيطرت عليها "منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج"، على المناطق التي ستخليها قوات الجيش الاسرائيلي. كانت مهمة "شبه الدولة" ان تحقق مطامح الفلسطينيين الوطنية، وان تقر القانون والنظام وان تمنع النشاط الارهابي المعادي لاسرائيل. من اجل ذلك سمح للسلطة الفلسطينية أن تقيم قوة شرطية قوية، وسمح لوحدات عسكرية فلسطينية كثيرة كانت في الجالية الفلسطينية ان تدخل مناطق السلطة؛ واسرائيل هي التي اعطت البنادق. في نهاية الامر كان يفترض أن تدخل السلطة الفلسطينية في مفاوضة اسرائيل في اتفاقات دائمة، وان تفضي الى انهاء النزاع التاريخي بين الحركتين القوميتين. بيد أن هذه المسيرة السلمية المخططة كانت مليئة بالمشكلات. وكانت آخر محاولة لانقاذها في قمة كامب ديفيد في تموز 2000 التي انتهت هي ايضا الى اخفاق. بعد ذلك بدأت في ايلول 2000 حملة عنف فلسطينية سماها الفلسطينيون "الانتفاضة الثانية".

        رمزت الانتفاضة الثانية الى بدء المرحلة الخامسة من النزاع التي ما تزال نهايتها غير مرئية. تتميز هذه المرحلة بعدة اتجاهات متناقضة. فمن جهة ما تزال حكومة اسرائيل والسلطة الفلسطينية تتمسكان من جهة رسمية بمثال دولتين للشعبين، بتأييد من الجماعة الدولية. عاد هذا الاجماع الدولي وقوي مرة اخرى في تشرين الاول 2001 عندما دعا رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش في اول مرة الى اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية. في اذار 2002 اجازت الولايات المتحدة قرار مجلس الامن رقم 1397 الذي دعا بصراحة الى اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل (هي الاولى منذ خطة التقسيم الاصلية في 1947). في تشرين الثاني 2007 احيت الولايات المتحدة من جديد المفاوضة الاسرائيلية – الفلسطينية في موضوعات الخلاف الجوهرية (مسيرة انابوليس) مؤملة التوصل الى اتفاق عام يطبق في زمن مناسب في المستقبل ("اتفاق رف").

        من جهة اخرى صيغت بنية اعمال عنف متقاربة لكن بدرجة تركيز منخفضة بين اسرائيل والفلسطينيين. اصبح العنف الفلسطيني بالتدريج اقل مركزية، عندما انضمت منظمات اخرى الى حملة الارهاب الموجه الى اسرائيل.

        بمقابلة ذلك انخفضت أسهم فتح، الحزب المسيطر في السلطة الفلسطينية، بسبب الفساد والادارة المختلة ونشأ مكان خصب لازدياد شعبية حركة حماس الاسلامية المتطرفة، التي تعارض بقوة مجرد وجود دولة يهودية. نجحت حماس في ملء الفراغ الذي خلفته حكومة السلطة الفلسطينية الفاشلة، بتطوير نظام خدمة للسكان وعرض صورة قيادة نزيهة تبذل ذاتها لاحتياجات الشعب. فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية في كانون الثاني 2006، وسيطرت في حزيران 2007 بالقوة على غزة، مستغلة أزمة سياسية للسلطة الفلسطينية. ان ارتفاع حماس في السياسة الفلسطينية قلل بقدر ملحوظ امكان ان يوجد "شريك" مناسب في السلام وترك البحث الدائم عن شريك في تقسيم البلاد على حاله.

        فشل مثال "دولتين للشعبين"

        أفضى البحث عن حل للنزاع العرقي في أرض اسرائيل الى توصية بالتقسيم وباقامة دولتين. سيطر هذا التفكير في المرحلة الاولى من النزاع (قبل 1948) وبعد 1993 أيضا. لكن مثال الدولتين للشعبين يفترض فرضين رئيسين لم يتحقق أي منهما. الفرض الاول هو ان مصالحة تاريخية بين الحركة القومية الفلسطينية وبين الحركة القومية الصهيونية هو في متناول اليد (وان الدولة الفلسطينية المفترض ستعيش بسلام الى جانب اسرائيل). ويقول الفرض الثاني ان الحركة القومية الفلسطينية اذا اعطيت فرصة لان تبني دولة لنفسها فانها ستختار تحقيق هذه الهدف. يتبين بوضوح مما سنقول بعد ان الفرضين هذين لا يجاريان الواقع السياسي الحالي.

