شريط الأخبار

المفاوضون العرب بعد السادات.. الخطأ منهجا

11:58 - 27 تموز / مارس 2009

أكرم خميس

يجهد بعض مؤيدي السلام المصري – الإسرائيلي أنفسهم مع كل ذكرى تتصل بهذا الموضوع، الحديث عن بعد نظر الرئيس الراحل أنور السادات ونظرته المستقبلية العميقة ونجاحه في استرداد أرضه وتجنيب شعبه ويلات الحروب، متهمين الذين رفضوا سياسته بالتخلف وعدم الواقعية والاستغراق في الشعارات.

ويعقد هؤلاء المقارنات بين وضع عملية التسوية المتعثرة حاليا، وحالها لو كان العرب قد ساروا خلف الزعيم المصري في مبادرته للسلام، معتبرين أن ما حققته مصر من خلال السلام مع إسرائيل يشكل "نموذجا"، سواء من حيث مضمونه الذي أعاد سيناء كاملة لأحضان الوطن، أو من حيث ديمومته واستقراره والتزام طرفيه بما وقعا عليه.

 

في المقابل لا يزال معارضو الرئيس السادات يدورون في ذات الحلقة القديمة، فهم يحملون الرجل مسئولية تضييع الحقوق العربية، وإفقاد مصر زعامتها للوطن العربي، بل وتكبيلها بالالتزامات التي تمنعها من الوفاء بواجباتها القومية. وأكثر من ذلك، يعتبرون أن عدوانا كالذي استهدف أهل غزة في ديسمبر ويناير الماضيين مجرد نتيجة للسلام المصري – الإسرائيلي، والذي حول القاهرة – بحسب تحليلاتهم – من طرف رئيسي إلى مجرد شاهد، ثم إلى وسيط، وأخيرا إلى وكيل لأطراف أخرى.

 

ولا يزال هؤلاء يستخدمون ذات المفردات القديمة في وصف الرئيس الراحل، فهو تارة "الخائن الأعظم"، وأخرى "عميل للمخابرات الأمريكية"، معتبرين أن إظهار ما يسمونه "حقيقة السادات" يشكل مهمة وطنية وقومية تستحق الانشغال بها، ولو كان ذلك على حساب المستقبل.

 

يدهشك أن كلا الطرفين لا زال، رغم مرور ثلاثة عقود على اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية، يفكر بذات المنطق... ويدهشك أكثر أن كل من راجع نفسه على أي من  جبهتي التأييد والرفض اختار أن ينتقل للجبهة المضادة مرددا نفس مقولات أصحابها، وكأن لا بديل أمام العرب وهم يتعاملون مع هذه القضية الكبرى سوى طريقين؛ تمجيد الرئيس السادات وسياسته، أو تخوينه وإهالة التراب على ذكراه.

 

إن مثل هذا الاستقطاب هو الذي أدى، كما يقول أستاذ العلوم السياسية البارز الدكتور بهجت قرني، إلى حرمان الأمة العربية من فرصة التعلم من أخطائها. وفيما يخص عملية التسوية تحديدا، تظهر القراءة التاريخية لتطوراتها أن العرب لم يتعلموا الدرس، بدليل أن ذات الأخطاء التي تنسب للرئيس السادات، تكررت من جانب خلفائه على طريق السلام، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

 

أخطاء السادات.. قراءة هادئة

 

بعيدا عن حملات التخوين التي انطلقت ضد السادات إثر إقدامه على التفاوض المباشر مع إسرائيل، يمكن الإشارة إلى مجموعتين من الأخطاء التي وقع فيها الرجل خلال عملية التفاوض. الأولى سجلها معارضوه، والثانية أقر بها مؤيدوه رغم محاولاتهم الدائمة لتبريرها.

 

يقول المعارضون إن الرئيس السادات عزل مصر عن أمتها بتفاوضه الفردي والسري مع إسرائيل؛ مما أفقد الصراع العربي – الإسرائيلي صفة الشمول التي لازمته منذ بدايته. ويرون أن العائد التفاوضي جاء أقل من الإنجاز الحربي في أكتوبر 1973، فقد عادت سيناء لمصر  منقوصة السيادة، وحصلت إسرائيل على ضمانات مشددة بعدم عودة القاهرة لحالة الحرب معها.

