شريط الأخبار

القدس في نظر الجمهور والساسة* ..بقلم:البروفيسورافرايم عنبار**

11:25 - 02 كانون أول / أبريل 2009


قررنا تمهيدا لليوم الدراسي ان نجري استطلاعا للرأي العام للحصول على صورة محدثة لمواقف الجمهور من موضوع القدس. تم الاستطلاع في نهاية شباط 2008 على يد شركة "مأغار موحوت"، وهو يمكن من اجراء مقارنة مع استطلاعات سابقة. وجه الاستطلاع أسئلة الى الوسط اليهودي في دولة اسرائيل، ونتائجه تمثل تمثيلا صادقا الرأي العام اليهودي في اسرائيل. سأعرض باختصار النتائج الرئيسة للاستطلاع الذي أجريناه واحاول ان اعلق ببعض كلمات على الارقام.

        أهم نتيجة هي ان 71 في المائة ممن اجابوا يعتقدون انه لا يجب على اسرائيل حتى مقابل اتفاق دائم مع الفلسطينيين واعلان لانتهاء النزاع مع العالم العربي، لا يجب عليها أن توافق على ان تنقل للفلسطينيين الاحياء العربية في القدس، والبلدة القديمة وجبل الهيكل. ان 21 في المائة فقط من الجمهور اليهودي على استعداد لتنازلات كهذه في المدينة المقدسة. حاولنا ان نحدد فهمنا لمواقف الجمهور بسؤال آخر. عندما سألنا وبيّنا ان الاتفاق الذي ذكر آنفا مقرون فقط بتنازل عن الاحياء العربية في المدينة (بلا البلدة القديمة وجبل الهيكل)، أيد الاتفاق 40 في المائة من الجمهور. أي أنه توجد زيادة كبيرة على الاستعداد للتنازل عن اجزاء من المدينة مأهولة بالعرب. في هذه الحالة انخفضت المعارضة من 71 الى 38 في المائة.

        تناول سؤال آخر إمكان ان تصبح القدس في الوقت نفسه عاصمة اسرائيل وعاصمة الدولة الفلسطينية عندما تنشأ. يعتقد 65 في المائة من الجمهور اليهودي انه لا يمكن وضع تكون فيه القدس في الوقت نفسه عاصمة اسرائيل وعاصمة الدولة الفلسطينية. بمقابلة ذلك، يعتقد 27 في المائة ان تسوية سياسية كهذه ممكنة في المستقبل.

        يجدر بنا أن نذكر ان كثرة من الجمهور تبلغ 62 في المائة تعارض حتى مناقشة مكانة القدس في اطار مفاوضة الفلسطينيين في التسويات الدائمة. فضلا عن ذلك تعتقد أكثرية كبيرة من الجمهور اليهودي تبلغ 71 في المائة. انه اذا تمت مفاوضة الفلسطينيين في القدس، فيجب اجراء استفتاء شعبي قبل التوقيع على الاتفاقات من أجل اجازة الاتفاق المحرز. وعبر 18 في المائة فقط عن معارضة جعل مصير القدس خاضعا لاستفتاء شعبي. برغم انكار الحكومة التي يرأسها ايهود اولمرت، يعتقد 59 في المائة من الجمهور اليوم أن قضية القدس موجودة على مائدة المباحثات في المفاوضة التي تتم مع الفلسطينيين في اطار عملية انابوليس. بمقابلة ذلك وعلى نحو غير مفاجىء يصدق 23 في المائة فقط رئيس الحكومة اولمرت، الذي يزعم ان موضوع القدس سيبحث مع الفلسطينيين في نهاية التفاوض فقط.

        يعرض موضوع القدس أحيانا على أنه قضية ليست اسرائيلية على نحو خالص، بل قضية يهودية تقتضي اعتبار ارادة اليهود في الشتات ايضا. عندما عرضنا على الجمهور في اسرائيل سؤالا في هذا الموضوع، اعتقد 48 في المائة انه لا يجب اعتبار رأي يهود الشتات. في مقابلتهم اعتقد 38 في المائة انه ينبغي اعتبار رأي يهود الشتات في نقاش مستقبل القدس.

        في المرحلة التالية من الاستطلاع، جعلنا المستطلعة اراؤهم يواجهون فرض ان يوقع اتفاق تتخلى فيه اسرائيل عن احياء البلدة القديمة وعن جبل الهيكل وسألنا ماذا سيكون بعد. تعتقد أكثرية كبيرة من الجمهور تبلغ 61 في المائة انه لا احتمال او انه يوجد احتمال ضئيل جدا الا توجد للفلسطينيين مطالب اخرى من اسرائيل. تقسيم الاجابات توزع بين الجواب رقم 1 الذي يعني انه لا يوجد أي احتمال حتى احتمال عالٍ جدا هو الجواب رقم 9. وكان متوسط الدرجة 2.19، والذي يعبر عن درجة منخفضة جدا.

