شريط الأخبار

سلام وليس الى اللقاء..هآرتس

12:27 - 27 تشرين ثاني / مارس 2009


بقلم: الوف بن

كاتب سياسي بارز

علاقات السلام بين اسرائيل ومصر، في صياغة اخرى للقول الشهير لونستون تشرتشل عن الديمقراطية، هو صيغة لعلاقات اشكالية ولكن ليس هناك سبيل أفضل لادارتها. بعد 30 سنة من توقيع معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية فانها لا تزال الاساس المتين للاستقرار والنظام الاقليمي في الشرق الاوسط، مدماك شديد الاهمية في الامن القومي لاسرائيل والاساس لقبول اسرائيل كجار شرعي في العالم العربي. ولكنه لم يؤدِ حتى اليوم الى تقارب حقيقي بين الشعبين، باستثناء حفنة من السياسيين، كبار الموظفين ورجال الاعمال الذين اقاموا العلاقة على مدى السنين حتى في عهود الجفاء والازمات.

لا يوجد تعبير أوضح لتعقيد السلام، مثل علاقات اسرائيل وزعمائها مع الرئيس المصري حسني مبارك. حتى في سنة حكمه الـ 28، يرفض مبارك زيارة اسرائيل. زيارته الوحيدة الى القدس كرئيس كانت في جنازة اسحق رابين، وحتى في حينه شرح مبارك بان هذه ليست زيارة سياسية بل زيارة احترام لصديق غدر. ورغم احادية الجانب، فان زعماء اسرائيل من مناحيم بيغن وحتى ايهود اولمرت لم يتخلوا عن الفرص لزيارة مصر وتبادل الاراء مع الرئيس، باستثناء اسحق شمير الذي لم يدعَ. ولو كان اقترح على زعماء اسرائيل أن يطلبوا امنية واحدة ووحيدة تتحقق، فلا شك أنهم سيطلبون ان تطول الى الابد حياة مبارك ونظامه.

مبارك هو بطل العالم في همس السر في اذن ضيوفه. جيل كامل من السياسيين الاسرائيليين أسره سحر انفتاحه، حين اشركهم الرئيس في ارائه السلبية عن زملائه من الزعماء العرب، مثل ياسر عرفات. من ناحيتهم، كان هذا اهم بكثير من المعارك الدبلوماسية التي ادارتها مصر ضد اسرائيل في الامم المتحدة وفي ساحات اخرى، او من الامور المثيرة للصدمة التي نشرت بثبات عن اسرائيل في وسائل الاعلام المصرية.

وتتميز العلاقات بين الدولتين الجارتين بميزان قوى خاص. فمصر هي كبرى الدول العربية والمركز الثقافي، وان لم يكن الاقتصادي للعالم العربي. تأثيرها حاسم في منح الشرعية للاعبين الاقليميين. جيشها قوي، ولكن عديم القدرة النووية. اسرائيل هي القوة العظمى العسكرية الاقوى في المنطقة والمقربة من الولايات المتحدة، وميلها للعمل بقوة يتحدى مرة كل بضع سنوات الاستقرار الاقليمي.

المصريون يحاولون تحدي التفوق الاستراتيجي لاسرائيل وتلطيف حدة التأثيرات الضارة لحملاتها العسكرية في لبنان وفي المناطق. هذه هي خلفية كفاحهم الدبلوماسي لاغلاق المفاعل في ديمونا وتدخلهم في ادارة النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني الذي من شأنه أن ينزلق الى نطاق مصر. اسرائيل تسعى للحفاظ على تفوقها العسكري على مصر من خلال السيطرة الامريكية على تزويد الدولتين بالسلاح، وهي تستعين بمصر كرافعة تأثير على الفلسطينيين وفصائلهم. لكل طرف سبل لايلام الطرف الاخر برقة: اسرائيل عبر اصدقائها في الكونغرس، الذين يصادقون كل سنة على المساعدة الامريكية لمصر؛ مصر عبر سيطرتها على الحدود بين سيناء وقطاع غزة، والتي عبرها تتدفق الوسائل القتالية لحماس، وعبر تأثيرها على تصويت الكتلة العربية ودول العالم الثالث في الامم المتحدة وفي غيرها من المحافل.

