شريط الأخبار

الغزيون يشيدون بقرار الشرطة بمنع التسول

10:09 - 27 كانون أول / مارس 2009


فلسطين اليوم – وكالات

" التسول في غزة ليس للعائلات المستورة "، كثيرون يؤكدون ذلك، ويتفقون على أن التسول صار حرفة وفناً، برع فيها كثيرون، مستغلين كل مناسبة وأي مكان كانوا فيه لممارسة حرفتهم، ليبتزوا عطف الناس عن طريق عاهات يدعونها، أو أصيبوا بها فعلا، أو عن طريق جلب أطفالهم الرضع معهم، أو تعليم حرفتهم لأطفالهم الذين يستطيعون التوسل للزبائن، ونيل شفقتهم بأي شكل كان، للحصول على مبالغ تافهة، حارمين إياهم بذلك من ممارسة طفولتهم، وليصنعوا منهم جيلاً خاملاً رديء الأخلاق.

 

لذلك كله، قررت شرطة بلدية غزة القضاء على هذه الظاهرة، ومحوها من شوارع غزة. " فلسطين " تجولت بين الغزيين، لتسألهم عن رأيهم في هذا الإجراء.

 

مرابطون على كل مفترق هام!

 

" كنت أقيس خطواتي إلى الجامعة بالمحطات التي أصادف فيها المتسولين في أماكن " دوامهم " الرسمي! فهنالك واحدة أمام جامعة الأزهر، وأخرى أمام مقر وكالة الغوث الرئيسي، وثالثة بالقرب من جامعة الأقصى، وهو المكان الذي أدرس فيه. وثلاثتهن لا يعرفن الاستجداء والتوسل إلا بذات " الأسطوانة ". أما اليوم، فقد دهشت لأنني لم أجدهن في أماكنهن، وسررت لذلك كثيرا ".

 

هكذا بدأ سعد الدين محمد ( 23 عاما) كلامه، معلقا على ما قامت به بلدية غزة، من حملة لإيقاف ظاهرة التسول في شوارع غزة.

 

ويكمل سعد: " المشكلة الحقيقية أن هؤلاء يسيئون فعلا إلى المحتاجين الحقيقيين الذين يتعففون عن القيام بمثل هذا الفعل. لقد زرت مصر، ورأيت هناك كيف يعاقب القانون كل من " يمارس حرفة التسول ". والحمد لله أن هذا الأمر أصبح مطبقا عندنا أيضا ".

 

"إعجاب بالجملة"

 

يعمل أحمد الأعرج (48 عاما)، في محل للف الموتورات بالقرب من ميدان فلسطين " لساحة" كما يعرفها كثير من الناس. ويستفزه دائما قدوم المتسولين إلى محله بمجرد أن يفك عنه أقفاله، مشيرا إلى أن عدد المتسولين الذين يطوفون على مختلف المحلات المجاورة في المنطقة يقترب من عشرة. ويبدؤون عملهم بمجرد أن تفتح باب محلك، وقبل حتى أن " تستفتح "بأي زبون".

وأبدى أحمد إعجابه بما فعلته بلدية غزة، قائلا: " الحمد لله إنهم ريحونا".

 

الشراء بالقوة!

تكاد تخرج روح أبو محمد (42 عاما)، الذي يعمل سائقا للأجرة، من جسده كلما شاهدها عند مفترق السرايا. عمرها لا يزيد عن الرابعة عشرة؟، ويبدو من شعرها الأشعث، وبشرتها الكالحة أنها لم تعرف للاستحمام طعما منذ أسابيع طويلة، مرتدية ملابس رثة وقذرة للغاية، لكي تستكمل معالم " ديكور" الشقاء والبؤس. تقترب من السيارات عند إشارات المرور، عارضة ما لديها من العلكة للبيع، بطريقة هي أشبه بالإلحاح المستفز، وبثمن أعلى من السعر العادي:

- " عمو، اشتري مني علبة ها الليدن بشيكل! "  

- " الله يسهل عليك! "

ثم يلتفت أبو محمد، موجها حديثه إلينا:

-        "يا عمي إيمتى بدهم يخلصونا ويريحونا؟! وين أهاليهم لهدول الأولاد؟! صارت تجارة وصنعة، مش مجرد ناس محتاجة وبتطلب ".

ويبدو أن الله استجاب لدعائه أخيرا!

 

لله يا "مصلين" !

 

يعمل أبو علي ( 51 عاما) كقيم لأحد مساجد غزة منذ عشر سنوات تقريباً، وما يتعب باله طوال فترة عمله هو " غزو " المتسولين لساحة المسجد الخارجية، وإزعاجهم للمصلين الخارجين باستجداءاتهم.

 

يقول أبو علي: " خصصت المساجد للصلاة لا للتسول، ولكن هؤلاء المتسولين صارت لديهم عادة استغلال أوقات الصلاة والمناسبات الدينية، كأيام شهر رمضان، والأعياد لاستدرار عطف رواد المساجد، ونيل ما استطاعوا من أموالهم ".

 

ويتابع أبو علي: " جاء أحد المتسولين قبل أيام إلى مسجدنا ليمارس " مهنته "، وذلك بالوقوف بعد صلاة الجمعة أمام باب المسجد، سائلاً المصلين صدقاتهم. فعرفه خطيب الجمعة، لأنه رآه أكثر من مرة يتسول في عدة مساجد، ولأن الخطيب يعلم جيداً أنه في غير حاجة إلى ذلك، فقام بطرده، منبهاً من كان موجوداً من الناس إلى عدم إعطاء الصدقات إلى أمثال هؤلاء، بل إلى من هم بحاجتها فعلا ".

 

الآن بدأت الحملة ضد المتسولين في شوارع غزة، ويأمل أبو علي أن تحقق أهدافها المرجوة، وأن تشمل كذلك كافة الأماكن العامة، بما فيها المساجد لكي تبقى لأغراض الآخرة وحدها.  

 

ضحايا ومجرمون

 

يتذكر يوسف سمير ( 26 عاما)، والذي يعمل بإحدى الإذاعات المحلية، إحدى القصص المؤثرة التي أثرت فيه، والتي كانت تتعلق بحلقة إذاعية حول التسول: " كانت ضيفتي في تلك الحلقة فتاة في الثامنة عشرة، أجبرتها أمها على ممارسة التسول مرات عديدة. وكانت تضربها وتهينها عندما ترفض ذلك. وقد قدمت إلى مقر إذاعتنا من أجل أن تتحدث عن تجربتها المُرَّة في هذا المجال، وأذكر جيداً أن أحد المحسنين اتصل على الإذاعة، وتبرع لها بمبلغ محترم، من أجل أن تصون عرضها وتتوقف عن التسول ".

 

وأضاف يوسف: " أنا أرى أن الأطفال الذين يمارسون هذه الحرفة هم ضحايا لظروفهم وتنشئتهم الاجتماعية السيئة، ولممارسات أولياء أمورهم، الذين سينتجون بفعلتهم تلك أجيالا عدة لن تعرف سوى الاستجداء وسيلة لكسب الرزق. فكيف سيقوم هؤلاء بتحرير الأرض المحتلة؟ لن يستطيعوا ذلك بالطبع، لأن النفوس التي استمرأت إراقة ماء الوجه، مقابل ثمن بخس من النقود، هي نفوس وضيعة ".   

 

 

انشر عبر