عيد الشعلة ... الكيان الصهيوني وتعدد الأزمات

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 01:38 م
02 مايو 2021
إسلام حامد
الأسير إسلام حامد.JPG

ليس من السهل أن تُقتل وأنت هارب من الموت، في الساعة الواحدة والنصف فجرًا من يوم الجمعة، تدافع عشرات الآلاف من أتباع الطائفة الحريدية اليهودية، على قمة جبل الجرمق في الشمال الفلسطيني، وقُتل وأصيب العشرات خلال التدافع.

المكان يعتبر عند هذه الطائفة مقدسًا بحسب عقائدها، وتسمى هذه المنطقة لديهم بجبل أو قمة هيرون، والتي يتم التوجه إليها بمزارها التي بني خلال سنوات الاحتلال الصهيوني مرةً واحدة في العام للتبرك وطلب الأماني من الحاخام أو الصديق.

يُعتبر هذا التجمع الكبير بمثابة إحياء لعيد الشعلة، والذي يأتي في اليوم الثالث والثلاثين من إحصاء العومر فور انتهاء ما يُسمى بـ "عيد الفصح"، وهي أيام يحرم فيها الزواج وحلق الرأس، وتحرم الأفراح، وفيه ينتهي الحزن، وتتلى فيه الصلوات وأناشيد الهلالوليا، وتوقد فيه النيران في كل البلاد.

وللمفارقة، تغشى يهود البلاد حزن عميق في اليوم ذاته، والذي يفترض فيه أن يحتفلوا بعيد انتهاء الحزن، وفي قراءة تحليلية للحدث بعيدًا عن بعده الديني وإشكالاته، يتبين للمتابع للشأن الصهيوني عدة محاور مهمة لا على الحصر:

أ‌.      في ظل جائحة كورونا، مخالفة التعليمات والتجمهر في حشود تقدر بعشرات الآلاف، يُظهر لنا مدى هشاشة العلاقة بين المركب الديني الحريدي اليهودي وبين الدولة كجهاز إداري ناظم للسياق الحياتي اليومي، وهذا ما شوهد على مدار الأشهر الماضية في تحدٍ للتعليمات الصحية والإدارية التي فُرضت داخليًا في الكيان الصهيوني لمواجهة جائحة كورونا، عدا عن كون التيار الحريدي في صراع دائم مع الدولة منذ نشأة الكيان.

لمواجهة جائحة كورونا، في منطقة بني براك التابعة لمدينة تل أبيب والتي يسكنها أغلبية متدينة، الإشكال المركزي هنا ليس فقط رفض القرارات والتعليمات الإدارية، بل بوجود متنفذين ينتمون أو مقربون من التيار الحريدي داخل أجهزة الدولة، والذين ضغطوا باتجاه السماح لعشرات الآلاف من أتباع الطائفة بالتجمع الذي حصل، مع مخالفتهم الواضحة للتعليمات الأساسية المذكورة سابقًا، لنطرح التساؤل هنا عن علاقة الحكومة اليمينية بتجاوز التعليمات لصالح المتدينين، مما يشكل أزمة أخلاقية وقانونية للحكومة والأحزاب المشكلة لها، في حين يتم قمع أي اعتصام معارض للحكومة وبالأخص التيارات اليسارية والعلمانية.

ب‌.     وهذا ما يقودنا أيضًا إلى تسليط الضوء على القمع المُمارس بحق الفلسطينيين في القدس، والقوانين الجائرة بحقهم، وتجميع وتحشيد الآلاف من الشرطة والجنود في محاولة للسيطرة على الفعاليات الفلسطينية في المدينة المقدسة.

في مقابل ذلك، لا نرى الشرطة حاضرة في المستوى الذي يستدعيه الحدث في تجمع عيد الشعلة، والذي يقدر تعداده ب 120000 يهودي، ليتبين لنا مدى التعامل العنصري مع الفلسطينيين، في حين يتم تجاوز كل القانون لصالح اليهود الحريديم.

ت‌.     الصمود الفلسطيني في القدس والانتصارات التي يحققها شبابها يعبر عن عدم قدرة المنظومة الأمنية في قمعها للجمهور الفلسطيني اليومي على النجاح في مسعاها من جهة، ومن جهة أخرى عدم قدرة الشرطة مع إمكاناتها العالية على ضبط وحماية التجمع اليهودي الحريدي الذي حصل، مما يعبر أيضًا عن هشاشة المنظومة العملياتية للشرطة في الداخل المحتل، وعليه يقودنا ذلك لاستنتاج أن السلطة الحاكمة في الكيان الصهيوني ولضعفها قامت بعكس ذلك على منظومتها الأمنية، مما جعلها أكثر هشاشة في مواجهة التحديات الخارجية، وهنا الفلسطينية منها، والداخلية وعلى رأسها الأزمة مع التيار الديني داخل الكيان الصهيوني، وعودة عمليات الاغتيال بين عناصر التيارات الإجرامية الكثيرة في الكيان.

ث‌.     هذه الهشاشة جزء كبير منها يأتي من خلال عدم استقرار نظام الحكم في الكيان، لإجرائه عدة انتخابات برلمانية خلال العامين المنصرمين، والتي صرف لها أكثر من عشرة مليارات شيكل، وكذلك الفجوة بين المجتمع المتدين والإطار السياسي والتنفيذي في الدولة، وعليه ما يلبث أن يخرج هذا الكيان من أزمة حتى يدخل في أزمة جديدة على الصعيد السياسي والاجتماعي والقيمي، ليبقى التساؤل المفتوح: إلى متى سيصمد هذا الكيان أمام تعدد الأزمات؟