        ان مواقف اللاعبين من الموضوعات الجوهرية – القدس واللاجئين والحدود – بعيدة جدا ببساطة بعضها من بعض، ويبدو أن التقريب بين المواقف غير ممكن. ليس معقولا افتراض ان حكومة في اسرائيل كانت تستطيع الثبات لمحاولة تحقيق "مخطط كلينتون في سنة 2000 الذي اشتمل على تقسيم القدس. وربما ما كان ممكنا في سنة 2000 لم يعد بمنزلة خيار ممكن في السياسة الاسرائيلية اليوم. فقد ازدادت مواقف اسرائيل تشددا بعد نشوب الانتفاضة الثانية؛ وعظم تصور التهديد على نحو سبب انخفاضا كبيرا للتأييد الاسرائيلي لتنازلات للفلسطينيين. بعد سنة 2000 كف اكثر الاسرائيليين عن الايمان بان السلطة الفلسطينية قادرة على جلب السلام. يعارض اكثر من ثلثي مجموع اليهود في اسرائيل التنازل عن السيادة على جبل الهيكل، اقدس موقع لليهود. ولا يؤمن اكثر من 60 في المائة من مجموع اليهود بان التنازلات في القدس ستنهي الارهاب الفلسطيني او تردع مطالب فلسطينية اخرى. عندما يكون الاحساس بالتهديد عاليا الى هذا الحد، فليس من المعقول ان يكون من الممكن جلب استقرار بتقسيم مناطق مدنية، فضلا عن ان يكون ذلك لعاصمة عظيمة الخلافات الى هذا الحد.

        ان ايهود باراك، رئيس الحكومة الاسرائيلية الذي بالغ في محاولة الاستجابة لمطالب الفلسطينيين في قمة كامب ديفيد في سنة 2000، هو الذي ابتدع تعبير "لا يوجد شريك" ، بتناوله لتشدد الموقف الفلسطيني. امن اكثر الاسرائيليين لذلك وشكوا في قدرة اي تفاوض على التقريب بين المواقف. وعلى ذلك، ومع عدم شريك في السلام اصبح التصرف الاحادي الخيار المفضل. وهذا هو سبب شعبية بناء جدار الفصل والانسحاب من طرف واحد من غزة في 2005. كان الوعد بتنفيذ انسحابات اخرى من طرف واحد عنصرا رئيسا في نجاح حزب كاديما في انتخابات سنة 2006. فقد كان السلوك الاحادي تعبيرا عن تنبه في المسيرة السلمية. الفهم المتنبه لانه لا يوجد في الجانب الفلسطيني شريك مستعد للتوصل الى مصالحة تاريخية مع الحركة الصهيونية، ولا حتى عوض تنازلات مؤلمة من قبل اسرائيل.

        لم يلن الفلسطينيون ايضا بقدر كاف للتمكين من مصالحة. يصعب والعالم الاسلامي كله من ورائهم ان يخطر في بالنا ان يمنح الفلسطينيون اليهود الحق في ان يحكموا ما يسمونه "الحرم الشريف". يشغل الفلسطينيون اليوم انفسهم بحملة كثيفة لدحض علاقة اليهود التاريخية بجبل الهيكل. ويبدو الى ذلك ان السلطة الفلسطينية عازمة على طلب "حق عودة" اللاجئين الفلسطينيين الى داخل اسرائيل – وهي موضوع ذو اهمية رئيسة في الخطاب الفلسطيني – يعد امرا محظور عن الاسرائيليين الاشد حمائمية ايضا.

