شريط الأخبار

هل يمكن التوصل الى حسم في مواجهة مع "المنظمات الارهابية": الرصاص المصهور" كمثال*

11:32 - 02 حزيران / أبريل 2009

بقلم: زاخي شلوم

        كانت لعملية "الرصاص المصهور" انجازات ملحوظة من وجهة دولة اسرائيل. وبعضها ما يزال يحتاج الى برهان. في اثناء العملية سبب ضرر كبير للبنى التحتية المدنية والعسكرية لحماس في قطاع غزة، وقتل او جرح مئات من افراد المنظمة. عرف قادة حماس الوضع في القطاع على انه "كارثة". وسمى خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس عملية الجيش الاسرائيلي في غزة "محرقة". ابلغ كذلك صحافيون ومندوبون دبلوماسيون عن مقادير الدمار. سيكون من الواجب على حكومة حماس كجهة حاكمة ان تخصص موارد كبيرة لاعادة بناء هذا الدمار. يمكن ان نقدر ان تطلب حماس في فترة اعادة البناء، والتي يصعب تقدير مدتها، الحفاظ على التهدئة.

        من شبه اليقين ان العملية اسهمت في زيادة ردع اسرائيل لحماس، وربما لجهات معادية اخرى في المنطقة ايضا. في مقابلة صحفية بعد الحرب مال رئيس الحكومة، في تقديري، الى المبالغة في تقدير مقدار وقوة الردع الذي احرز اثر العملية: قال رئيس الحكومة اولمرت: "ردع اسرائيل اليوم اعلى مما كان قط، لا في العقد الاخير فقط بل اكثر منه كثيرا. هذا ردع لكل عناصر محور الشر، وليعلم من يجب ان يعلم ان الحرب في لبنان انشأت ردعا لا لحزب الله فقط بل لسورية ايضا". الردع ذو فاعلية بحسب طبيعته في نطاق محدد للوقت والمكان. وتمتحن قوته في واقع الامر مدى الزمن. على اية حال لا يوجد اي يقين من ان الردع في الجبهة الجنوبية سيكون ذا فاعلية في الجبهة الشمالية ايضا – مع حزب الله.

        يبدو ان اسرائيل نجحت في جعل حماس تستوعب ان قواعد اللعب التي كانت موجودة قبل العملية تغيرت تغيرا تاما. على اساس قواعد اللعب الجديدة تم بيان ان سياسة اطلاق النار ورد الجيش الاسرائيلي ستكون منذ الان مختلفة تماما عما كان موجودا حتى الان. عبر ضباط كبار في الجيش الاسرائيلي عن ذلك قبل بضعة اشهر، لكن اقوالهم لقيت قدرا كبيرا من التشكك في كل ما يتعلق بالتصميم على تطبيقها في الواقع اثبتت عملية "الرصاص المصهور" ان الجيش الاسرائيلي تبنى سياسة جديدة تختلف بقدر كبير عن السياسة التي كانت مستعملة في الماضي. نجحت اسرائيل بقواعد اللعب الجديدة في ان تحدث تهديدا صادقا لانها مستعدة لاستعمال قوة نار عظيمة، غير تناسبية، وان تضرب في واقع الامر ايضا تجمعات مأهولة، ومساجد، ومدارس، وجامعات ومؤسسات للامم المتحدة، اعتبرت حتى الان مناطق خارج نطاق ردها.

        وتم انجاز اخر لاسرائيل – هو اقامة نظام مراقبة، يبدو انه اكثر فاعلية مما كان في الماضي، على تهريب السلاح الى القطاع ، سيلعب المصريون والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي دورا فيه، قال رئيس الحكومة "اصررنا على وقف القتال عندما استطعنا فقط التوصل الى اتفاق مع المصريين (في موضوع منع تهريب السلاح الى القطاع). هذا اتفاق مفصل خطي. لم يعد يوجد همس في الاذن، هو قال وانا قلت. كل شيء موثق حتى اخر تفصيل، بالتزامهم والارادة، والعمليات والجهود والتفاهمات مع الامريكيين والاوروبيين. لم يوجد شيء كهذا". ستتضح جدوى النظام الذي اقيم الحقيقية بحسب الظروف الميدانية ومع الوقت، لان وجود اتفاق مكتوب، مهما يكن مفصلا، لا يمكن ان يكون ضمانا لتحقيقه في الواقع. إن مراقبة قوة امريكية ودهمها لسفينة سلاح ايرانية نقلت السلاح الى القطاع قد يشير الى توجه ايجابي من وجهة نظر دولة اسرائيل.