هذا هو المعنى العميق لـ "التطبيع": بعد أن تنتهي الاحتفالات، وتطوى الاعلام وتعاد الكراسي الى المخازف، تبقى الصيانة المضنية. وهي تستند الى المصلحة المشتركة لمصر واسرائيل في وجود منظومة اقليمية معتدلة، مستقرة ومؤيدة للغرب، وفي صد الاسلام المتزمت، المصلحة التي تفوق خلافات الرأي والخصام.

في منظور الثلاثين سنة، السلام مع مصر منح اسرائيل فضائل هائلة. فقد ازاح خطر الحرب الشاملة ضد تحالف عموم عربي وجعل سيناء منطقة فصل مجردة من السلاح. سمح بتقليص الجيش الاسرائيلي في منتصف الثمانينيات وتوجيه الطاقة نحو النمو الاقتصادي. حطم سور العزلة والحصار الذي احاط اسرائيل في السنوات الثلاثين الاولى لها، وفتح الطريق لانخراطها في الشرق الاوسط، وان كان بوتيرة اكثر بطء مما توقعوا عند التوقيع عليه.

السلام مع مصر كان ولا يزال الاساس للمساعدة الامريكية السخية، وقد سمح لاسرائيل بمواصلة السيطرة على الجولان والضفة الغربية واستطانهما، بالضبط مثلما خطط بيغن في الصفقة التي نسجها مع انور السادات. علاقات السلام لم تتسرب الى خارج البوثقة المغلقة التي تديرها. السياحة الاسرائيلية الى مصر انهارت بسبب عمليات الارهاب، والسياحة المضادة لم تكن أبدا. النخب المصرية تقاطع اسرائيل، والنخب الاسرائيلية غير معنية بجيران ينطقون بالعربية. وسائل الاعلام المصرية تعنى باسرائيل بهوس، ووسائل الاعلام الاسلامية لا تتذكر مصر الا في الازمات، مثلما في المفاوضات لتحرير جلعاد شليت.

اتفاق السلام اثار في حينه خلافا شديدا في الليكود، ولكن بعد التوقيع عليه قبل وكأنه أمرا مسلما به. في السنوات الاخيرة نهض شكاكون جدد بعلاقات السلام مع مصر، وعلى رأسهم اثنان سيشغلان منصبين كبيرين في الحكومة القادمة، يوفال شتاينتس وافيغدور ليبرمان. شتاينتس يحذر من التهديد في تعاظم قوة الجيش المصري بسلاح امريكي حديث، يلقي على مصر مسؤولية تهريب السلاح لحماس، ويصف مصر بانها "التهديد الوجودي الذي لا يتحدثون عنه". أما ليبرمان فهدد بقصف سد أسوان وشتم مبارك. نهجهما يحظى بتأييد متحمس في اليمين المتطرف، ولكن من الصعب الافتراض بان ليبرمان وشتاينتس سينجحان في احداث تغيير في السياسة الاسرائيلية تجاه مصر: بنيامين نتنياهو وشريكه الجديد ايهود باراك، يقدران جدا التعاون الاستراتيجي مع مبارك ولن يعرضاه للخطر.

المخفي الاعظم هو ماذا سيحصل في اليوم التالي لمبارك. الرئيس، الذي سيحتفل بيوم ميلاده الـ 81 بعد بضعة اسابيع، لن يبقى في الحكم الى الابد. لا يوجد قلق أكبر في اسرائيل من صعود حكم اسلامي، توأم ايران، يحول مصر من جار هادىء الى وحش مهدد. التحدي لزعماء اسرائيل في السنوات القريبة القادمة سيكون ضمان عبور سلس لعلاقات السلام الى خلف مبارك، على أمل أن يكون هذا مطابقا للرئيس الحالي.

 

 

 

انشر عبر