شريط الأخبار

عملية "الرصاص المصهور" والقانون الدولي* ..بقلم: روبي سايبل

11:31 - 02 تموز / أبريل 2009

افضت مجموعة من العوامل الى الاهتمام الكبير الذي يظهرونه في البلاد وفي العالم بقضايا القانون الدولي كما يعبر عنها في الجوانب المختلفة لعملية "الرصاص المصهور" في غزة. يعد في هذه العوامل في الجملة، المكانة السياسية لقطاع غزة؛ ومشكلة تطبيق قواعد الحرب في قتال غير متناسب بين جيش عصري ومجموعات حرب عصابات مدنية؛ ودور مجلس الامن؛ وتدخل الدول الاوروبية ودول اخرى في محاولات تسوية النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين؛ والمشاركة الكثيفة لمنظمات غير حكومية في غزة؛ والاستعراض الواسع لما يجري في غزة كما يظهر في الصحف العالمية وشبكات التلفاز العربية؛ والدور الذي اخذ يتسع للخطاب القانوني في المجتمع الاسرائيلي وفي الجيش الاسرائيلي؛ ومحاولات منظمات فلسطينية ومؤيديها تصوير عملية "الرصاص المصهور" وتكتيكات اسرائيل على انها غير قانونية.

        سنذكر فيما يلي من بين قضايا القانون الدولي ذات الصلة بنقاش العملية عددا منها مع فحص ما ورد في القانون وعرض التفسير المناسب له في سياق العملية في غزة.

        الدفاع عن النفس في مواجهة مجموعات عصابات مدنية

        يعترف القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة بالحق الممنوح للدول في استعمال القوة لتدفع عن نفسها هجوما مسلحا عليها. ينطبق هذا الحق ايضا اذا نفذت الهجوم قوات غير نظامية. بعد هجمات 11 ايلول اعترف مجلس الامن بحق الدول في ان تدفع عن نفسها ايضا الهجمات الارهابية. مع ذلك اذا كانت المنطقة التي تم الهجوم منها خاضعة لاحتلال عسكري من الدولة التي وقع عليها الهجوم، فانه يمكن زعم ان انطباق القانون هو لوثيقة جنيف الرابعة ، التي تتناول حقوق القوة المحتلة في ان تصد وتأخذ بأعمال قانونية مضادة للمخلين بالقانون غير مسلحة. لو كانت غزة تخضع لاحتلال عسكري اسرائيلي قبل العملية، لكان يجب على اسرائيل بحسب هذه الدعوى، ان تصد ببساطة خلايا مطلقي الصواريخ من حماس.

        مع ذلك يقتضي الاحتلال سيطرة ناجعة، لانه على ذلك النحو فقط تنطبق على المنطقة المتحدث عنها قوانين الاحتلال، لكن من الواضح انه لم تكن لاسرائيل سيطرة كافية على غزة، اذا وجدت اصلا، لتمكين من اعمال شرطية. وضع غزة القانوني غير واضح، ومع عدم السيطرة الناجعة والقدرة على تنفيذ اعمال شرطية، حققت اسرائيل وبحق حقها في استعمال القوة لتدفع عن نفسها هجمات من غزة، ولهذا فان القانون ينطبق على النزاع المسلح.

 

        اتناسب في استعمال القوة؟

من اجل تسويغ دعوى الدفاع عن النفس، يجب ان يكون استعمال القوة مناسبا للهجوم. فحادثة حدودية ضئيلة لا تسوغ هجوما مسلحا عاما ردا عليها. يمكن قياس التناسب لا في مواجهة هجوم فردي فقط، بل في مواجهة تراكم هجمات، اذا اشتهرت. في عملية "الرصاص المصهور" سوغ هجوم حماس الذي اشتمل على اطلاق الاف الصواريخ، بوضوح ردا بهجوم مسلح، لكن عندما يصبح الطرفان في اوج معركة عسكرية لا تنطبق قاعدة التناسب ولا تظل ذات صلة، الا فيما يتصل بالمصابين من المدنيين. ان قواعد الحرب لا تفرض اذا تعادلا كما في لعبة. ففي النزاع المسلح يحل لاحد الطرفين ان يستعمل قوة مفرطة للقضاء على القوات العسكرية وعلى القدرات العسكرية التي تواجهه، وألا يرد بنفس العملة خاصة. خول مجلس الامن الولايات المتحدة وحليفاتها ان تهزم جيش صدام حسين، لا ان تفرض عليه الانسحاب من الكويت فقط. يجب على الدولة المعتدية او المنظمة المعتدية ان تفكر في انها قد تلقى دولة معتدى عليها تستعمل "قوة غير متناسبة" للدفاع عن نفسها.