        على نحو ذلك، تعتقد أكثرية كبيرة تبلغ 69 في المائة انه لا يوجد أي احتمال او انه يوجد احتمال ضئيل جدا لان تنقطع الاعمال الارهابية بعد اتفاق سلام مع الفلسطينيين. اظهر الاستطلاع ان اكثرية تبلغ 56 في المائة تعتقد أنه  يوجد احتمال عال او عال جدا لان تصبح المنطقة التي ستسلم للفلسطينيين في القدس بعد ذلك قاعدة لاعمال ارهاب.

        عبر كثيرون عن شك في صدق الفلسطينيين، بلغوا 51 في المائة من الجمهور، يعتقدون انه لا يوجد أي احتمال او يوجد احتمال ضئيل جدا لان يحافظ الفلسطينيون على الاماكن المقدسة لجميع الاديان المنتشرة في البلدة القديمة وشرقي المدينة.

        كان من المثير ان نرى ان 52 في المائة يعتقدون أنه لا يوجد أي احتمال لان تؤيد اكثرية في البلد اتفاقا فيه تنازل عن احياء عربية، والبلدة القديمة وجبل الهيكل. كذلك يعتقد 44 في المائة من السكان اليهود ان اتفاقا من هذا النوع سيفضي الى مواجهات عنيفة في اسرائيل. هذه نتيجة غير مفاجئة وهي مألوفة في استطلاعات اخرى تتناول الانسحاب والتخلي عن مناطق. يزن نحو من 10 في المائة من معارضي اتفاق يوجد فيه تنازلات في القدس، أي نحو من 7 في المائة تقريبا من العينة، يزنون سلوكا عنيفا لمنع تحقيق الاتفاق. في استطلاعنا لم نجرِ استيضاحا دقيقا لمعنى السلوك العنيف، وان تكن الامور واضحة بقدر كافٍ.

        معلوم من استطلاعات اخرى ان الاحياء اليهودية في القدس، التي هي وراء الخط الاخضر، مثل راموت، وغيلو وجبل ابو غنيم يراها الجمهور جزءا من المدينة ومن دولة اسرائيل ولا تعد ذات مكانة مشابهة للمستوطنات وراء الخط الاخضر. في الاستطلاع الذي اجرته جامعة تل أبيب قبل سنتين لم يكن 71 في المائة من الجمهور على استعداد لبحثها. بالمناسبة، 66 في المائة من الجمهور غير مستعدين للتخلي عن معاليه ادوميم التي ترى جزءا لا ينفصل من القدس.

        تتحدث الارقام من تلقاء ذاتها وسأضيف بضع كلمات تعليق فقط:

        من المحقق ان الجمهور في اسرائيل يفرق بين أنواع تنازلات مختلفة في القدس. فليس جبل الهيكل مثل جبل المكبر الذي هو في شرقي المدينة ايضا. يبدو في موضوع جبل الهيكل والبلدة القديمة ان الاعتبار الغالب هو الاعتبار التاريخي والديني والرمزي. أي ان 71 في المائة يعارضون تسليم هذه المناطق.

        الاستعداد للتنازل عن احياء عربية اكبر بنحو 40 في المائة. لكن المؤشر الديمغرافي هو الغالب في هذا السياق كما يبدو. فنحن جميعا نعلم أن اليهود في دولة اسرائيل لا يريدون مواطنين عربا آخرين للحفاظ على صبغة دولة اسرائيل اليهودية. الاستعداد للتنازل عن مناطق متصل دائما بكون المناطق آهلة بالعرب. لهذا نرى معارضة كبيرة ايضا للتنازل عن مناطق في هضبة الجولان وغور الاردن لا يوجد فيها تجمعات سكان عرب. نحن مضطرون الى أن نقول ان اكثر الجمهور في حالة جبل الهيكل والبلدة القديمة يفضل الاعتبار التاريخي والديني والرمزي على الاعتبار الديمغرافي.

        وملحوظة ثانية تتركز في الجهاز السياسي. يوجد شك عظيم في الحكومة. فـ 59 في المائة لا يصدقون رئيس الحكومة اولمرت. كذلك لا يثق 71 في المائة من المستطلعة اراؤهم بالساسة في موضوع القدس ويريدون استفتاءا شعبيا قبل التوقيع النهائي على الاتفاق مع الفلسطينيين. هذه نتيجة بارزة جدا.

