غزة تنتزع رغبة القتال لدى الاحتلال

غزة تفشل أهداف "إسرائيل"..والمقاومة تفرض معادلاتها

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 11:28 م
29 اغسطس 2021
مسيرات العودة  (42).JPG

على مدار الأعوام الماضية، شغلت المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" للعمل على نزعة رغبة المقاومة لدى الفلسطينيين، في محاولة لتجنب "الإسرائيليين" خسائر مادية وبشرية على إثر عمليات المقاومة الفلسطينية ضد المصالح "الإسرائيلية".

الأمر لم يكن سهلاً، فهذا الصراع على جيل كامل، يجب غزوه فكرياً، وصولاً لحالة التسليم بوجود إسرائيل، ليس هذا فحسب بل والدفاع عنها وعن حقها في الوجود، مستخدمة كافة الطرق والأساليب الترغيبية والترهيبية، من أجل إخضاع الفلسطينيين وتضييع حقوقهم.

إسرائيل والتي تدرك مدى صعوبة تحقيق امنياتها، تدرك جيداً أنها لن تنجح في كبح جماح الفلسطيني الذي رفض كل الامتيازات التي قدمتها إسرائيل مقابل التنازل عن حقوقه، فحمل السلاح وقاتل جيشها بكل قوة، رغم فوارق التسليح العسكري والعمل الأمني.

ميدان غزة

غزة لم تكن عصية على إسرائيل وحدها، فالتاريخ شاهد على أنها كانت مقبرة للغزاة، رغم صغر حجمها، ليدرك الجيش الإسرائيلي لاحقاً أن لا خيار أمامه إلا الانسحاب منها، تحت ضربات فصائل المقاومة الفلسطينية.

غزة والتي تحاصرها إسرائيل على مدار الـ15 عاماً، خاضت العديد من جولات القتال، لتخرج منها ببأس أقوى وأشد من ذي قتل، فخبرة القتال منحتها لمقايليها، كما وازدادت ثقافة القتال لديها، على غرار جيش الاحتلال الإسرائيلي والذي شعر بالضعف والهوان خلال تلك الحروب.

أهداف كثيرة وضعتها القيادة الإسرائيلية مع بدء كل جولة من جولات التصعيد، لكنها لم تحقق أدناها وهي جلب الهدوء لمستوطنات غلاف غزة، هذه الإخفاقات ولدت احباطاً واضحاً في نفوس المقاتلين الإسرائيليين، الأمر الذي نزع منهم رغبة القتال ساحات المعارك.

المعادلات العسكرية على الأرض، والتي يسعى الجيش لتثبيتها مع غزة، لم تجد نفعاً أمام إصرار الغزيين على انتزاع حقوقهم ورفع الحصار الظالم، بل وفرضت المقاومة الفلسطينية معادلاتها، أمام دولة تعتبر أنها الأقوى في المنطقة.

إيلان إيزيكسون، ضابط الأمن في المجلس الإقليمي إشكول، عقب على تصاعد الأحداث الأخيرة من جهة غزة بالقول، "لم نتفاجأ بالحرائق والتوترات عند الحدود مع غزة، نحن نفهم دائمًا أن هناك اتجاهًا للتصعيد، لكن في النهاية نحن الطرف المتضرر، ليس من الممكن أبدًا فهم ما يحدث على الجانب الآخر، ولكن من الأفضل أن نكون مستعدين".

 الواضح هنا أن ضباط الجيش الإسرائيلي أدركوا جيداً أن غزة ليست مكاناً يمكن الاستهانة به، فبعد كل ما حل بها، إلا أنها لا زالت تقاتلنا بقوة أكبر وأشد من ذي قبل، هذا الأمر جعل قادة الجيش يفكرون جيداً عند أي عمل في القطاع.

المقاومة تبادر

المقاومة الفلسطينية في غزة، أدركت تمام مدى مخاوف إسرائيل من تعاظم قوتها، وأدركت مدى تأثيرها على صناع القرار في إسرائيل، ونسجت خططها على معلوماتها وفهمها الدقيق للعقيد القتالية الإسرائيلية.

نفذت غزة ضربات عسكرية على تل أبيب، بالتوازي مع شنها حربا نفسية على المجتمع الإسرائيلي بكافة شرائحه العسكرية والمدنية، وأدركت تماماً أنها الأقدر على فرض معادلة نزع رغبة القتال، مستغلة الهزائم والإخفاقات التي منيت بها القيادة العسكرية  والسياسية الإسرائيلية.

الأمر لم يكن متوقعاً بأن تبادر المقاومة الفلسطينية عمليات إطلاق النار تجاه إسرائيل، في صورة جعلتها أمام العالم بأنها صاحبة السيادة على هذه الأرض، وأن حقوقها لا مجال من التلكؤ فيها، فإما تحقيقها وإما النار.

