شريط الأخبار

الزراعة بدأت تستعيد عافيتها من آثار الحرب المدمرة من جديد في "محررات" قطاع غزة

04:21 - 21 تموز / مارس 2009

فلسطين اليوم: قدس برس

عادت أحاديث المزارعين تتشابك من جديد في محررات القطاع "المستوطنات اليهودية سابقاً" شبه المدمرة، حبات العرق تبلل جباههم وأكفهم وهم يصلحون ما أفسدته الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

 

من يعرف دفيئات محررة "نتساريم" من قبل، بحاجة الآن لمن يدله على جغرافية المكان، فالقضبان الحديدية مكوّمة في كل مكان والدبابات غاصت في بحر من المزروعات الطرية بينما يقف عمود طويل في قلب حجرة المولد الكهربائي المدمرة تماما كأنه صاري السفينة التي دمرتها أمواج الحرب.

 

ينشغل مدير شركة السنابل الخضراء المهندس خليل أبو سلمية بالرد على هاتفه الخلوي، فالتجار عادوا لحجز طلبيات الخضروات من جديد، الأمل بموسم خصب تهاوى تحت أسنان الجرافات الإسرائيلية التي قضمت الأخضر واليابس.

 

وعلى مدى ثلاثة أيام متواصلة، قصفت المدفعية الإسرائيلية الأراضي الزراعية في محررة نتساريم، مئات القذائف التي تهاوت على الدفيئات الزراعية والأشجار حصدت معها كل شيء ثم تمركزت الدبابات داخل المحررة مع بدء العملية البرية فعاثت فيها فسادا.

 

يحصى المهندس أبو سلمية جراحه في المحررة فيقول "دمرت الدبابات والطائرات هنا 24 دونم من الدفيئات في عزّ إنتاج الطماطم و10 دونمات فلفل و15 مثلها من الباذنجان و7 دونمات خيار وكان لدينا 12 دونم لزراعة البطيخ أوان زراعتها نهاية ديسمبر لكننا تركناها بسبب الحرب".

 

وتقدر حجم الخسائر من المزروعات بأكثر من 400 طن وهو ما يشكل نسبة كبيرة جداً من الإنتاج المرتقب للموسم الحالي لكن الأسف الحقيقي هو على محصول الطماطم ذائع الصيت.

 

كما تسببت قذائف الفوسفور والمدفعية بتخريب معظم المحاصيل، وقد أتى القصف على المخازن فأتلف كامل المبيدات والمواد الكيماوية والأسمدة والمعدات الزراعية أما باقي المزروعات فقد هلكت عطشا طوال أيام الحرب القاسية.

 

يقاطع أحد مساعدي أبو سلمية، ويدعى مروان، آسفاً على أنبوبة الغاز الزراعي الثقيلة التي قال إن ثمنها وحدها يقدر بأكثر من 1000 دولار، فيما يقدر المهندس أبو سلمية خسائر شركته بأكثر من 670 ألف دولار.

 

يشير مروان بيده إلى خلايا النحل الملاصقة للدفيئات الزراعية، مضيفاً "انظر جميع خلايا النحل دمرتها القذائف وبجانبها 10 دونمات أيضاً"، والحقيقة أن خلايا بدت خالية من جميع ساكنيها التي عمّروها يوماً ما بالطنين والعسل.

 

كما أتت القذائف على آبار المياه، فدمرت الخط الرئيس من بئر وزارة الزراعة المصدر الأول للمياه في حين نجا بئر خاص بالشركة حديث الولادة من حركة الآليات الثقيلة.

 

وعلى الجانب الآخر من الجلسة؛ انشغل أحد العمال في تحضير الغداء وآخر بصناعة الشاي قبل أن يفترشوا الأرض. أحدهم ألقم رغيف الخبز لقبعته المتعرّقة تبجيلاً له قبل أن يشرعوا في الحديث عن أيام الحرب، لقد خاصموا المزرعة أيامها خوفاً وخلى المكان سوى من العامل خليل الذي زار المكان خلسة فشهد استشهاد اثنين من حرّاس المزرعة قصفتهم طائرة مروحية ولديه القصة كاملة حيث قال "رأيت احدهم مصاب برأسه والثاني في كتفه وقد حضر المسعفون متأخرون".

 

في الجهة الغربية، يقوم عمال آخرون بتجهيز مزرعة الأبقار قيد الإنشاء، يتابع أبو مالك فروانة مشرف المشروع الخاص بشركة ارض الإسراء مضيفاً "هذا أحد العجول ولد ليلة أمس. نحن هنا من وقت قريب، تأسس مشروعنا في تموز الماضي وكانت الأبقار للحليب واللحم، ولكن الحرب داهمت مشروعنا الأول في حي الزيتون فهربت 5 أبقار وأبنائها واليوم انتقلنا هنا لننشأ مزرعة مخططة لاستيعاب 1000 بقرة".

 

وتخطط جمعية أرض الإسراء لتوسيع المشروع الذي كلف قرابة مليون دولار حتى ينتج كميات من الحليب قد تساعدهم يوما لإنشاء مصنع للألبان وذلك بالطبع شرط زوال الحصار وتوفر مواد البناء التي انقطعت عن قطاع غزة من أكثر من عامين.