 

ويرد عقلاء المعارضين تواضع هذا العائد لأسباب تتصل بشخصية السادات، حيث يرون أن فردية الرئيس الراحل في اتخاذ القرار ورغبته في إرضاء الولايات المتحدة بأي ثمن، واندفاعه غير المحسوب على طريق الانفتاح الاقتصادي، تشكل في مجملها إطارا مفسرا لما شهدته عملية التفاوض من تسرع وتهاون وعدم استماع للرأي الآخر حتى لو كان ناصحا.

 

في هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الرئيس السادات واجه معارضي الاتفاقية بعدد من الإجراءات القمعية ومنها حل مجلس الشعب، وتغيير لائحة العمل الطلابي، ومهاجمة التيارات الوطنية ورموزها، واعتقال معظم معارضيه، علما بأن من قتلوا الرئيس فيما بعد برروا فعلتهم برفضهم للسلام مع إسرائيل.

 

ويلخص أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن نافعة ذلك كله في مقولة رئيسية هي: "إن الدرس الأهم الذي يمكن الخروج به بعد 30 عاما من اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية يتمثل في خطورة ترك قضايانا المصيرية بيد حكام ديكتاتوريين أيا كانت طبيعتهم".

 

أما الذين اقتربوا من عملية التفاوض أو شاركوا فيها مثل وزير الشئون الخارجية حينذاك الدكتور بطرس غالي، ووزير الخارجية لاحقا محمد إبراهيم كامل، فقد سجلوا ملاحظات مهمة على تفاصيلها. ومن ذلك أن الرئيس السادات، وفي سبيل إثبات سلامة اختياره، تهاون في الكثير من المسائل، بل وتجاهل في بعض الأحيان نصائح مستشاريه المطالبة بالتشدد في قضايا جوهرية، وذلك نتيجة خوفه من أن يؤدي هذا التشدد إلى انهيار المفاوضات ومن ثم شماتة العرب فيه. ومن ذلك أيضا انفصال الرئيس السادات، بشخصه وقراراته، عن أعضاء  الفريق المفاوض، حيث كان لا يشاركهم التفكير، ولا يشركهم في مبادرات مفاجئة أطلقها في حضورهم.

 

ويعترف بعض ممن شاركوا في عمليات التفاوض بأن الرئيس السادات جعل العملية كلها تخضع لمزاجه الشخصي، فهو تارة يهدد بالانسحاب، وأخرى يأمر فريقه بالاستمرار، وثالثة يعطي وعودا تتناقض مع تصريحاته بشأن حقوق الفلسطينيين. يقول الدكتور بطرس غالي، وحسب ما جاء في مذكراته الموسومة "طريق مصر إلى القدس"، إن الرئيس السادات كان مهتما بالأساس باستعادة الأراضي المصرية وعودة سيناء إلى الوطن، أما المسائل الأخرى ومنها مسالة الحكم الذاتي الفلسطيني التي وردت بمعاهدة كامب ديفيد، فكانت كلها أمور  ثانوية يمكن إرجاؤها إلى حين تحقيق الأولوية الرئيسية".

 

الأخطاء التي وقع فيها الرئيس السادات، وهي بالطبع لا تلغي إيجابياته، تم رصدها في العديد من الكتب والدراسات التي صدرت طوال عقد الثمانينات، بل إن معظمها كان يتردد في وسائل إعلام الدول والجماعات العربية المناهضة للتسوية السلمية والتي قبلت لاحقا بالسير على ذات الطريق.. فهل كان ذلك كافيا كي لا يقع "المفاوضون الجدد" في تلك الأخطاء؟ وهل استفاد المفاوض العربي من تجربة مصر على طريق التسوية السلمية مع إسرائيل؟ ثم هل شكلت هذه التجربة خلفية مساعدة لهم؟.

