شريط الأخبار

أنظمة تحاسب حماس على أيديولوجيتها ..ياسر الزعاترة

11:14 - 22 كانون أول / مارس 2009


ليست مصر وحدها التي تحاسب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على أيديولوجيتها، فهناك أنظمة أخرى تفعل الشيء ذاته، وإن في سياق أقل وضوحا من السياق المصري الذي يعلن رأيه بلسان الحال وبلسان المقال، على اعتبار أن الإخوان المسلمين الذين تنتمي إليهم حماس هم حركة المعارضة الرئيسية التي ينشغل النظام بمطاردتها آناء الليل وأطراف النهار، وبالطبع بعد أن انتهى من مطاردة الحركات الإسلامية المسلحة، بل تمكن من تحويل بعضها، أو بعض رموزها بتعبير أدق، إلى أعوان له في مطاردة الإخوان، كما يتبدى من تصريحات ونشاطات لبعضهم هنا وهناك.

 

لا نضرب في الرمل إذا قلنا إن المواجهة الأخيرة في قطاع غزة قد عززت وستعزز تلك الحساسية الرسمية العربية حيال حركة حماس، والسبب بالطبع يتمثل في تلك الفوائد التي جنتها حركات المعارضة الإسلامية من المعركة.

نتذكر هنا أن ظهور حركة حماس في فلسطين نهاية العام 1987 كان مناسبة بالغة الأهمية لسائر الحركات الإسلامية التي كانت تعاني من غياب الفعل الإسلامي المقاوم في الملف الفلسطيني الذي كان ولا يزال الأكثر أهمية في الضمير الجمعي للأمة. وبالإمكان القول إن النموذج المتقدم والفريد في البطولة والعطاء الذي جسّدته حماس في ميدان المقاومة قد شكّل رافعة للعمل الإسلامي الحركي، وكذلك لمد الصحوة الإسلامية وظاهرة التدين برمتها في الشارع العربي والإسلامي، وقد حدث ذلك بسبب المكانة التي تحتلها القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي للأمة، الأمر الذي يرد في بعض تجلياته إلى البعد الإسلامي الذي تتميز به، فضلا عن بروزها كعنوان صراع بين الأمة ومن يريدونها تابعة ذليلة، إضافة بالطبع إلى تميز المرحلة الأخيرة بظاهرة الإعلام المفتوح الذي نقل تفاصيل القضية إلى كل بيت، على الهواء مباشرة في كثير من الأحيان.

 

أما المواجهة الأخيرة في قطاع غزة فكان لها ولقيم الإيمان التي جسّدتها أثر كبير في استعادة الكثير من الحركات الإسلامية وهجها بعد أن ضاعت سنوات في سياق من الاستيعاب الديمقراطي الرسمي الكاذب الذي لم يعد على الجماهير بشيء إيجابي يذكر. وقد حدث ذلك تبعا لشعور الأمة بثقل الهجمة الخارجية عليها، ومسؤولية البؤس الداخلي عن عجزها عن مواجهتها والانتصار عليها.

 

هذا الجانب، أعني خدمة الصعود الحمساوي للحركات الإسلامية الأخرى، ومنح المزيد من المصداقية لبرنامج الأسلمة، سيزيد في حساسية بعض الأنظمة حيال الحركة، وقد يدفع نحو مواقف سيئة منها، في الوقت ذاته قد يدفع نحو مزيد من الإجراءات الرامية إلى منع الحركات المحلية من الاستفادة مما جرى، وبالطبع في سياق رفع سقف المعارضة والمطالب الشعبية التي تعتقد كثير من الأنظمة أنها نجحت في استيعابها عبر ديمقراطية الديكور التقليدية. ولا شك أن الحيوية التي أظهرتها الجماهير في سياق الانتصار لقطاع غزة تمثل ضوءا أحمر لكثير من الأنظمة التي تفضل جماهير مدجّنة تقبل بالفتات المعروض عليها.

 

من المؤكد أن هذا البعد يفسر، بالطبع إلى جانب عوامل أخرى ذات صلة بالاستجابة للضغوط الخارجية، بعض المواقف الجديدة، لا سيما من طرف بعض الأنظمة المحافظة التي كانت لها مواقفها السابقة المقبولة حيال حركة حماس عندما كان الهدف من تلك السياسية هو إيجاد موطئ قدم في الساحة الفلسطينية، وموازنة الموقف مع منظمة التحرير التي كانت تقفز من موقف إلى آخر من دون أخذ حساسيات بعض الأنظمة في الاعتبار.