        ليس من الواقعي ان نتوقع ان تنجح "سياسة خلاقة" في التغلب على اختلافات مناطقية، بالرغم من ان هذه المشكلات ترى نظريا سهلة الحل. اثبت الجهاز السياسي في اسرائيل قدرته على حل المستوطنات في سيناء وفي غزة. مع ذلك ليس من المنطقي ان يتوقع من اسرائيل العودة الى حدود 1967، هو اجراء سيقتضي نقل مئات الاف من اليهود من يهودا والسامرة. احد الامكانات ان تعوض اسرائيل السلطة الفلسطينية باعطاء مناطق في النقب (قرب غزة) عوض تلك الاجزاء من الضفة الغربية ("الكتل الاستيطانية") التي ستتضمها. وكذلك يقع الاختلاف في مستقبل غور الاردن (الذي يشكل نحوا من 15 في المائة من الضفة الغربية وفيه قليل من السكان العرب)، الحيوي لامن اسرائيل. وفي النهاية، افضل نتيجة مناطقية يمكن ان تثور في الذهن من وجهة نظر فلسطينية (العودة الى حدود 1967) تعطيهم 22 في المائة فقط من المنطقة التي يسمونها "الوطن". هذا الوضع يقتضي ان نسأل هل ستكون مصالحة كهذه مقبولة عند الحركة القومية الفلسطينية، ام انها ستبذر بذور صعود كيان تنقيحي يرمي الى تغيير الوضع الراهن. هل سينجح الفلسطينيون في ان يمنعوا ان تظل ارضهم تستعمل قاعدة للهجمات الارهابية و/ او اطلاق الصواريخ؟ من المهم ان نذكر ان 75.8 في المائة من الفلسطينيين يعتقدون انه لا يوجد احتمال حتى بعد اقامة دولة فلسطينية لمصالحة بين الشعبين في هذا الجيل.

        لن يفضي التقسيم بالضرورة الى دولة فلسطينية تحيا بسلام الى جانب دولة اسرائيل. الفرض الذي يقول ان التحول الى دولة يجر بالضرورة سلوكا مسؤولا هو فرض مشكوك فيه، وبرهان ذلك القادة الكثيرون الذين ساقوا دولهم الى الهاوية. تظهر الثقافة السياسية الفلسطينية التطرف، اي التمسك العنيد بالخطاب الذي يقول ان للاجئين "حقا في العودة". يحرض جهاز التربية الفلسطيني الحالي ووسائل الاعلام الرسمية للفلسطينيين على اليهود، الذين يعرضون على انهم يتحملون تبعة كل ازمات الفلسطينيين. لا يشهد الفحص عن المضامين التي تبث من طريق جهاز التربية في المناطق الفلسطينية ووسائل الاعلام الرسمية على استعداد كبير للمصالحة. فضلا عن ذلك، فان القدوة التي يحتذي عليها الفلسطينيون الشبان بعد سنة 2000 هو الشهيد الذي يفجر نفسه بين اليهود. والفلسطينيون يؤيدون تأييدا مدهشا تنفيذ اعمال عنف في اهداف اسرائيلية.

        في هذه المرحلة التاريخية، لا يستطيع المجتمع الفلسطيني، المتأثر بالخطاب الاسلامي والقومي، ان ينساق الى مصالحة تاريخية مع الحركة الصهيوية، تفضي الى انهاء النزاع. كان رافضو المصالحة الفلسطينيون هم الغالبين في كل مرة طرح فيها في جدول العمل تقسيم حقيقي محدد؛ وكان اخر ذلك باقتراح كامب ديفيد في سنة 2000 والمأساة هي انه كلما مضى الوقت اصبح عند اسرائيل قدر اقل من الاراضي تعرضه على الفلسطينيين، وهذه حقيقة تزيد المرارة واليأس في الجانب المقابل. ان أمل ان تمكن اعادة عجل التاريخ الى الوراء وهم مجرد. هذا الوضع سيجعل الكيان الفلسطيني كيانا سياسيا متذمرا لا ترضيه حدوده وهو عازم على استعمال القوة لزيادة مساحة ارضه.