        وتتناول ملحوظة ثالثة نظرة الاسرائيليين للفلسطينيين. فنتائج الاستطلاع تعبر عن توجه متشكك جدا بنيات الفلسطينيين. لا يعتقد الاكثرون انهم سيحترمون اتفاقات مع اسرائيل وانه ستكون لهم مطالب اخرى برغم التنازلات. والاكثرون ايضا على يقين من ان الفلسطينيين سيواصلون الارهاب بعد تحقيق الاتفاقات. يعتقد اكثر الاسرائيليين أن المناطق التي ستنقل الى حكم الفلسطينيين ستصبح قاعدة ارهاب. أي ان الفلسطينيين يُرون تهديدا عاليا جدا. ومن المحقق ان نتائج استطلاعنا تلائم معطيات استطلاعات اخرى. سأكتفي بمثل واحد من استطلاع تم قبل أقل من سنة. يبين هذا الاستطلاع ان 70 في المائة من المستطلعة اراؤهم يعتقدون ان الفلسطينيين يريدون القضاء على دولة اسرائيل. هذا الخوف الكبير من الفلسطينيين يعزز بطبيعة الامر معارضة تنازلات كبيرة في القدس. سألوني في الماضي مرات عديدة هل سيكون تغيير لمواقف الاسرائيليين اذا سلك الفلسطينيون سلوكا مختلفا؟ الحقيقة هي أنني لا اعلم ولست على ثقة من أنه يمكن التنبؤ بذلك. قد تتغير الصورة في المستقبل اذا رأينا سلوكا فلسطينيا مختلفا زمنا طويلا. فليست التجربة الاسرائيلية التاريخية مع الفلسطينيين حسنة ويصعب تغيير اراء ضاربة بجذورها عند الجمهور.

        على اية حال ينبغي أن نذكر ان النظر الى الوراء يبين وجود ضعف  لتأييد موقف ان القدس مدينة موحدة تحت سيادة اسرائيلية. يشهد مقياس هيرتسليا للشعور الوطني ايضا بان اهمية القدس كمدينة موحدة وكعاصمة لاسرائيل ضعفت قليلا في السنين الاخيرة. اعتقد ان محاضرة تسفي تسميرت تشهد بيقين على شعور جديد عند جزء من النخبة الاسرائيلية.

اجل، ان المقارنة بين نسب التأييد التي اظهرتها استطلاعات التسعينيات في موضوع القدس بنسب اليوم تبين انخفاضا واضحا. اجرى مركز بيغن السادات في التسعينيات استطلاعات للرأي، لكننا قررنا في مرحلة ما انه لا يحسن ان نسأل بعد اسئلة عن القدس لان الصورة كانت مستقرة. فجميع الاستطلاعات انذاك اظهرت 80 – 85 في المائة من المعارضة لكل تنازل في القدس. اليوم معارضة التنازلات في جبل الهيكل هي بين 70 الى 75 في المائة، وهي في استطلاعنا 71 في المائة.

        في حزيران 1999 بين استطلاع "مقياس السلام" لجامعة تل ابيب ان 83 في المائة يعارضون عاصمة فلسطينية في القدس. اليوم انخفض هذا الرقم. في استطلاع مركز بيغن – السادات نسبة معارضي وجود عاصمة فلسطينية في القدس هي 65 في المائة فقط من الجمهور.

        لا شك في ان نقطة التحول كانت هدم الحظر في موضوع القدس في تموز 2000 في كامب ديفيد، عندما حاولت حكومة ايهود باراك التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين على جميع نقط الخلاف. بدا باراك انذاك متنازل عن السيادة الاسرائيلية في جبل الهيكل ومنشغلا بمحاولة تقسيم المدينة بين اسرائيل والفلسطينيين. في واقع الامر منذ كان استعداد باراك لتقسيم القدس ونحن نرى وجود انخفاض يبلغ نحوا من 10 – 15 في المائة لتأييد الجمهور الحفاظ على القدس موحدة.