تطبيق قواعد الحرب على نزاع غير تناسبي

لم تنكر حماس ان هجماتها كانت موجهة الى بلدات اسرائيلية. ان هجمات كهذه هي نقض لقواعد الحرب. بحسب تقارير مختلفة كان مقر قيادة حماس موجودا في قبو مستشفى، وذلك الامر نقض شديد اخر. ان التبادلية التي هي في الاكثر عنصر اساسي في القانون الدولي، لم تكن موجودة في هذا النزاع ومع ذلك كله راى الجيش الاسرائيلي نفسه وبحق ملتزما بسلوك قواعد الحرب، بالرغم من التجاهل التام للجهة المقابلة لهذه القواعد.

المصابون المدنيون. في المكان الذي يتم فيه القتال في منطقة مبنية، تكون اصابة المواطنين نتيجة مأساوية، لكنها محتومة لعمل عسكري. يلزم القانون الدولي انه اذا وجد مواطنون قرب اهداف عسكرية، فانه ينبغي فعل اقصى المستطاع لتقليص اصابة المدنيين الى ادنى حد، وان يكون ذلك مناسبا للامتياز العسكري الذي يمكن احرازه. اطلقت حماس صواريخ من مناطق مأهولة بالمدنيين في احيان متقاربة. في عملية "الرصاص المصهور" عاد الجيش الاسرائيلي وحذر المواطنين من هجمات قريبة، بواسطة نشرات ورسائل هاتفية في نطاق واسع. كان المدنيون المصابون ثلث او نصف عدد المصابين. يبدو انه لا يوجد اي جيش اخذ بوسائل كهذه لمضاءلة اصابة المدنيين، وكذلك لا يعلم نزاع مشابه في منطقة مبنية، كانت فيه نسبة المدنيين المصابين بالقياس الى المصابين من المحاربين عند ادنى حد كما في عملية "الرصاص المصهور".

اهداف مدنية

الهدف المدني – المسجد او الكنيس – الذي يستعمل لاهداف عسكرية كتخزين الاسلحة والذخيرة يفقد حصانته من الهجوم ويصبح هدفا مشروعا. ان تطبيق اي قاعدة اخرى يفضي الى منح العدو الذي يخفي اسلحته في مبنى من هذا النوع امتيازا غير منطقي. تملك اسرائيل معلومات عن ان مشفى ما استعمل مخبأ للافراد قيادة حماس. مع ذلك امتنعت اسرائيل من مهاجمة المشفى بسبب المس المحتوم بالمدنيين الذي كان سيسببه ذلك. الشرطة المدنية في ذاتها ليست هدفا عسكريا، لكن عندما تكون الشرطة جزءا من من المؤسسة العسكرية كما هي في حكم حماس، تصبح هدفا مشروعا.

القنابل الفوسفورية

اسرائيل ككل جيش اخر في العالم تستعمل القنابل الفوسفورية لاحداث ستارا دخاني فوري ولاعلام اهداف وغايات. اجاز المؤتمر الدولي للصليب الاحمر انه لا توجد ادلة على استعمال اخر لهذه القنابل. ان قنابل كهذه هي من الوسائل المعتادة في كل جيوش حلف شمال الاطلسي وفي جيوش البلدان العربية. من البين ان الحريق الذي تحدثه قد يعرض الناس للخطر لكنها قانونية تماما.

المدد للسكان المدنيين في غزة

مكنت القوانين التقليدية الاساسية من فرض الحظر التام كالذي فرض في الحرب العالمية الثانية. اما القوانين الحديثة فتحظر تجويع المدنيين كوسيلة قتالية. خطت اسرائيل خطوة لم يوجد لها مثيل في الماضي، ومكنت من امرار الغذاء والمعدات الطبية في نطاق واسع منها الى غزة في ذروة القتال. فضلا عن ذلك طبقت اسرائيل بمبادرة منها هدنة من طرف واحد ثلاث ساعات كل يوم لضمان توزيع الغذاء والادوية.

مسؤولية ايران

الدولة التي تبيع السلاح لا تتحمل على نحو عام مسؤولية قانونية عن نتائج استعمال هذا السلاح. مع ذلك دربت ايران نشطاء حماس ومولت حماس وجهزتها بالصواريخ، عالمة بأن هذه الصواريخ ستستعمل على اهداف مدنية. هذه الحقيقة قد تحمل ايران مسؤولية قانونية عن اعمال حماس.

خلاصة

يدور النقد القانوني الرئيس للخطوات التي اخذت بها اسرائيل في عملية "الرصاص المصهور" على قضية التناسب. يمكن ان نسأل ما هو الرد المتناسب على هجوم بنحو من اربعة الاف صاروخ من حماس موجهة الى مدن اسرائيل مدة ثلاث سنين. فضلا عن ذلك، من المهم ان نؤكد انه منذ اللحظة التي نشأ فيها نزاع مسلح، فان القانون الدولي لا يقتضي تناسبية الرد. فالدولة التي تدافع عن نفسها تريد احداث ضرر غير متناسب بالاهداف العسكرية والقدرات العسكرية للعدو. ان الدولة او المنظمة المهاجمة هما اللتان يجب ان تحتملا هذه المخاطرة.

انشر عبر