        ما زالت قيادة السلطة الفلسطينية لم تستوعب جوهر مثال الدولتين – دولة لليهود ودولة للفلسطينيين. ويرفض محمود عباس "المعتدل" ايضا فكرة ان تكون اسرائيل دولة يهودية؛ والبرهان على ذلك انه عارض بشدة ان يشتمل التصريح الختامي لمؤتمر انابوليس في تشرين الثاني 2007 على تطرق ما لاسرائيل كدولة يهودية. وفي النهاية فان صعود نجم حماس التي ترى مجرد وجود دولة اسرائيل انتهاكا للقدسية، يضائل الاحتمالات التي هي صغيرة في الاصل، للتوصل الى مصالحة. ان تأثير حماس المتزايد يزيد تشدد المواقف الفلسطينية من النزاع مع اسرائيل، ويصعب القدرة على التوصل الى اتفاق. لا اساس لاعتقاد ان تقوية انصار الاسلام المتطرف ستفضي الى الاعتدال. هذا العمل يبعد الفلسطينيين عن المصالحة؛ ونحن نرى حقا ان الهجمات المستمرة على اسرائيل من غزة التي تسيطر عليها حماس تشهد بان "انهاء الاحتلال" و "حل المستوطنات" لم يعودا شرطين كافيين لانهاء النزاع.

        الانسان مستعد بوحي من الشعور القومي لان يتحمل الالم والصعاب في نطاق حروب قومية؛ والطرفان عندهما ما يكفي من الطاقة لاستمرار على القتال، واهم من ذلك استعدادهما لتحمل الالم لتحقيق اهداف سياسية. يحدث في ازمان متقاربة ان ينتهي نزاع عرقي لا عندما تعرض فرصة مصالحة جيدة ما، بل عندما يبلغ المجتمعان المتنازعان الى الارهاق واستنزاف القوى. اذا كان الالم هو اشد العوامل تاثيرا في منحنى تعمل المجتمعات، فيبدوا ان الاسرائيليين والفلسطينيين ما زالوا لم يعانوا معاناة كافية للتوصل الى مصالحة.

        يقول الفرض المشكل الثاني في مثال الدولتين انه مع اعطاء فرصة بناء دولة، ستنجح الحركة الوطنية الفلسطينية في فعل ذلك. وللاسف الشديد لم تتحقق مسيرة بناء الدولة؛ فليست كل جماعة عرقية تملك القدرات المطلوبة لاقامة دولة. مع اعطاء فرص الحكم الذاتي، اقام ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية جهازا سياسيا فاسدا، غير ناجع، بلا قانون وطاغ. كانت السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات جهازا بيزنطيا، حكم معه الرئيس باستعمال تكتيك "فرق تسد"، بتمكينه من المنافسة بين القادة، وبين الوكالات بل بين العصابات المسلحة على نحو جعله الحاكم الاخير وموزع "الوظائف" والمكافآت. هذا الجهاز تدهور اخر الامر الى فوضى وعدم نظام. كان اعظم فشل للجهاز في المجال الذي هو اشد حيوية لصياغة القدرات على اقامة دولة، وهو احتكار استعمال القوى. كان وجود خليط كبير من العصابات المسلحة المختلفة تحديا للسلطة المركزية وحافظ على بقاء جماعة فلسطينية مفرقة ومختلفة.

        بعد نشوب الانتفاضة الثانية انهار النظام السياسي في السلطة، واصبحت "دولة فاشلة". تتميز دول من هذا النوع بعدم وجود احتكار لاستعمال القوى، وبجهاز قضائي يعطي عدلا جزئيا فقط، وبعدم قدرة على ايجاد مناخ قانوني واداري يشجع المبادرات الشخصية، وتجارة التطوير والاستثمارات الاجنبية، وبصعوبة تلبية احتياجات السكان الاساسية في مجالات الصحة والتربية والخدمات الاجتماعية.

        لم ينجح محمود عباس، الذي انتخب لرئاسة السلطة الفلسطينية في كانون الثاني 2005 في ان يرتفع فوق ميراث عرفات السياسي. فمكانة عباس السياسية عند الفلسطينيين اقل كثيرا من مكانة عرفات؛ وقد تهرب من مواجهة الجماعات المسلحة وفشل في محاولة مركزة الاجهزة الامنية. واستمرت "الفوضى" بقوة متغيرة. ان الوحدات الفلسطينية التي دربها الامريكيون حسنت قليلا احساس جزء من السكان الفلسطينيين بالامن، لكنها لم تغير الوضع من اساسه. فضلا عن ذلك يشك في قدرتها على ان تثبت لامتحان مواجهة داخلية لخصم مصمم مثل حماس.

