شريط الأخبار

السير في طريق ينذر بالشؤم ..ألون بن مئير*

01:22 - 26 تموز / مارس 2009

ـ ترجمة مركز الشرق العربي للدراسات 26/3/2009

نيويورك – قد يضطر انهيار مفاوضات التحالف بين زعيم الليكود بنيامين نتنياهو وتزيبي ليفني من كاديما حول رفض نتنياهو الالتزام بحل الدولتين، قد يضطر نتنياهو لتشكيل حكومة ذات قاعدة ضيقة إلى يمين الوسط. ويحتمل أن تعمل حكومة كهذه على إعاقة أي تقدم أو أن ينتهي بها الأمر بأن تتهاوى تحت الضغط المحلي والأمريكي، فتقدم تنازلات هامة لصالح العملية السلمية. يتوجب على إدارة الرئيس أوباما أن تبقى حاسمة في سعيها لحل الدولتين لمنع المزيد من التصاعد في النزاع مع معانٍ ضمنية إقليمية لا يمكن التنبؤ بها.

كانت السيدة ليفني على حق تماماً عندما رفضت عرض نتنياهو "السخي" بالانضمام إلى الحكومة، حيث يحصل حزبها على وزارات مهمة في التحالف ولكنها لم تحصل على تأكيدات راسخة باستمرار مفاوضات السلام. أي حكومة إسرائيلية لا تلتزم بحل الدولتين تزرع بذور الرعب المستمر والعنف الذي لا يحقق سوى المزيد من التفرقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وتشكل حكومة ضيقة على يمين الوسط معادلة للشلل إذ أن معظم شركاء نتنياهو في التحالف يضعون استمرار التوسع في المستوطنات شرطاً لنضمامهم إلى الحكومة. شعار نتنياهو بأنه يتوجب على إسرائيل أن تحصل أولاً على الأمن قبل السلام غير واقعي ببساطة، حيث أن السلام وحده سيوفر بدوره الأمن النهائي. تعمل إسرائيل من خلال اتباع هذه السياسة على سحب شرعية حقها في الدفاع عن النفس عبر استمرار توسعها الاستيطاني، بينما تقوم حماس بتقوية موقفها السياسي بكونها المُدافع الحقيقي عن الحقوق الفلسطينية. نتيجة لذلك تعمل إسرائيل على تآكل موقفها الأخلاقي بسرعة وفقدان التعاطف الدولي، حيث أصبح الفلسطينيين يرون على أنهم الشعب الواقع تحت الحصار.

تجاوب المجتمع الدولي بعد عملية الرصاص المسكوب عن طريق إرسال جماهير من الوفود الرسمية والزوار إلى غزة. قام وزراء خارجية كل من فرنسا وكندا وتركيا والسويد والنرويج جميعهم بزيارات إلى القطاع الذي مزقته الحرب، إضافة إلى توني بلير البريطاني وخافير سولانا نيابة عن الاتحاد الأوروبي وجون كيري ممثلاً لمجلس الشيوخ الأمريكي. ومن المؤشر بصورة أكبر وأهم، الدول والمنظمات الخمسة والسبعين التي شاركت في مؤتمر المانحين في شباط/فبراير في شرم الشيخ، وتعهدت بتقديم ما يزيد على خمسة مليارات من الدولارات كمعونة لإعادة بناء غزة. كان التعاطف العام مع المواطنين الفلسطينيين، بين زيارات الدول الرسمية والتزامات المانحين وردود فعل الإعلام بعد حرب غزة جامحاً بشكل كاسح. خرجت حماس، رغم الضرر الذي لحق بها، من هذه الحرب وهي تدّعي النصر لمجرد أنها صمدت أمام الهجمة الإسرائيلية، وأصبحت بطريقة ما تعتبر قوة يجب أخذها بالاعتبار، إما مباشرة أو غير مباشر في مفاوضات السلام.