        ابرزت الحرب وقوت الشقاق في العالم العربي بين المعسكر المعتدل وبين المعسكر المتطرف. على حسب تعريف الامين العام للجامعة العربية (وهو الرجل الذي يفترض ان يعرف العالم العربي افضل من الاخرين) كان العالم العربي في اثناء العملية على شفا شقاق وفوضى. إن ضعف العالم العربي قد يمكن دولة اسرائيل من مجال مناورة اكبر في النظام الدولي، اذا احسنت استغلال ذلك لمصلحتها. اثبتت المواجهة بين كتلتي الدول العربية، الراديكالية والمعتدلة، ان الغلبة للمعسكر المعتدل برئاسة مصر. وهذه ايضا ظاهرة تخدم مصالح دولة اسرائيل. مع ذلك، في هذه الحالة ايضا يحتاج الى حذر كبير. عرف العالم العربي في الماضي فترات صعبة للاختلاف والشقاق، وحلت اخر الامر. اذا قوى الحل التيار المتطرف، فقد تتضرر ايضا مصالح دولة اسرائيل.

        وفي الختام ابرزت الحرب الاهتمام الكبير للجماعة الدولية ، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الاوروبية بمكافحة المنظمات الارهابية. ان حضور رؤساء الاتحاد الاوروبي الى اسرائيل في نهاية الحرب الى جانب رئيس الحكومة ووزراء الحكومة في حدث احتفالي وتشجيع اظهر هذا الموقف على نحو بارز. كان ذلك من جهات كثيرة صورة نصر. على خلفية هذه الانجازات عبر اشخاص كبار في المستوى السياسي والعسكري عن موقفهم: "انجزت اهداف العملية كاملة". لكن يوجد شعور باضاعة الفرصة عند دوائر واسعة في الجهاز السياسي والعسكري وفي الجمهور العريض ايضا. يمكن ان نثير تخمينات في شأن العوامل في هذا الفرق بين الشعور بالانجاز والشعور باضاعة الفرصة:

1. بعد حرب لبنان عاد المستوى السياسي، لا سيما رئيس الاركان جابي اشكنازي، واكد ان اسرائيل في المواجهة المقبلة يجب ان تحرز اسما واضحا في الميدان على نحو لا يمكن من ان يسأل سؤال: "من انتصر في الحرب؟" هذا الامر انشأ توقعات حسم واضح لا لبس فيه للمعركة. من الممكن جدا ان هذا الهدف غير قابل للاحراز البتة في مواجهة مع منظمات ارهاب.

2. قد يكون وعي النصر يتقرر مفصولا عن الاهداف الرسمية التي حددها قادة الدولة للعملية. يصوغ الراي العام موقفا مستقلا من مسألة ماذا كان يفترض ان تكون اهداف العملية، وبحسب ذلك يحكم على نتائج الحرب. تم التعبير عن مشاعر اضاعة الفرصة تعبيرا بارزا في وسائل الاعلام المختلفة ولا سيما فيما يتعلق بثلاثة عناصر: 1. لم يصدر عن حماس اعلان خضوع، بل لم تطلب علنا هدنة غير مشروطة؛ 2. لا يعطي نظام الرقابة على تهريب السلاح الى القطاع ضمانات حقيقية؛ 3. لم تنشأ شروط افضل لاطلاق غلعاد شليت.

3. ثم ايضا امكان ان الرأي العام شعر بان اهداف العملية الرسمية كما عرضها المستوى السياسي لا تعبر حقا عن جملة الاهداف الحقيقية التي اراد المستوى السياسي احرازها بالعملية. كان التحديد الضيق يرمي في هذه الحالة الى احداث وقاء في حالة لا تحرز الاهداف الواسعة من جهة، ورضا كبير بعقب احراز اهداف تتجاوز المتوقع من جهة اخرى. عزز رئيس الحكومة نفسه هذا التصور بكلامه في مقابلة صحفية، فقد قال: "لم يسمع احد منكم قط مني ما الذي اريد احرازه حقا، ولم احدد هدفا سوى الاعلان الرسمي. لماذا؟ لانني وجدت فعل ذلك غير صحيح".

هذه الامور المتصلة بطريقة تحديد الشعور بالنصر يجب ان ينظر فيها متخذوا القرارات في اسرائيل في حالة مواجهة حربية اخرى مع المنظمات الارهابية في الشمال والجنوب، لان احتمال تحقق هذه المواجهة قريب من المحقق.

 

انشر عبر