خيارات المقاومة الأصعب بعد معركة سيف القدس

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 11:25 ص
15 يوليو 2021
سري سمور
سري سمور.jpeg

انتهت معركة "سيف القدس" في أيار/ مايو الماضي بوقف غير مشروط لإطلاق النار، كي تبدأ فورا مرحلة حديث الطرفين (المقاومة والاحتلال) عن المرحلة القادمة كل وفق حساباته واعتباراته أو آماله وتوقعاته وطموحاته.

حصار غزة

مع أن جولة القتال الأخيرة لم تكن لأسباب تتعلق بالوضع في قطاع غزة؛ سواء الحصار وتداعياته أو عدوان مباشر على القطاع، بل اندلعت بسبب إجراءات الاحتلال العدوانية التهويدية في القدس خاصة في حيّ الشيخ جراح، والاعتداء على المصلين والمعتكفين في مصليات وساحات المسجد الأقصى في الثامن والعشرين من رمضان، إلا أن المقاومة اعتبرت أن النتيجة الأوتوماتيكية ليست أقل من رفع الحصار الخانق عن غزة، والمفروض منذ 14 سنة؛ ذاق فيها أهل القطاع الويلات، فارتفعت معدلات الفقر والبطالة باطراد مع نقص في الغذاء والدواء، وكذلك مواد البناء والتي صار توفرها ضرورة ملحة لإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية إبان الجولة الأخيرة أو الجولات السابقة.

وقد كانت تصريحات قائد حركة حماس في غزة "يحيى السنوار"، هو وزملاؤه في قيادة الحركة، إضافة إلى تصريحات مشابهة متطابقة من قادة الفصائل الأخرى، واضحة، وشددت على ضرورة إنهاء الحصار كخطوة ضرورية لتثبيت وقف إطلاق النار. وأكدت هذه القيادات في أكثر من مناسبة أن استمرار الحصار، والمماطلة والتسويف، سيؤدي إلى اندلاع جولة جديدة أشد وأعنف من سابقاتها، وطلبت من الوسطاء إيصال هذه الرسالة إلى الاحتلال.

مصر ورؤية الاحتلال

بدا الموقف المصري مختلفا هذه المرة عنه في الجولات السابقة؛ فقد أدخلت مصر عبر معبر رفح معدات وآليات لإزالة ركام وآثار القصف والدمار الناجم عن الغارات الإسرائيلية، وسمحت بإدخال مساعدات غذائية وطبية، وبعض مواد البناء. كما أن الإعلام المصري بدا أكثر إيجابية، بل تغير تعاطيه مع غزة والمقاومة من العداء والسخرية إلى الإطراء والتشجيع نوعا ما.

وتوّجت التوجهات التي بدت جديدة ومختلفة بزيارة رئيس المخابرات المصرية "عباس كامل" إلى قطاع غزة ولقائه بقيادة حماس وبقية الفصائل، في مشهد أثار اهتمام العدو والصديق، كون الزائر هو الرجل الثاني في النظام المصري.

وسمع أهل غزة والعالم أجمع، تصريحات مصرية مفادها أن مصر ستسعى لتثبيت وقف إطلاق النار وصولا إلى اتفاق تهدئة، وأنها ستساهم وتشرف على إعمار غزة، وستسعى إلى إنهاء حصار غزة تماما، وبالطبع ستضغط على الاحتلال كي يكف عن استفزاز الفلسطينيين في القدس كي لا ينفجر الموقف من جديد.

ولكن الاحتلال أراد - وما يزال يريد - إيصال رسالة إلى المقاومة ومن ناصرها وتعاطف معها، وإلى حاضنتها الشعبية في غزة، بأن المعركة لم تجلب لكم إلا الدمار والخراب، وأن وضعكم قبلها أفضل مما سيكون بعدها بكثير، مع سعي بالقول والفعل على الأرض لجعل الناس في غزة يصلون إلى حال المثل الشعبي "كأنك يا أبو زيد ما غزيت!"، وذلك بإجراءات ومواقف نلخصها بما يلي:

1) ربط ملف إعادة إعمار غزة وتخفيف (وليس رفع) الحصار بحل ملف الجنود الأسرى لدى المقاومة.. والمقاومة رفضت هذا الربط بين الملفين، وفي نفس الوقت يبدو أن التقدم في المفاوضات لإبرام صفقة تبادل جديدة بطيئة ومتعثرة، وليس من المنطق والمعقول أن ينتظر أهل غزة المحاصرين حدوث تقدم وإبرام صفقة تبادل في ظل الدمار والتجويع، كما أنه لا توجد ضمانات بالتزام الاحتلال فعليا بعدم عرقلة إعادة الإعمار لو تمت الصفقة.