يتوجب على إدارة الرئيس أوباما أن توضح بشكل لا يترك مجالاً للشك لإسرائيل أن التوسع الاستيطاني يسير بعكس اتجاه السلام، وأن ربط الاستيطان بالأمن الوطني ليس سوى غطاءاً من الدخان. يتوجب على إدارة الرئيس أوباما، آخذة بالاعتبار بشكل كامل أمن إسرائيل الوطني الشرعي، أن تصرّح بصدق أن مصالح أمريكا الإستراتيجية في الشرق الأوسط مرتبطة بشكل مباشر مع إنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. تأخير مفاوضات السلام التي قد تؤدي إلى حل الدولتين أمر غير مقبول بتاتاً.

إضافة إلى ذلك، سيكون من المستحيل التعامل مع برنامج إيران النووي بفاعلية بمعزل. لا يمكن تحقيق التقدم على الجبهة الإسرائيلية الفلسطينية إلا من خلال منع إيران من استغلال النزاع العربي الإسرائيلي وعزل حماس وحزب الله عن طهران. وتعتبر حركات التقارب من سوريا من قبل إدارة الرئيس أوباما حركة حكيمة، ويجب أن يُنظَر إليها كجزء من الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل ليس فقط مع النزاع العربي الإسرائيلي، وإنما لاحتواء قدرة إيران الإقليمية على المناورة.

يتوجب على الإسرائيليين القلقين والمهتمين أن يطرحوا على أنفسهم السؤال: ما الذي سيحصل بعد 10 أو 15 سنة من الآن إذا لم يكن هناك حل للنزاع مع الفلسطينيين؟ يدفع الوضع الراهن كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين نحو المزيد من التطرف وإيجاد أوضاع في كلا المعسكرين تثير احتمالات تنذر بالشؤم بالمستقبل. وُلِد أكثر من سبعة من كل عشرة فلسطينيين تحت الاحتلال، وهم لا يفكرون بالخطأ والصواب، فهم لا يعرفون سوى أمراً واحداً: الاحتلال أمر لا يمكن احتماله، وهم مصرون على الخلاص منه. لم يعد استخدام إسرائيل لحماس والعنف كمبررات، دون التعامل مع جذور المشكلة، يرن صداه على أنه رد فعل المجتمع الدولي على هجمة إسرائيل على غزة. الأسلوب الوحيد الذي يمكن للدول السنية العربية بقيادة المملكة العربية السعودية أن تضغط فيه بشكل حقيقي على حماس وغيرها من المجموعات المتطرفة هو قيام الحكومة الإسرائيلية بتعليق توسيعها للمستوطنات وتفكيك البؤر الاستيطانية غير الشرعية والدخول في مفاوضات سلمية حقيقية بهدف التوصل إلى حل الدولتين.

لا يسع المرء إلا أن يأمل أن يقوم السيد نتنياهو بتعديل وجهات نظره لدى تسلّمه منصب رئيس الوزراء. وإذا تسنى له تشكيل حكومة إلى يمين الوسط فقد لا يتمكن من تعديل موقفه دون المخاطرة بالسقوط. كان نتنياهو أثناء رئاسته مجلس الوزراء للمرة الأخيرة في نهاية التسعينات قد أكّد على اللاءات الثلاثة: لا انسحاب من مرتفعات الجولان ولا حوار حول مطالبة الفلسطينيين بالقدس ولا مفاوضات بشروط مسبقة. يتوجب على إدارة الرئيس أوباما عدم ترك هذه الأيديولوجية تترسخ مرة أخرى، ويجب أن تكون عنده رؤية واضحة وإستراتيجية واقعية حول عملية السلام يتم دفعها قدماً. لن يأتي ذلك فقط بنهاية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وإنما سيضمن الأمن الوطني النهائي لإسرائيل.

ــــــــــــــ

* ألون بن مئير أستاذ في العلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وهو يدّرس مساقات في المفاوضات الدولية ودراسات الشرق الأوسط.

انشر عبر