 

لقد دلفت دول الطوق إلى ساحة التفاوض مع إسرائيل برعاية أمريكية بعد 11 عاما من الاتفاق المصري الإسرائيلي، وذلك في إطار ما عرف بعملية مدريد التي انطلقت في أكتوبر 1991، وكانت تقوم على فكرة التسوية الشاملة لمختلف مسارات الصراع، لكن هذه العملية سرعان ما اصطدمت بحائط الفشل، فاتحة الطريق أمام عمليات تفاوض ثنائية وسرية أسفرت أولا عن توقيع اتفاق مبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وتل أبيب في سبتمبر عام 1993 (اتفاق أوسلو)، ثم اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في عام 1994، فضلا عن ملامسة  سوريا حدود التوقيع على اتفاق ثالث كان من الممكن أن يؤدي لتسوية رابعة على المسار اللبناني.

 

ولحسن الحظ، فقد باتت تفاصيل عمليات التفاوض العربية – الإسرائيلية متاحة للباحثين على نحو يسهل معه التعرف على حدود استفادة المفاوضين العرب مما وصف بأخطاء تجربة التفاوض المصرية التي بدأت بزيارة السادات الشهيرة للقدس المحتلة في نوفمبر 1977، وأسفرت عن إبرام معاهدة كامب ديفيد (سبتمبر 1978)، ثم اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية (مارس 1979).

 

التجربة الفلسطينية من عرفات إلى عباس

 

تقول التجربة إن طريق الفلسطينيين إلى عملية التسوية لم يختلف كثيرا عما سلكه الرئيس  السادات؛ فالبداية كانت مفاوضات ثنائية سرية جرت من وراء ظهر الجامعة العربية وبالتحايل على إطار مدريد الجماعي في أوسلو، وأسفرت عن توقيع كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين والرئيس الفلسطيني اتفاق إعلان المبادئ المعروف باسم "اتفاق غزة – أريحا أولا"، وذلك في ساحة البيت الأبيض وبحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، تماما كما فعل السادات ورئيس الحكومة الإسرائيلية مناحم بيجين في حضور الرئيس جيمي كارتر.

 

وكمعارضي السادات، يقول الرافضون لهذا الاتفاق أن عائده جاء أقل من الإنجاز الذي حققته انتفاضة 1987، وهم يعتبرون أن عرفات قد سلخ بقبوله للتسوية الثنائية القضية الفلسطينية من إطارها العربي والإسلامي، ومنهم من يقول إن سيطرة زعيم منظمة التحرير شبه المطلقة على مؤسسات القرار الفلسطيني في ذلك الوقت جعلته قادرا على فرض وجهة نظره  الشخصية على المنظمة حتى مع وجود معارضين بارزين له مثل رئيس الدائرة السياسية فاروق القدومي. ولذا يرون أنه تعامل مع التفاوض وكأنها اختبار شخصي له، وحرص على إكمال الشوط لنهايته طالما لم تصل الأمور حد التنازل المعلن عن القضايا المتفق عليها فلسطينيا، وفي مقدمتها القدس وعودة اللاجئين.

 

وكالرئيس السادات، كان عرفات – المعارض الشرس سابقا للسلام بين مصر وإسرائيل – واثقا من نجاح مهمته، ومصرا على إقناع شعبه بأن ما يقوم به هو الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق. وفي هذا الإطار يذكر للرئيس الراحل إطلاقه لتعبير "سلام الشجعان" لوصف عملية لم تكن بعد قد اكتملت، وإصراره على تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني.

