شريط الأخبار

د.إبراهيم البحراوي يكتب: مفهوم أرض إسرائيل الكاملة وقانون الانكماش والتمدد

03:28 - 31 حزيران / مارس 2009

  بقلم د. إبراهيم البحراوى*

   أستاذ الدراسات العبرية-جامعة عين شمس

اسمحوا لى فى البداية أن أوجه الشكر إلى الأستاذ محمد بركات، رئيس تحرير الأخبار، لإرسائه تقليدًا صحفيًا رفيعًا. لقد نشرت صحيفة الأخبار يوم الجمعة الماضى ٢٧/٣/٢٠٠٩ فى الذكرى الثلاثين لمعاهدة السلام مقالاً كنت قد نشرته منذ ثلاثين عامًا، وبالتحديد بتاريخ ٣١/٧/١٩٧٩ بنفس الصحيفة تحت عنوان «معاهدة السلام والانكماش الجبرى الإسرائيلى».

 

لقد رأى الأستاذ بركات أن محتوى المقال مازال صالحًا ونافعًا للمصريين رغم كل هذه السنوات، فالمقال يقدم تفسيرًا موضوعيًا للانسحاب الإسرائيلى من سيناء يصب فى معنى الجبر والاضطرار وليس الطواعية. إن هذا التفسير مازال صالحًا حتى يومنا هذا كعدسة نبصر من خلالها الأسباب التى تدعو إسرائيل إلى الاستمرار فى التمسك بالجولان وبالضفة الغربية لغياب الجبر.

 

لقد أجبرت إسرائيل عام ١٩٧٩ على هجر مفاهيم التوسع التى كانت قد تمددت وانتعشت بين الساسة والجماهير تجاه سيناء وذلك نتيجة للمزج الذى قام به السادات بين الفعل العسكرى المزلزل فى حرب أكتوبر وتطويع الموقف الأمريكى للضغط على مناحيم بيجن صاحب مقولة «إن سيناء جزء من أرض إسرائيل الكبرى» لكى يوقع ويسحب قواته ومستوطنيه مرغمًا ليقع بعد ذلك فى حالة اكتئاب حاد لم يخرج منها إلا بالموت كمدًا.

 

إذن لم ينتظر الكاتب المصرى مرور الوقت لكى يحدد الأسباب الحقيقية التى أملت على إسرائيل الانكماش الجبرى عن سيناء ولم تتقاعس صحيفة الأخبار الرسمية عن إعطاء المساحة الكافية لهذا التفسير الذى رافقه فى السياق نفسه تحذير للمصريين.. لقد أوضحت فى ذلك المقال الذى أعيد نشره منذ أيام بالصفحة الرابعة عشرة من صحيفة الأخبار وتحت عنوان جانبى نصه «ليس انسحابًا طوعيًا» - أن على المصريين أن يكونوا متيقظين لاحتمال عودة مفاهيم التوسع الإسرائيلية إلى التمدد من جديد، وأن سيناء ليست فى مأمن من هذه الأطماع لمجرد وجود معاهدة.

 

جاء فى نص المقال التحذير بالعبارات التالية منذ ثلاثين عامًا: «ومعنى هذا فى رأينا أن الانسحاب الإسرائيلى من سيناء هو انسحاب جبرى بفعل الظروف المحلية والدولية الضاغطة وليس انسحابًا طوعيًا يعبر عن اختلاف فى البنية الفكرية التوسعية الإسرائيلية، أى أن هذا الانسحاب يمثل مجرد انكماش جبرى لنوايا التوسع الإسرائيلى وليس انتفاء هذه النوايا واختفاءها.

 

وهذا الانكماش فى رأينا يعادل الانكماش الجبرى عن سيناء تحت ضغط الظرف الدولى فى عام ١٩٥٦، وهو الانكماش الذى سرعان ما سعى إلى التمدد والبروز عندما تهيأ له الظرف الدولى المناسب عام ١٩٦٧. إننى أحاول بوضوح شديد أن ألفت أنظار رجال الفكر والسياسة فى وطننا إلى ضرورة اليقظة لاحتمال تغيير الظروف الدولية والإقليمية التى تسمح من جديد للانكماش الجبرى فى يايات التوسع بالتمدد الطوعى من جديد تمامًا كما تتمدد يايات فرامل السيارة عند ترفع ضغط قدمك عنها».