        ان صعود نجم حماس في السياسة الفلسطينية سبب للسلطة اضعافا وانقساما اخرين. تنذر قوة حماس المزدادة بصعوبة اكبر لحمل ذراعها المسلحة؛ وعلى ذلك يصبح طموح السلطة الى امتلاك احتكار استعمال القوة هدفا ابعد. وفي النهاية كانت سيطرة حماس على غزة في حزيران 2007 نقطة الاوج في انشقاق السلطة الفلسطينية. يصعب ان نفترض ان تفضي المفاوضة في "وحدة وطنية"، التي تجري على انقطاع بين حماس والسلطة الفلسطينية، الى وضع تستطيع فيه السلطة ان تعيد لنفسها السيطرة على غزة. وفي الواقع ما يمنع حماس اليوم السيطرة على مدن في الضفة الغربية ايضا هو اعمال الدهم التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي هنالك والتي تمس بنشطاء حماس في الضفة. ان صعود نجم غزة ككيان سياسي مستقل هو اليوم بمنزلة حقيقة مكتملة، تضعف هي ايضا مثال الدولتين للشعبين. فضلا عن ذلك يضعف البعد الاسلامي – الجذري لحماس وصعود جماعات اسلامية في غزة او القومية الفلسطينية. فالحركات الاسلامية كهذه اشد تأييدا لظهور مبنى سياسي اسلامي يشتمل على كل شيء، اكثر من تأييدها لهوية قومية ما. ان الشعور القومي الفلسطيني العلماني في انحطاط، كمثل الشعور القومي العلماني في اجزاء اخرى من المنطقة.

        تغلغل الى وعي الجماعة الدولية بالتدريج ادراك ان السلطة الفلسطينية ليست كيانا سياسيا يؤدي عمله. مثلا عندما شارك وزير الخارجية التركي، علي باباكان في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في 2008 في برلين وتناول فلسطين، لحظ التحدي الرئيس الذي تواجهه السلطة: "وجود قوات امن ومؤسسات قانونية تخص الفلسطينيين مهم جدا لمستقبلهم". بدأت وسائل الاعلام الدولية التي هي مناصرة في اكثرها للفلسطينيين، تشك في امكان صيغة دولتين للشعبين – وفي ضمنها صحيفة "لندن تايمز" و "نيويورك تايمز" المعروفتين. ويعترف الخطاب الدبلوماسي الحالي في واقع الامر ايضا بعدم قدرة السلطة الفلسطينية على ان تكون شريكا عمليا في السلام مع اسرائيل. ان الدعوة المقبولة للتفاوض في صياغة مسودة اتفاق سلام توضع "على الرف"، هي في الواقع اعتراف صريح بأن السلطة الفلسطينية اليوم غير قادرة على تطبيق اي اتفاق، وانها محتاجة الى زمن اخر حتى تطور القدرة على اداء هذه المهمة.

        ادرك الراغبون في مصلحة الفلسطينيين ايضا اخفاقات السلطة الفلسطينية في تطوير القدرات المطلوبة لاقامة دولة. من اجل اصلاح الوضع وجد من اقترحوا اقامة جهة ائتمان دولية، تساعد في تنمية السلطة الفلسطينية الى وضع تستطيع فيه اقامة دولة. معنى الاقتراح هو نقل مسؤولية الحكم في الضفة الغربية وفي غزة الى جهة دولية بقيادة الولايات المتحدة، وادخال قوات امريكية و/ او دولية لحفظ النظام.