 

والأهم من ذلك أن عرفات كان حريصا على إملاء وجهة نظره في قضايا بعيدة تماما عن حدود معارفه، ومن ذلك مثلا قضية التجارة بين أراضي السلطة الوطنية وإسرائيل. يقول سفير مصري سابق شارك في جولة مفاوضات جرت في باريس حول هذه القضية، إن "الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني توصلا لمسودة اتفاق شبه معقولة، فاتصل رئيس الوفد الفلسطيني بعرفات لإطلاعه على التفاصيل، فما كان من الأخير إلا أن سبه ولعنه واتهمه بخيانة القضية وتساهله مع الإسرائيليين"، ويضيف السفير نفسه أن "عرفات حضر جولة المفاوضات التالية ووقع اتفاقا جديدا كان من الناحية الموضوعية أسوأ ألف مرة من سابقه،  ومع ذلك أعلن للفلسطينيين أن ما حققه يمثل إنجازا على طريق السلام".

 

الفارق البارز بين الرئيسين الراحلين هو أن عرفات لم يصادر حق الفصائل الأخرى في رفض السلام، بل إنه نجح إلى حد بعيد في الحفاظ على جسور التواصل مع معارضيه، وفي مقدمتهم حركة حماس، عاكسا بذلك قناعته بأنه سيستفيد بهؤلاء عندما تتطلب الضرورة، وهو ما حدث عندما وصلت المفاوضات التي جمعته برئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك في منتجع كامب ديفيد (يوليو 2000) إلى طريق مسدود.. ربما كان هذا الفارق هو سبب انقلاب "شركاؤه" عليه، ثم إعلانهم مقاطعته ومحاصرته، قبل أن يقرروا التخلص منه نهائيا.

 

أما خليفة عرفات (الرئيس محمود عباس)، فيرى البعض أنه يكرر أخطاء الرئيس السادات كربونيا؛ فهو فضلا عن رهانه السافر على الطرف الأمريكي، وثقته المفرطة في الجانب الإسرائيلي، مستعد لإقصاء معارضيه ولو بشكل مخالف لقواعد الديمقراطية التي أتت به لمنصبه. لكن يختلف الرئيس عباس عن الرئيس السادات على مستوى الإنجاز، فإذا كان السادات قد توصل في نهاية مفاوضاته إلى نتيجة يمكن للباحثين اليوم أن يتداولوا فيها بالذم والمدح، فان عباس – وعلى الرغم من مرور أكثر من أربع سنوات على توليه الرئاسة لم يحقق من مفاوضاته المتصلة شيئا يمكن تسجيله في كتب التاريخ، اللهم إلا إذا كان دوره الشهير في إبرام اتفاق أوسلو هو سقف إنجازاته.

 

سوريا.. خطأ أوقفته إسرائيل

 

السوريون، هم أكثر من هاجم اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية في حينها، وكانت حجتهم في ذلك، فضلا عن الدوافع القومية، شعورهم بأن الرئيس السادات قد تخلى عنهم رغم رفقة السلاح التي جمعت الطرفين في حرب أكتوبر. وقد عبرت دمشق عن غضبها بالمشاركة في قيادة جبهة "الصمود والتصدي" الشهيرة، ثم باحتضان فريق من المعارضة المصرية.

 

على أن السوريين حين تفاوضوا، وعلى الرغم من خطابهم شبه المتماسك لتبرير إقدامهم على هذه الخطوة، لم يكونوا أفضل حالا من السادات نفسه. دخلوا إلى مؤتمر مدريد بخطاب يشدد على الحل الشامل وضرورة إلزام إسرائيل بقرارات مجلس الأمن، بل وزاد وزير خارجيتهم أيامها فاروق الشرع على ذلك بأن أخرج في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وثيقة بريطانية تؤكد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق شامير مطلوب للعدالة الدولية، لكن هذا الخطاب لم ينف أن السوريين وقعوا تقريبا في ذات الأخطاء التي يتهم الرئيس السادات بارتكابها.

 

فقد دخل السوريون ساحة التفاوض وتعاملوا معها برؤية الرئيس الراحل حافظ الأسد دون سواه، ثم حاولوا تكييف ذلك مع الخطاب الثوري لحزب البعث بالتمييز بين ما سموه تكتيكا يسمح بالتفاوض مع "العدو" والهدف الإستراتيجي الذي يتمثل في القضاء عليه.