 

وإذا كانت مفاهيم التوسع التى تعبر عن نفسها فى مصطلحى «أرض إسرائيل الكاملة» و«أرض إسرائيل الكبرى» قد أطلت برأسها على نحو رسمى فى صفوف حكومة نتنياهو وذلك بانضمام حزب البيت اليهودى إليها.. فإن علينا أن ننبه الساسة العرب إلى أن جهودهم الجماعية التى تمثلها مبادرة السلام العربية لن تكون كافية وحدها دون ضغوط جبرية وقهرية لتحقيق فكرة السلام الشامل.

 

إن القانون الذى يتحكم فى مفهوم أرض إسرائيل الكاملة هو قانون التمدد الطوعى عندما تصبح الأرض العربية رخوة والرياح الدولية مواتية، وهو على الوجه الآخر قانون الانكماش الجبرى عندما تنتفض الجغرافيا العربية وتصب حممها وتفتح براكين قوتها على الغازى الأثيم ثم تتبع هذا بضغوط على الحلفاء الذين زرعوا إسرائيل من البداية، ومازالوا يرضعونها بالأسلحة والذخائر التقليدية والنووية ويضمنون لها التفوق على العرب مجتمعين عسكريًا.

 

ودعونا نستعرض تاريخيًا حركة مفهوم أرض إسرائيل الكاملة.. لقد اشتط خيال زئيف جابوتنسكى زعيم الصهيونية التنقيحية والأب الروحى لحزب ليكود الحالى، وأعلن فى العشرينيات من القرن الماضى أن أرض إسرائيل التى يجب أن تقام عليها الدولة اليهودية تشمل كل فلسطين وكذلك الضفتان الغربية والشرقية من نهر الأردن، أى أنها تشمل الأرض التى تقوم عليها الآن المملكة الأردنية الهاشمية.

 

أثناء حرب ١٩٤٨ طالب وريث جابوتنسكى وهو مناحيم بيجن باحتلال الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن بما أن الجيوش العربية لم تظهر الصلابة الكافية..

 

غير أن بن جوريون دفعه للإقلاع عن هذا الشطط لإدراكه أن القوى الغربية حريصة على وجود المملكة الأردنية الهاشمية، إمارة شرق الأردن، إذن اضطر مناحيم بيجن إلى الخضوع لقانون الانكماش الجبرى لغياب الرياح الدولية المواتية لأطماعه التوسعية.

 

وإذا أخذنا نموذجًا ثانيًا، عندما وقعت سيناء تحت الاحتلال عام ١٩٥٦ فى إطار العدوان الثلاثى على مصر ظن بن جوريون أن الظروف الدولية مواتية للتمدد فأعلن فى الكنيست أن سيناء قد عادت إلى أحضان إسرائيل غير أن التطورات التى تمثلت فى الضغط الأمريكى الذى مارسه الرئيس الأمريكى إيزنهاور قد أرغمت بن جوريون على ابتلاع أقواله المتمددة فانكمشت فى حلقه وانكمشت معها القوات الإسرائيلية عن سيناء.

 

إن النموذج الثالث بارز فى تجربة ١٩٦٧ وماتلاها. أما النموذج الرابع فهو ماثل اليوم أمامنا فى تشكيلة حكومة اليمين برئاسة نتنياهو التى ضمت ليكود، وريث جابوتنسكى، وليبرمان زعيم «إسرائيل بيتنا» الذى قرر أن يكون تلميذًا فى نفس مدرسة الصهيونية التنقيحية،

 

ثم «شاس» الذى اعترض على مفاوضات كامب ديفيد الثانية بين عرفات وكلينتون وباراك والذى وصف زعيمه الروحى الحاخام عوفاديا يوسف باراك فى ذلك الوقت بأنه فقد أهليته الدينية، وبالإضافة إلى هؤلاء يأتى الجنرال باراك زعيم حزب العمل خشية التقاعد فى صفوف المعارضة وليحافظ على جاذبيته كوزير للحرب قادر على ارتكاب الجرائم الوحشية دون تردد كما ظهر فى غزة.

 

وفوق كل هؤلاء الذين يخفون أطماع أرض إسرائيل الكاملة بعبارات مطاطة لتفادى الضغط الدولى مثل «التسوية الشاملة» ومثل «السلام الاقتصادى» ومثل «السلام مقابل السلام» نجد حزب البيت اليهودى الذى يضع مفهوم أرض إسرائيل الكاملة فصيحًا فى صدر برنامجه، السؤال الآن هو: ماذا يفعل العرب بعد أن بينا لهم القانون واضحًا دون لبس.

*المقال منشور في صحيفة "المصري اليوم"-31/3/2009

انشر عبر