الجيش الإسرائيلي بدأ أمام هذا المشهد في معضلة كبيرة، فصورته اهتزت أمام جنوده الذين طالما يقضون خدمتهم العسكرية كرها، كما وانتزعت ثقة شعبه به، وفشل في توفير الأمن لمستوطنيه، والدفاع عنهم.

مبادرة الفصائل في الجولات الأخيرة ضد الجيش الإسرائيلي، كان لها أثر واضح على مسميات الحروب، والتي انتقلت من نظرية الهجوم الكاسح، للدفاع وحماية المصالح، فسيف القدس والتي بادرت الفصائل فيها من أجل حماية القدس، رد عليها الجيش الإسرائيلي بحملة "حماية الأسوار"، في صورة أظهرت مدى تراجع الأداء العسكري من الهجوم المبادر، إلى الدفاع الخائف.

ووفقاً لصحيفة معاريف العبرية، غـــزة تحدي الجيش الإسرائيلي والحكومة ، لأن نتائج العدوان الأخير وإنجازات الجيش فيها لم تكن كافية لتغيير الوضع بما يؤدي إلى الهدوء.

وأوضحت أن الجيش بدأ أيضًا في استيعاب ذلك، رغم أولوية الجيش في التركيز على قضية إيـران، لكن كما هو الحال دائمًا غـــزة الصغيرة المعقدة والتي يصعب حلها، قد تأخذ قريبا الحيز الأكبر من اهتمام الجيش.

هذا الأمر لم يبدأ من هذه المعركة فحسب، بل كان نتاج عمليات عسكرية إسرائيلية، أخفقت في تحقيق أهدافها، أضرت بحالة الردع الإسرائيلية، وهزت صورته أمام جنوده وشعبه، الأمر الذي عزز الروح القتالية لدى المقاوم الفلسطيني.

الصورة الانهزامية لم تقف عند بدء الجولة فحسب، لكن مع انتهاء جولة القتال، بدأت المعارضة الإسرائيلية والجمهور الإسرائيلي، معركة محاسبة المقصرين في القيادة، وصولاً للإطاحة بأعلى سلم سياسي في إسرائيل بنيامين نتنياهو.

انهزامية الجيش الإسرائيلي لم تقف عند هذا الحد، فالمعادلات لم تفرض، والميدان اشتعل مجدداً، وان اختلفت الصور لكن النتائج واحدة، فالأمن والأمان لم يتحقق بعد في البلدات الإسرائيلية المحاذية لغزة، ولن تكن مدن الوسط والشمال في مأمن اذا انزلقت الأحداث لحرب مفتوحة.

فبعدما انتزعت رغبة القتال لدى الجيش الإسرائيلي، استطاع الفلسطينيون في غزة، الضغط على كل إسرائيل بأبسط الأدوات العسكرية، فالمقاومة الشعبية البدائية، أصبح أثرها كبيراً على أقوى جيوش المنطقة، بل وجعل العالم أجمع يصوب أنظاره لحقوق طال انتزاعها.

ساعة الصفر

ساعات صفرية أقلقت القيادة الإسرائيلية وقضت مضاجعها، أخلت مدنناً بعدما كانت تعج بالسكان، نصرت مقاوماً بالرعب دون استخدام السلاح، وحققت مكاسب دون ثمن.

المقاومة الفلسطينية تعلمت الدرس جيداً بعد كل جولة قتال، استخلصت الدروس والعبر، وأنشأت المعاهد العسكرية، ودرست المنهاج العسكري المقاومة، لتخرج جيلاً يدرك ويفهم جيداً شخصية عدوه.

تجلت حنكة المقاومة الفلسطينية بإعطاء تعليمات صارمة لجنودها في الميدان حول آليه استخدام الأسلحة النارية حسب كل مرحلة، وذلك بهدف تفويت الفرصة على العدو من اعتبار ذلك مبرراً له لاستخدام آليته العسكرية ضد المدنيين، وتركيز القيادة على أهمية استعمال وسائل وأساليب وأدوات المقاومة المختلفة.

فتحديد ساعات الصفر، في الحروب والمعارك هو إظهار للقوة، ودليل على أن القرار جاهز للتنفيذ، وهي بذلك أسقطت صورة الجيش الإسرائيلي، أمام  شعبه والعالم الذي يشاهد كيف تضرب إسرائيل على يد المقاومين.

إلى جانب ذلك، أظهرت المقاومة الفلسطينية من خلال تحديدها لساعة الصفر، أن لديها أخلاق في الحروب، فهي تمنح المدنيين فرصة للإخلاء والهروب من أماكن القصف، على عكس ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من استهداف المدنيين الأمنيين، هذا الأمر نزع الثقة من جيش إسرائيل أمام العالم والذي يحاول على مدار الوقت تشوية صورة المقاوم الفلسطيني.