 

وتماما كالسادات وظف الأسد الأب الحزب والجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها للترويج لهذا الخطاب، مع منع المعارضة بكل أطيافها من إبداء وجهة نظرها في هذا الاتجاه. ونتيجة لفشل مسار مدريد، قبل السوريون أيضا بالدخول في مفاوضات ثنائية سرية مع إسرائيل، بل إنهم  لامسوا في مرات عديدة حدود الإنجاز الرسمي. في هذا الإطار تقول المعلومات إنه لولا تردد حكومة باراك في اللحظة الأخيرة، ولحسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية وحدها، لوقع السوريون اتفاق سلام في عام 2000.

 

وحسب المعلومات التي توافرت لاحقا، فان سوريا أبدت ليونة كبيرة تجاه احتفاظ إسرائيل بمصادر مياه الأنهار التي تصب في بحيرة طبرية، إضافة إلى إظهار استعدادها لإجراء تغييرات تؤدي إلى رسم خط الحدود مع الدولة العبرية بحيث يمر بين خط الحدود الدولية الذي حدده اتفاق 7 مارس 1923 بين فرنسا وبريطانيا، وخط 4 يونيو 1967.

 

فضلا عن ذلك يعرف متابعو عملية التسوية العربية – الإسرائيلية أن السوريين كانوا يعلمون بان إسرائيل توظف المفاوضات معهم للضغط على الفلسطينيين، ورغم ذلك كانوا لا يحاولون تعطيل المسعى الإسرائيلي، وان كانوا قد سعوا لتعظيم استفادتهم منه.

 

أما المفاوضات الأردنية الإسرائيلية، والتي أسفرت في 26 أكتوبر 1994 بتوقيع اتفاقية وادي عربة، فقد تمت على ذات المنوال، وان كان الحديث عنها يقود في بعض الأحيان لزوايا أخرى لا مجال هنا للخوض فيها.

 

والنظام العربي يخطئ أيضا

 

لوزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر نظرية شهيرة قال إنه طبقها ونجحت خلال سنوات اقترابه من المنطقة العربية، وهي تقوم على معاملة العربي بمنطقين: الأول هو منطق  "السوق" إذا كان له حق، وبأسلوب "شيوخ القبائل" إذا كان مطلوبا منه شيء. بالمنطق الأول يقول كيسنجر: "يمكن لمن يفاوض العرب، الذين تعودوا على عرض سلعهم بأسعار تتجاوز أثمانها الحقيقية، أن يخفض مطالبهم لحدود متدنية جدا. وبالأسلوب القبائلي يمكن لمن يطرق بيت العربي أن يأخذ منه أولاده، وهو سعيد بذلك وفخور".

 

مثل هذه الرؤية فرضها الأمريكيون والإسرائيليون على العرب طوال عقود عملية التسوية؛  فالأطراف العربية، وكما تقول الشواهد، قبلت أو كانت مستعدة لقبول الحدود الدنيا لمطالبها المعلنة، ويشترك في ذلك السادات وعرفات وعباس والملك حسين. كما أنها قدمت – وبنص شهادات من شاركوا في المفاوضات - الحد الأقصى من الاستجابة للمطالب التي طرحت عليها.

 

أكثر من ذلك، تفاعل النظام الرسمي العربي مع ذات النظرية؛ فبادر خلال السنوات العشرين الماضية لتبني مجموعة من الخيارات التي تقترب كثيرا مع النمط الساداتي في التفاوض، ومن ذلك:ـ

 

ـ غياب الرؤية الواحدة لإدارة الصراع، فبين العرب من كان مؤمنا في سره بالحل السلمي وقت توقيع الرئيس السادات اتفاقياته مع إسرائيل لكنه لم يبح (الأردن مثلا). ومنهم من ظل رافعا شعار التحرير بالسلاح، بينما كان خيار السلام يسيطر على بيانات القمم العربية  (عراق صدام حسين). والمدهش أن قائدا عربيا مثل الزعيم الليبي معمر القذافي الذي عارض الرئيس السادات في حياته مازال يصر على امتلاكه حلا مبتكرا للصراع، ويدهشك كذلك أن الدول العربية لا تنظر لهذا الحل بعين اهتمام.