 

الصورة لا تختلف كثيراً في الشركات الزراعية بمحررات جنوب قطاع غزة، المسئول الفني في مزرعة حطين المهندس الزراعي فضل جنينة يطيل التأمل أمام حجم الخسائر التي خلفتها الحرب.

 

وتعد مزرعة حطين التابعة لجمعية الصلاح الإسلامية كبرى المشاريع الزراعية في محررات القطاع فهي مقامة على مساحة 700 دونم من الدفيئات والأراضي المزروعة بالخضروات. يتحدث المهندس جنينة عن زراعته قبل الحرب قائلاً: "كنا زارعين خيار وبندورة وثوم وبصل وبطاطس وكان الإنتاج ممتاز جدا لكن في فترة الحرب تعطل العمل وانقطع وصول الماء للمزروعات فهلكت كثير من المحاصيل".

 

وقد تكون المزروعات في شركة حطين لم تتعرض للعدوان البرّي، بمعنى أن الضيوف الثقيلة "الدبابات" لم تزرها لكنها تعرضت لعمليات قصفت أهمها ما دمر محول الكهرباء الرئيس في المزرعة وحادثة استشهاد اثنين من حراس المزرعة.

 

وأدى توقف العمل في مزرعة حطين إلى انتشار أمراض في المحاصيل وعطش كثير منها قرابة 35 يوم إضافة إلى توقف عمليات رش المبيدات والتسميد كما هلكت كثير من الأشتال المعدة للزراعة وطاشت أحلام الشركة بأرباح محاصيل "الطماطم والخيار والبازيلاء وغيرها ..".

 

ويؤكد مدير جمعية الصلاح الإسلامية مصطفى البحيصي أن الحرب على غزة تسببت في خسائر فادحة لحقت بمزرعة حطين وأن تدمير محول الكهرباء وقصف كثير من المحولات الكهربائية ما بين مدينة خان يونس ودير البلح تسبب أيضا في تلف كثير من المزروعات التي غابت عنها المياه لأكثر من أسبوعين.

 

ولم يتمكن العمال من الوصول للمزرعة طوال فترة الحرب وذلك خوفا من الطيران الحربي الإسرائيلي الذي قصف مئات الأهداف.

 

واليوم بدأت الوحشة، التي كست محررة نتساريم، تتلاشى فقد اتخذ الجيش الإسرائيلي منها خطاً لفصل القطاع إلى قسيمن أيام الحرب وبدأت في محررة نتساريم أعمال الزراعة تعود من جديد رغم قسوة الحصار، عودة من بين الركام والدفيئات المدمرة وشبكات المياه المتناثرة على جوانبها، لكن أهم العقبات التي تواجههم هناك هي ضعف التيار الكهربي والخوف من تذبذب الأسعار في السوق الزراعي المتقلب أصلا في حين لازال إصلاح الأضرار مستمر وهو ما يقول عنه المهندس أبو سلمية "شغلنا الشاغل اليوم بعد الحرب هو مواصلة العمل فلدينا الآن محصول الشمام والبطيخ والملوخية –يضم قبضته-ونحن نحاول من اليوم الأول التحامل على أنفسنا حيث حضرنا بعد إعلان الجيش الإسرائيلي وقف إطلاق النار بساعة للمكان وأصلحنا خط المياه".

 

وتمكن المزارعون في محررة نتساريم  خلال الشهر الماضي من زراعة عشرات الدونمات بأشتال البطيخ والشمام والبطاطا والملوخية ورغم قسوة الدمار وهم بقيادة المهندس أبو سلمية سعداء بنجاة بئر المياه الجديد الذي نجا من قصف الدبابات ولولاه لجف الزرع في كل المزرعة.

 

ويراقب العمال حاليا نمو محصول البصل الذي يطل برؤوسه الخضراء المستقيمة عليهم وهم ينظفونه من الأعشاب وقد انخفضت أعداد العمال هناك من 65 عامل إلى 12 فقط نظرا للأضرار التي لحقت بكثير من المزروعات.

 

أما في شركة حطين المقامة على محررات جنوب القطاع فيعكفون الآن على زراعة محاصيل الربيع من طماطم وخيار وبازيلاء وشمام وقد جهزوا عشرات الدونمات منها من أصل 700 دونم مخصصة للمزرعة.

 

وأكد المهندس فضل جنينة أن أهم العقبات حاليا تتلخص في نقص الأسمدة وندرة البذور والمبيدات وأسعارها الجنونية إن وجدت.

 

وكمدير لجمعية الصلاح صاحبة المشروع، يسأل مصطفى البحيصي كثيراً هذه الأيام عن كميات من السولار والبنزين لتشغيل المولدات الكهربية تلافيا للخسائر السابقة التي قدرت بـ 600 ألف دولار فيما يتصل بهاتفه الخلوي بين الحين والآخر لتوفير الأشتال والبذور حيث قصفت كثير من المشاتل وغابت البذور عن السوق بسبب الحصار.

 

ومنذ عامين بدأ النشاط الزراعي يمثل قطاعا حديثا وهاما من النشاط الزراعي في منطقة يتمتع بها المزارع الفلسطيني حيث وجد بخبرة واسعة أمام رزمة من العقبات.

انشر عبر