لا خلاف على أن أنظمة لها حساسياتها تجاه الإسلاميين لم تجد حرجا في دعم الموقف المقاوم لحماس، ومن بينها سوريا على سبيل المثال، لكن ذلك عائد بدوره إلى موازنة بين الأرباح والخسائر، لا سيما أن المخاطر القريبة لإخضاع جبهة المقاومة تبدو أكبر من مخاطر محتملة لأيديولوجيا حماس على السياق الداخلي، هذا إذا صح بالفعل أنها ستصب بالضرورة في صالح حركات المعارضة، وليس في صالح مد التدين الطبيعي، الأمر الذي سيعتمد بالضرورة على سلوك تلك التنظيمات ونشاطها وفاعلية قيادتها.

 

ولا ننسى أن للمواقف الرسمية المساندة لحماس تأثيرها الإيجابي على بعض الأنظمة من زاوية النظر الشعبية التي تبدو معنية بسلوك الأنظمة في الداخل، إلى جانب مواقفها من الهجمة الخارجية على الأمة، وإن تقدم الأول في السياق المحلي، وهو ما ينطبق على أكثر الأنظمة التي ساندت حركة حماس في المعركة الأخيرة، ومن بينها سوريا، حيث تابعنا كيف أدت المعركة إلى اتخاذ جماعة الإخوان قرارا بوقف الأنشطة المعارضة للنظام، والتفكير في إعادة النظر بملف تعاملها مع جبهة الخلاص بزعامة عبد الحليم خدام، وإن اعتمدت المواقف التالية على رد النظام. وفي العموم، فإن من المبكر الجزم بما إذا كان ما جرى سيؤثر عمليا أم لا، إذ احتمال التأثير يظل واردا من دون شك.

 

من المؤكد أن ما جرى في الشوارع العربية خلال المعركة الأخيرة وما عكسه من حيوية جماهيرية كان لافتا لأنظار الأنظمة، ما يعني أن الجماهير العربية لم تعد هي ذاتها القديمة، وأنه من دون سلوك جديد معها في الداخل فإن مواقفها ستأخذ في التغير، ولن يكون بالإمكان استيعابها بديمقراطية شكلية لا تغير شيئا في واقع سيطرة النخب الحاكمة على السلطة والثروة.

 

قبل ثلاثة عقود تقريبا ظهرت تنظيرات إسلامية حركية تتحدث عن فلسطين كقضية مركزية للأمة وعن قوى المقاومة الإسلامية فيها كرأس حربة للأمة في مواجهة المشروع الصهيوني، في الوقت ذاته ستشكل فيه رافعة للتغيير المنشود في الأمة الذي لن يتم التحرير الشامل من دونه. والتغيير المنشود بالنسبة لتلك التنظيرات يتمثل في استعادة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع، وهو ما يمكن ترجمته في الواقع الحالي بعد الكثير من المراجعات التي مارستها الحركات الإسلامية في إعادة القرار إلى الشعب الذي لن يختار لنفسه مرجعية غير الإسلام.

مثل هذه التنظيرات ليست بعيدة عن الواقع، وإن بدت صعبة المنال بعض الشيء، لكن التحولات الدولية الجديدة بتراخي القبضة الأميركية على العالم، ومعها تطور وعي الجماهير بحقوقها، واكتشافها لأدوات التعبير السلمي وفاعليتها، كل ذلك سيكون له دوره في التغيير الذي ينسجم مع وعي الأمة بهويتها وحقوقها المشروعة داخليا وخارجيا في آن.

 

أما حماس، فستتمتع بحاضنة شعبية فلسطينية وعربية وإسلامية تعوضها عن سوء مواقف الأنظمة ما دامت تحافظ على البوصلة الصحيحة في إدارة الصراع، من دون أن تعدم مواقف رسمية داعمة لها حسابات تخالف السائد لاعتبارات مختلفة.

 

يبقى التذكير بأن مواقف الأنظمة من القوى السياسية المعارضة لا ترتبط بالأيديولوجيا، فهي ضد تلك القوى بسبب منافستها على السلطة أو فرض رقابة عليها، وهي ضدها في كل حال، سواءً كانت إسلامية أم يسارية أم قومية أم حتى ليبرالية بطبعة أميركية، بل لعل الموقف من هذه الأخيرة سيكون أشد، وبالطبع بسبب احتمال أن تحظى بدعم من الولايات المتحدة.

 

 

انشر عبر