2) منع إدخال المنحة القطرية التي كانت تدخل في حقائب (كاش) مع المبعوث القطري إلى غزة، واشتراط تحويلها عبر السلطة أو الأمم المتحدة.

3) قصف عدة مواقع تابعة للمقاومة بحجة إطلاق بالونات حارقة من غزة نحو مستوطنات محاذية للقطاع، في خرق واضح لقواعد الاشتباك المعروفة، ومحاولة خلق قواعد اشتباك جديدة، وفرض معادلة يصوّر فيها الاحتلال نفسه بأنه صاحب اليد الطولى، وأنه هو من خرج منتصرا انتصارا يتيح له إملاء شروطه، وما يترتب على ذلك من إحراج للمقاومة التي رفضت قبول هذه المعادلة.. ما زال الرفض قولا لا فعلا حتى اللحظة.

4) تهديدات مستمرة على لسان قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين، باستئناف سياسة الاغتيالات، وتكثيف الرد القاسي المضاعف غير المسبوق على المسيرات (إذا استؤنفت) وفعاليات الإرباك الليلي وكذا على إطلاق البالونات، مع تقليص مساحات الصيد في البحر، وتقليل حجم ونوع المواد التي تدخل عبر المعابر.

بداهة، لا يمكن للمقاومة التي ترى نفسها وأعلنت أمام شعبها عن انتصارها، وهو انتصار أكده كثير من الساسة والخبراء والمحللون مع جمهور كبير فلسطينيا وعربيا، قبول هذه المعادلات الجديدة التي يريد الاحتلال فرضها.

وهنا توجهت المقاومة إلى الوسطاء وعلى رأسهم وفي مقدمتهم مصر، والتي خفتت اندفاعتها التي تلت المعركة نحو رفع الحصار وإعادة الإعمار، بفعل الضغوط الإسرائيلية، وصار كل ما يهم مصر ألا ينهار وقف إطلاق النار الهش، بالطلب بل بالضغط على المقاومة كي تتحلّى بالصبر وضبط النفس، على اعتبار أن في إسرائيل حكومة جديدة برئاسة "نفتالي بينيت" قائمة على أغلبية ضئيلة وتحالف مهدد بالتفكك في أية لحظة، ولذا تحتاج إلى الظهور أمام الجمهور الإسرائيلي بمظهر قوي حازم حريص دون تهاون على أمن الكيان، كي لا يعود نتنياهو بقوة إلى الحكم!

بالتأكيد ترى المقاومة ومعها جمهورها، ألا شأن لنا بالحسابات السياسية والائتلافية داخل الكيان، وتؤكد المقاومة يوميا تقريبا، على أنها لن تقبل حتى بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل المعركة، فكيف لها أن تقبل وتتغاضى عن محاولات وإجراءات تجعل الأوضاع أسوأ بكثير، وهو ما يسعى إليه الاحتلال، مرتاحا من أي ضغط دولي أو إقليمي؟!

وهنا أيضا يجب التنويه إلى مسألة مهمة يجهلها أو يتجاهلها أو يقلل من أهميتها متابعون ومهتمون كثر، وهي أن ملف غزة والأسرى وكيفية التعامل مع المقاومة وفصائلها، أمور يقرر بشأنها الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن والمخابرات، وليس نتنياهو سابقا أو بينيت حاليا. فالسياسيون مهمتهم أن يكونوا صدى لقرارات هذه المؤسسات في الكيان العبري، وإذا ما فكر أي سياسي بالتمرد فسينتهي مستقبله السياسي.

إلى أين تذهب الأمور؟!

المشهد السياسي والميداني في أقصى درجات التشابك والتعقيد؛ فقرار الحرب ليس سهلا، لا على المقاومة ولا على الاحتلال، مع التسليم والقناعة بحقيقة ثابتة، وهي أنه بعد كل جولة قتال يكون السؤال: متى ستندلع التالية؟ وليس "هل" ستندلع أصلا.