        سياسة ممكنة

        ما الذي يمكن فعله فيما يتصل بوضع الفوضى في السلطة الفلسطينية وبصعود حماس؟ ما تزال الجماعة الدولية تؤيد اليوم مبدأ دولتين للشعبين، وتفترض ان تسوية سياسية كهذه ضمان للسلام والاستقرار. تعتقد الجماعة الدولية انه يحتاج الى اقامة دولة. سنفحص عن هذا الخيار فحصا نقديا بعد ذلك. وامكان نظري اخر هو دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل. وخيار ثالث هو "تسوية اقليمية" تتقاسم فيها مصر والاردن عبء مواجهة القضية الفلسطينية. وفي النهاية، مع عدم حل من الفور، سنرسم استراتيجية اكثر واقعية لادارة النزاع. ستكون هذه الاستراتيجية موجهة الى مضاءلة كلفة الحرب المتصلة واحراز زمن لتطوير خيارات اكثر جاذبية.

        بناء دولة فلسطينية

        في الادبيات التي تتناول ظاهرة "الدولة الفاشلة" ميل واضح الى التوصية بزيادة الجهود لبناء دولة وتعزيز القدرة على الحكم، كوسائل مفضلة لمواجهة المشكلة. بيد ان  الجهود الدولية لاعادة النظام السياسي الفلسطيني الى حاله لم تنجح في احراز الهدف المأمول. فضلا عن ذلك زاد صعود حماس تعزيز الميول الانشقاقي في السياسة الفلسطينية. يقتضي الانتقال الى وضع الدولة احتكارا لاستعمال القوى؛ لا امكان لاحراز احتكار كهذا ما لم تحدث حرب اهلية، او اظهار اخر للقوة العسكرية، يثبت على نحو مقنع ان جهات فرض القانون الرسمية مستعدة وقادرة على جباية ثمن مرتفع من اي منظمة او فرد يرفضان التجرد من سلاحهما. تلاشت قوات الامن الفلسطينية التي تدربتها الولايات المتحدة امام هجوم حماس في غزة، وتمتنع وهي منشورة في الضفة الغربية من تجريد المواطنين من سلاحهم. عباس، الزعيم الفلسطيني الحالي، ضعيف، ويكاد لا يستطيع لعب دور وكيل التغيير المطلوب.

        ان محاولة مساعدة الاقتصاد الفلسطيني للتخفيف من عبء بناء الدولة مشكلة. فلست أحسب الجهاز الفلسطيني الفاسد يستطيع ان يستخلص من ذلك فوائد اقتصادية واسعة. فالمساعدة الاجنبية الكثيفة التي بذلت في العقد السابق – وهي من العلى في العالم للفرد – لم تنجح في التغلغل الى اسفل، الى الجماهير. فالوضع الحالي، الذي لا يوجد فيه في الواقع قانون ونظام، يناقض انشاء مناخ يشجع النشاط الاقتصادي والنمو، ومن المنطقي افتراض ان يمس بجهود الجماعة الدولية لمنح الفلسطينيين مساعدة. ان المساعدة الاقتصادية الخارجية "جيدة فقط بحسب قدرة الحكومة والاقتصاد في الجانب المتلقي على استعمالها استعمالا حذرا مجديا". فضلا عن ذلك فان نسب النمو الاقتصادي المطلوبة لمواجهة نسبة الخصوبة الفلسطينية غير معقولة على نحو ظاهر. هذا الوضع يقضي على الفلسطينيين بفقر اكبر في المستقبل القريب.

        ان جهة ائتمان دولية ايضا، او بعبارة اخرى، استعمارية جديدة – لا تبدو اداة ملائمة لبناء دولة. والى ذلك ليس واضحا هل الامريكيون مستعدون لمشاركة  من هذا النوع. يبدو في ظاهر الامر ان الولايات المتحدة ستحاول في البدء انهاء ما بدأته في العراق وفي افغانستان؛ ويبدو كذلك ان يشتمل ترتيب الاوليات الامريكي قبل مواجهة القضية الفلسطينية على مواد اخرى، مثل الازمة الاقتصادية العالمية وحصر العناية في ايران، التي هي دولة ذات قدرة ذرية محتملة ولها تأثيرات بعيدة المدى في أمن العالم. ليس من المحقق البتة ان الولايات المتحدة، حتى في مدة حكم براك اوباما، هي شريكة في فرض ان حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني ممكن في الامد القريب وانه امر ذو الحاح في اعلى منزلة.

