عاش لحظات قاسية: الوالد اشكنتنا يروي حكاية استشهاد أبنائه أمام عينه

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:58 م
26 مايو 2021
رياض اشكنتنا.jpeg

يا لها من لحظات، لا يستطيع قاموس البؤس والشقاء على منحها الوصف المناسب.. عاشها الفلسطيني رياض اشكنتنا بعد أن انهار منزله جراء قصف الطائرات الحربية "الإسرائيلية" دون سابق إنذار، وجد نفسه مُحاصراً بين الأنقاض، وسط الظلام.

لم يكترث لقطع إصبع يده، ولا للآلام المبرحة التي يشعر بها، جراء سقوط الجدران عليه، ولا الغبار الذي يتنفسه، فالأهم كان أطفاله الخمسة، وزوجته.

أخذ يسترق السمع؛ ها هو طفله زين ذو العامين ونصف، يصرخ ويردد: "بابا.. بابا"، ثم اختفى الصوت فجأة.

ثم "دانا" (8 سنوات)، إنها تنادي بصوت ضعيف جدا، ثم صمتت.

حينها أدرك الأب المكلوم، أنهما قد "فارقا الحياة"، بينما هو عاجز، ليس عن مساعدتهما وحسب، بل أن يُسمعهما صوته.

وماذا عن زوجته "عبير" (28 عاما)، وبقية أطفاله يحيى (5 سنوات) ولانا (6 أعوام)، وسوزي (7 أعوام)؟ هل هم أحياء أم أموات؟ يتساءل رياض.

يا لها من لحظات، لا يستطيع قاموس البؤس والشقاء على منحها الوصف المناسب.

في خضم هذا المشهد المؤلم، يقول رياض، للأناضول، إنه لم يكن يتخيل أنه سيخرج حياً في تلك الليلة، من هول ما حل به.

ويتذكر تلك اللحظات فيقول "تحت الركام، كنتُ أدعو الله أن ينجيني ويُسلم عائلتي من هذه الكارثة، كنت عاجزا عن الحركة تماماً، ورأسي ملاصق لأحد الجدران المنهارة".

وبعد ساعة مرّت بطيئة كأنها دهر، سمع رياض أصوات مركبات الدفاع المدني، فأخذ ينادي بأعلى صوته" يا الله يا الله".. علّهم يهتدون إليه، وفعلا سمع صوتا يرد عليه: هل من أحياء هنا؟ ليستجيب إليه رياض وتبدأ عملية انتشاله.

تمكنت أطقم الإنقاذ أخيرا من إخراج رياض من وسط الركام، ونقله للمستشفى، دون أن يدري شيئاً عن مصير عائلته.

في المستشفى وهو يتلقى العلاج، يقول في نفسه: من يأتيني بخبر زوجتي وأبنائي؟

حينها دخل عليه أحدهم حاملاً طفلته سوزي (7 أعوام) حية تُرزق.. فأيقن أن الباقين قد فارقوا الحياة.

يُعدّد رياض مفقوديه: "زوجتي عبير (28 عاما)، دانا، لانا، يحيى، زين، كلهم انتقلوا إلى جوار الله، ولم يبقَ إلا سوزي.. وأنا".

ولطفلته سوزي قصة أخرى، حيث إنها أكثر أبنائه تعلقا بوالدتها، "كيف ستعيش الآن وقد فقدتها؟" يتساءل رياض.

تعيش سوزي أياما عصيبة، يقول رياض، فبين ليلة وضحاها وجدت نفسها وحيدة، وقد فقدت أمها وإخوتها جميعا.

"كيف لي أن أعوض ابنتي عن حضن أمّها، بل كيف لي أن أعوّض نفسي، وها أنا أعيش وطفلتي حرمان دفء عائلتنا الصغيرة".

القصة من البداية

ويسترجع رياض تفاصيل مأساته منذ البداية، حيث يقول إن المجزرة التي تعرضت لها عائلته، وجيرانه، فجر الأحد 16 مايو/ أيار، وراح ضحيتها 43 شخصا، بينهم 10 أطفال و16 سيدة، حدثت جراء قصف عنيف جدا، تعرض له جزء من شارع "الوحدة" الشهير غربي مدينة غزة، نفذته مقاتلات الاحتلال الإسرائيلي.

في البداية، عمّ الصمت المكان، ولم يدُر في خلد رياض، أنه نذير ما قبل العاصفة، حيث أحالت الصواريخ، الحيّ الآمن إلى كومة من الدمار والأشلاء.

"يا الله على قساوة تلك اللحظات!"، يقول رياض في حديثه لمراسل الأناضول.

ويضيف إنه كان ليلة المجزرة، جالسا بغرفة الضيافة، كعادته في ليالي العدوان، إلى جانب زوجته يتابعان الأخبار والمستجدات، وإذ بصغيرته "سوزي" تدخل عليهما طالبة من أمها مؤانستها في وحشتها، حتى تخلد إلى النوم.

وأضاف أن الأم استجابت للطفلة واصطحبتها إلى فراشها في الغرفة المجاورة، بينما بقي هو وحيداً أمام التلفاز.

وتابع: "فجأة، رأيتُ لهيباً شديداً أحمر اللون في المنزل، مع دوي صوت انفجار ضخم جدا، تمايلَت بفعله جدران المنزل، ولم أدرِ ما الذي جرى".

وأردف: "خلال ثوانٍ معدودة، هرعتُ إلى الغرفة الأخرى حيث الزوجة والأطفال، فوجدتها تحاول ضمّهم إليها وهي تصرخ، وفي الأثناء انهار بنا المبنى بالكامل، وتفرقنا بين ركام السقف والجدران".

وأردف "وجدتُ نفسي محاصرا في مكان مُظلم أسفل الركام، وقد قُطع أحد أصابع يدي، لكن تفكيري انصب على زوجتي وأبنائي، ماذا حل بهم؟ كنتُ حينها في وضع نفسي سيئ جداً، إلى أن تم إنقاذي، واستخراج جثامين زوجتي وأولادي".

ويختم رياض حديثه قائلا: "أدعو الله أن يرحم زوجتي وأبنائي.. وأن يعينني على ما هو قادم".

 

ومنذ 13 أبريل/ نيسان الماضي، تفجرت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية جراء اعتداءات "وحشية" ترتكبها شرطة إسرائيل ومستوطنوها في المسجد الأقصى وحي "الشيخ جراح" بالقدس في محاولة لإخلاء 12 منزلا فلسطينيا وتسليمها لمستوطنين.

وامتد العدوان الإسرائيلي إلى غزة، والذي شمل قصفا جويا وبريا وبحريا، وأسفر عن استشهاد 254 شخصا، بينهم 66 طفلا، و39 سيدة، و17 مسنا، فيما أدى إلى 1948 إصابة، وفق وزارة الصحة بالقطاع.

ومنذ فجر الجمعة، بدأ سريان وقف إطلاق نار بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، بعد 11 يوما من الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة الذي يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني، وتحاصره إسرائيل منذ صيف 2006، ورد الفصائل بإطلاق صواريخ على مناطق إسرائيلية.