واستبعاد خيار المواجهة يعني عمليا قبول شروط ومحددات المعادلة الإسرائيلية الجديدة، وهو ما يعني استسلاما مهينا لا يستقيم مع الإنجاز الذي تحقق في الميدان، وهو ضد طبيعة ومنطق الأشياء.

وعليه، تعالت وتتعالى بتصاعد مستمر حتى كتابة هذه السطور أصوات من قادة المقاومة السياسية والعسكرية؛ بأن عدم رفع الحصار واستمرار تجويع أهالي غزة دونه الذهاب إلى جولة قتال شديدة وعنيفة أكثر من كل ما سبق من جولات.

وهنا سؤال يطرح نفسه: حتى لو دخلنا في جولة قتال جديدة، ألن تنتهي بوقف لإطلاق النار بوساطة مصرية، مع تواصل واستمرار الحصار؟ بالتجربة هذا ما كان، ويبدو أن المقاومة تضع في حسبانها أنه إذا كان لا بد من الذهاب مجددا نحو التصعيد، فيجب أن يسبق وقفه إجراءات فعلية لرفع الحصار تماما.

خلال الفترة الماضية منحت المقاومة الوسطاء فرصة؛ متحلية بضبط النفس وصبر عملي على استفزازات واعتداءات الاحتلال، مع استمرار التلويح بتفجير الأوضاع، وذلك كي تأخذ الوساطات مداها وفرصتها لتحقيق اختراق معقول، أيضا بسبب امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) في الضفة والقطاع، وقرب حلول عيد الأضحى.

ولكن صواعق التفجير متعددة وقابلة للاشتعال في أية لحظة؛ مثل عودة المستوطنين وسلطات الاحتلال إلى توسعة عدوانهم على المسجد الأقصى وأهالي القدس، أو قيام الاحتلال بتنفيذ عملية اغتيال، أو الإصرار على مواصلة الخنق والحصار، ذلك أن المقاومة لن تقبل معادلة الموت البطيء.

ومع ذلك ثمة وجهة نظر أخرى تتبنى نظرية اتباع المقاومة والاحتلال سياسة "حافة الهاوية"، أي التهديد بالتصعيد والإعلان عن فشل الوساطات ومقترحات التهدئة، قبل أن تنفرج الأمور، وأن التهديدات هدفها الضغط على الوسطاء لتسريع إنجاز الملفات العالقة، وأن الاحتلال سيتخذ سياسة قول الشيء والعمل بنقيضه (هناك صحفيون إسرائيليون يتهمون حكومتهم بهذا)، وسيتم تخفيف الحصار إلى حد كبير، وستكون هناك آلية مقبولة لإعادة الإعمار وإدخال المنحة القطرية بما يرضي جميع الأطراف، بحيث يقدم كل طرف ما سيتم الاتفاق عليه كإنجاز له.

فالاحتلال ليس مستعدا للمواجهة خاصة بريا في هذه المرحلة، والمقاومة تريد بتأجيل المواجهة أن تسمح للناس بالتقاط أنفاسهم، وأن تزيد وتراكم قوتها التي ثبت أنها تتطور نوعا وكمّا بطول فترات الهدوء.. هذه حسابات قائمة وواقعية، ولكن حدثا ما قد يقلب الأمور تماما.

وثمة بعد مهم لو استؤنف القتال، وهو هل ستظل غزة وحدها تتلقى القذائف وترد عليها بقصف المستوطنات، أم ستفتح جبهات أخرى في الشمال مثلا؟

وعلى الصعيد الشعبي والجماهيري، هل سيكون التفاعل لو اندلع القتال بسبب استمرار الحصار؛ بحجمه ومثله لو اندلع بسبب القدس والأقصى؟

في النهاية، فإن شيئا مؤكدا هو استحالة قبول المقاومة لا بعودة الأمور إلى كانت عليه قبل معركة سيف القدس، بله القبول والتسليم بوضع أسوأ ويحمل مهانة ونكثا بالوعود التي قطعتها لشعبها.. والأيام والأسابيع القادمة حاسمة ومصيرية؛ فإما تصعيد وجولة شرسة جديدة من القتال لا تنتهي إلا بإنجاز عملي ميداني واضح، أو التوصل إلى تفاهمات قوامها صوت إسرائيلي مرتفع صاخب قائم على العجرفة والتهديد، مع ما يناقض ذلك على أرض الواقع.