        حتى لو كان من الممكن اغراء الامريكيين و – او الاوروبيين بأن يحتملوا تبعة حكم الفلسطينيين، فان احتمالات النجاح ضئيلة. فحسبنا ان ننظر في نتائج محاولات في العقود الاخيرة لاستعمال قوات اجنبية لاحلال السلام – لا لحفظ السلام فقط – لندرك ان النتائج غير مشجعة على نحو خاص، اذا لم نشأ المبالغة. فالقوات المرشحة لحفظ السلام تقام في اماكنها بعد ان تتوصل الجهتان المتنازعتان الى تسوية، وعلى العموم بعد ان يتوصل الطرفان الى وضع استنزاف "البوسنة" او هزيمة احد الطرفين (الصرب في كوسوفو). فضلا عن ذلك احرز النجاح النسبي في يوغسلافيا السابقة وفي تيمور الشرقية بعد موجات كبيرة فقط من التطهيرات العرقية، ضاءلت الاحتكاك بين الجماعات السكانية المتعادية.

        في الحالة التي امامنا ما زال الفلسطينيون – ولا سيما المتطرفون منهم – يملكون قدرا وافرا من الطاقة. يمكن القوات الاجنبية المقترحة ان تأتي بدل اتفاق ثنائي. والى ذلك من المعلوم ايضا ان القوات الدولية التي اقيمت في الساحة الاسرائيلية – الفلسطينية فشلت في مهماتها في الماضي. فقوات الامم المتحدة على الحدود المصرية لم تؤد مهمتها في 1967 واجليت بطلب من المصريين مع تجاهل موقف اسرائيل. ولم تنجح قوات اليونيفيل في جنوب لبنان ايضا في ان تصبح حاجزا مناسبا، بل حدث احيانا ان تعاونت مع اعداء اسرائيل.

        كذلك لا تبشر محاولة الامريكيين ارسال قوات لحفظ النظام بالخير. فاستعداد الامريكيين لتحمل خسائر في حالات لا تعرف انها حيوية لامن الولايات المتحدة هو استعداد ضئيل جدا. فقد انسحبت الولايات المتحدة من لبنان في 1982 ومن الصومال في 1992 بسبب مقاومة محلية. ولم يحرز تدخلها العسكري القصير في هاييتي في 1994 هدفه. وسيطرتها على افغانستان لم تقض تماما على مراكز الارهاب، ولم تأت المنطقة بالاستقرار ايضا. وكذلك لا تشجع التجربة الامريكية في العراق. يمكن ان نقول على العموم، ان قدرة امريكا الامبريالية وتصميمها على اتيان مناطق مختلفة في انحاء العالم بالنظام – والامر يقال في مناطق مسلمة معادية على الخصوص – ما زال مشكوكا فيه.

        على اية حال، توقعات ان يبني الفلسطينيون دولة حديثة في المستقبل القريب حتى بمساعدة من الغرب هي توقعات ساذجة. فقد احتاجت اوروبا الى مئات السنين لبناء دول قومية. وجميع محاولات بناء دول في الشرق الاوسط باستثناء مصر التي هي دولة ذات تاريخ، حظيت بنجاح جزئي فقط. فلبنان والعراق والصومال امثلة لكيانات سياسية تواجه مشكلة تأسيس سلطة مركزية عصرية.

        دولة ثنائية القومية

        ثمّ توجه لا يؤيد حكمة التقسيمات على اختلاف ضروبها. فقد اقترحت مقترحات كثيرة لاقرار الاوضاع في مناطق يسكنها عدد من الجماعات العرقية، مثل القومية الموحدة او الحكم الذاتي او الفدرالية. هذه ترتيبات تقسيم للسلطات ومشاركة في وظائف الحكم، غير ناجعة في ظروف نزاع عرقي متصل. بالرغم من ان الحركة القومية الفلسطينية تمسكت في الماضي بحل دولة واحدة، وبالرغم من التهديدات المؤقتة من قبل الفلسطينيين بالعودة الى هذا التفضيل القديم، يبدو اليوم ان الحركتين القوميتين في فلسطين مصممتان على ان تنشىء كل واحدة دولتها على نحو مستقل.