 

ـ تبني السلام خيارا إستراتيجيا ورفض البدائل الأخرى، فرغم أن الشرعية الدولية تمنح الشعوب حق مقاومة الاحتلال، قرر العرب في قمتهم التي عقدت بالقاهرة عام 1996 تبني السلام خيارا وحيدا للأمة، ما اعتبر وقتها إقرارا نهائيا بأن إسرائيل صارت جزءا طبيعيا في المنطقة، وأن الأعمال المسلحة التي تقوم بها جماعات المقاومة داخل فلسطين وعلى الحدود اللبنانية مجرد استثناء قابل للمحاصرة.. يلفت النظر هنا أن العرب اتخذوا هذا القرار بينما كانت إسرائيل تواصل اعتداءاتها على الفلسطينيين واللبنانيين، بل إن القرار صدر فيما كان بنيامين نتيناهو يلوح برغبته في فرض ما سماه في كتابه المعروف "مكان تحت الشمس" بـ "سلام الإذعان".

 

ـ توظيف قضية السلام لمصالح ضيقة، وليس أدل على ذلك من إعلان القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002 عن تبنيها للمبادرة السعودية للسلام، والتي تطرح تطبيعا شاملا مع إسرائيل مقابل انسحاب كامل من الأراضي المحتلة، مع ملاحظة أن المبادرة التي لم تقل لا للعرب ولا للعالم ماذا سيحدث لو لم تلتزم إسرائيل بها، تزامنت مع الحصار الإسرائيلي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي منع حتى من حضور القمة ذاتها. ويلفت النظر هنا أن معلومات ظهرت لاحقا ذكرت أن المبادرة برمتها كانت تنفيذا لاقتراح قدمه الصحفي الأمريكي اليهودي توماس فريدمان للسعوديين عندما سألوه عن الوسائل التي يمكن أن يتبعوها لتغيير وجهة نظر الغرب فيهم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

 

ـ الرهان الدائم على فائدة تدخل الأطراف الخارجية، فإذا كان الرئيس السادات قد آمن بأن 99% من أوراق اللعبة بيد الأمريكيين؛ فإن خلفاؤه على طريق التفاوض وثقوا تماما في  الولايات المتحدة وقبلوا بها وسيطا دائما على كل مسارات التفاوض. وعلى الرغم من الانتقادات التي تخرج بين الحين والآخر بشأن انحياز واشنطن لإسرائيل؛ فان المفاوضين العرب لا يبدون رفضا حقيقيا لهذه الوساطة. العرب يراهنون أيضا على اللجنة الرباعية الدولية، على الرغم من فشلها - طوال 6 سنوات- في تطبيق ما سمى بخارطة الطريق إلى السلام.

 

فضلا عما سبق، يمكن لدراسة أكثر توسعا أن ترصد غيابا للمصداقية لدى المفاوضين العرب. وفي هذا يكفي القول أن مسئولا عربيا رفيعا قال مرارا إن عملية السلام ماتت، ثم خرج في وقت لاحق ليشير إلى تجدد الأمل لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن.

 

كما يمكن لذات الدراسة أن ترصد صراعات عربية – عربية على الاستفادة من العوائد الهامشية لعملية التسوية، ولعل الخلاف المصري – الأردني في منتصف التسعينات بسبب تسريع عمان من خطوات التطبيع (أطلق وزير الخارجية على ذلك مصطلح الهرولة)، والخلاف المصري – السعودي خلال عام 2006 على تدخل الرياض في الشأن الداخلي الفلسطيني، ثم الخلاف المصري – القطري خلال العدوان الأخير على غزة. كلها تقدم شواهد كافية على هيمنة المصالح الوطنية الضيقة، وربما الحزبية أو العائلية، على تعامل تلك الدول مع قضية الصراع العربي – الإسرائيلي برمته، وليس عملية التسوية فحسب!.

 

 

------------------------

 

صحفي وباحث.

 

 

انشر عبر