        وقف هذا الانخفاض عند حدود 65 – 70 في المائة. اي ان اكثرية كبيرة ما زالت تؤيد القدس الموحدة تحت سيادة اسرائيلية. هذه النسب مستقرة في السنين الاخيرة. لا شك في ان حملة الارهاب الفلسطينية منذ ايلول 2000 (الانتفاضة الثانية) تشدد مواقف الاسرائيليين من الفلسطينيين. على اية حال يبدو لي ان انخفاض تأييد وحدة المدينة ضئيل باعتبار عدة عوامل. لقد سمعنا اليوم ان التربية من اجل القدس ضئيلة. لا تكاد توجد تربية من اجل الاشتياق الى القدس. وقد ذكر المعطى الذي يعرفه اكثرنا وهو ان 50 في المائة من الجنود في الجيش الاسرائيلي لم يحظوا بزيارة القدس قبل وصولهم الجيش. وان جزءا كبيرا من الاسرائيليين يرون القدس مدينة خطرة. لهذا يقلون التنزه فيها. مثلا عندما حاولت ان اجري لطلابي جولة لرؤية الجدار في القدس – خاف بعضهم وسألوني ايجب السفر في سيارة مدرعة. فضلا عن ذلك ترى القدس مدينة حريدية وفي دولة اسرائيل لا يحبون الحريديين.

        يزور جبل الهيكل اليوم بضعة الاف كل شهر. في الحقيقة ضعف التحريم الشرعي لزيارة جبل الهيكل، لكن من يزورون الحائط الغربي اكثر مما يرزورون جبل الهيكل. اي انني في هذه الظروف اعجب من ان الانخفاض كان 10 في المائة او 15 في المائة فقط. فباعتبار هذه العوامل اعتقد انه ما يزال يوجد اخلاص كبير للقدس عند الجمهور اليهودي في اسرائيل.

        المتغير الذي يبين على افضل وجه مواقف الجمهور من موضوع القدس والتمسك بالقدس هو قوة الهوية اليهودية. فهي ابرز متغير. اي ان التمسك بالقدس من جهة احصائية يتصل اتصالا كبيرا بتدين المستطلعة اراؤهم.

        واثر اخر لمعطيات الاستطلاع هو ان اكثر الشعب لم يتعب وما زال مستعدا للمحاربة عن القدس. حتى لو كانت النتيجة اتفاق سلام مع العالم العربي كله فانهم ما زالوا غير مستعدين للتنازل عن جبل الهيكل. يبدو لي ان جزءا كبيرا من الاسرائيليين مستعد للاستمرار على النضال المتصل. يعارض سبعون في المائة من اليهود على الاقل اتفاق سلام فيه تنازل عن جبل الهيكل حتى لو كان الامر مصحوبا باستمرار النزاع. الشعب لم يتعب من التمسك بالقدس موحدة. من المحقق ان رئيس الحكومة ايهود اولمرت هو الذي تعب. قال في عدة خطب انه تعب من الانتصار في الحروب. اجل توجد في دولة اسرائيل نخب متعبة وسأحاول ان اصف باختصار لماذا توجد نخب تعبت وهي مستعدة للتنازل.

        قبيل اليوم الدراسي قرأت مرة اخرى كتابي شلومو بن عامي وجلعاد شار، يتحدثان عما حدث في كامب ديفيد، تنبع التنازلات التي اقترحت هنالك على الفلسطينيين من تصور متشائم جدا لمستقبل دولة اسرائيل. وهذا تصور حمائمي نمطي فحواه انه اذا لم يوجد اتفاق فسيكون وضعنا فظيعا. وكذلك يوجد وساس في الموضوع الفلسطيني وايمان اعمى بمركزية هذا الموضوع. اي انهم يرون انه يجب حل المسألة الفلسطينية والا فسيوجد تدهور اقليمي وسيكون وضع اسرائيل اسوأ وضع. تعتقد الحمائم ان المنطقة تخطو نحو مستقبل سيء فيه اصولية دينية وعمليات احراز قوة ذرية خطرة والرد على ذلك هو حل المشكلة الفلسطينية. انهم يؤمنون بذلك بالرغم من ان الحقائق التاريخية لا تعزز نظرية الحمائم. كانت انتفاضتان ولم يتوحد العالم العربي على اسرائيل. فضلا عن ذلك ما تزال الدول العربية التي ضعفت مكانتها الدولية على السنين تتحدث عن السلام مع اسرائيل. ينبغي ان نذكر ان اكثر العالم العربي في 2006 خاب امله لاننا لم نهزم حزب الله هزيمة منكرة، والدول العربية قلقة لاحتمال حصول ايران على القدرة الذرية اكثر من قلقها لعدم وجود دولة فلسطينية.

        شعار دوائر الحمائم هو انه يجب انهاء النزاع في اسرع وقت ممكن حتى لو كان ثمن ذلك التخلي عن سلامة القدس لانه لا يمكن الاستمرار على الانتصار والشعب متعب. لهذا يشعرون بشعور مأساوي عظيم، فحواه انه اذا لم يوجد اتفاق فان وضعنا سيتدهور وسيتعرض مستقبل الشعب اليهودي للخطر. أؤمل الا يصبح هذا التصور نصيب جميع النخب في الدولة.

انشر عبر