        يصعب ان نتخيل الحركتين القوميتين تتعاونان في دولة واحدة، ومع عدم الثقة او الرغبة في تقاسم مصير مشترك، قد تبدو القوات الطاردة عن المركز اقوى من ان يمكن منع ازمات سياسية مكررة، والى شقاق اخر الامر. ولا تميل الجماعة الدولية ايضا الى تفضيل ترتيب كهذا او فرضه على الطرفين.

        يزعم ذوو مواقف حمائمية في اسرائيل وفي امكنة اخرى في العالم ان الدولة ثنائية القومية محتومة مع استمرار الوضع الراهن، وذلك بسبب اتجاهات ديموغرافية؛ ففي ضوء نسبة ولادة العرب التي هي اعلى من نسبتها عند اليهود سيصبح اليهود قلة في المنطقة غربي نهر الاردن. فضلا عن ذلك يحدث وجود مستوطنات كثيرة مع قوة المستوطنين السياسية الكبيرة، وضعا لا يمكن من التقسيم. سمعت دعاوى تقول ان هذه الاتجاهات تنذر بنهاية دولة اسرائيل كدولة يهودية، وبجعلها دولة ثنائية القومية في واقع الامر. تستطيع مخاوف كهذه ان تفسر الاحساس بالتعجل والسخاء المناطقي الذي تظهره هذه الدوائر.

        يبالغ هذا التوجه في تقدير وزن الاتجاهات الديموغرافية. فعدد الفلسطينيين في الضفة الغربية اقل مما اعتيد اعتقاده، ونسبة ولادتهم اخذة في التضاؤل. واهم من ذلك ان هذا الموقف لا يقدر على نحو كاف تصميم الجهاز السياسي الاسرائيلي على الحفاظ على طابع الدولة اليهودي وعلى ديمقراطيتها بالانفصال عن مناطق مأهولة بالعرب على نحو كثيف وبحل المستوطنات في هذه المناطق. في 1981 حلت اسرائيل مستوطناته في سيناء؛ وفي 2005 حلت اسرائيل جميع مستوطناتها في غزة، وعددا من المستوطنات في السامرة. وكما قلنا آنفا حظيت الانسحابات من طرف واحد بقدر لا يستهان به  من مناصرة الاسرائيليين، وليس حل مستوطنات متفرقة اخرى بمنزلة سيناريو خيالي. فضلا عن ذلك، بنت اسرائيل جدار فصل يتتبع في جزئه الاكبر مسار حدود 1967، ويشير بذلك الى مخطط خط الفصل في المستقبل مع الفلسطينيين. لهذا لا ينبغي قبول تنبؤات الغضب القائمة على اتجاهات ديموغرافية.

        التوجه الاقليمي

        جرت صعوبات تطبيق مبدأ الدولتين الاسرائيليين الى ان يفكروا من جديد في كل ما يتصل بالقضية الفلسطينية. ولما كان يبدو ان الفلسطينيين غير قادرين على اقامة حكم ذاتي ولما كان الاسرائيليون غير معنيين بتحمل تبعة هذا الدور، فمن هو اللاعب المسؤول الذي سيلائم الدور؟ في ضوء الماضي الاستعماري لفرنسا وبريطانيا في الشرق الاوسط، تبدو اقامة جهة ائتمان دولية اقتراحا مشكلا. فالتاريخ يبرهن على ان العرب فقط قادرون على حكم العرب بطرائق مقبولة عندهم. يبدو ان المرشحتين الفضليين لقيام بهذا الدور الرئيس في الشؤون الفلسطينية هما مصر والاردن خاصة؛ وقعت هاتان الدولتان على اتفاقات سليمة مع اسرائيل، وتظهران مسؤولية اكبر مما تظهر قيادة السلطة الفلسطينية، وفضلا عن ذلك نجحتا نجاحا نسبيا قبل 1967، في كف جماح الحركة القومية الفلسطينية وفي حكم الفلسطينيين. يميل قدر اكبر من الاسرائيليين الى رؤية مصر والاردن شريكتي المس

انشر عبر