شريط الأخبار

ٍالسودان المستهدف بالاستقواء عليه..علي عقلة عرسان

08:56 - 20 تموز / مارس 2009

 

الغرب بارع في تكوين معادلات صعبة يلقيها على من يستهدفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. وآخر معادلة ألقاها بوجه السودان ورئيسه هي من ذلك النوع الصعب، وتتلخص في الآتي: " خلقنا لك فتنة في دار فور بعد فتنة الجنوب، إن أنت أطفأتها بالقوة فأنت متهم بجرائم حرب، وإن أنت تركتها مشتعلة أحرقتك وبلدك"، فاختر أي الخيارين، ونحن لك بالمرصاد.

السودان اليوم في هذا الفخ السياسي ذي الذرائع القانونية الذي يرمي إلى إضعافه وإرباكه وجعله منشغلاً تماماً عن استحقاقات أخرى غاية في الأهمية، منها الاستفتاء الذي سيجري حول وحدة السودان وقد يؤدي إلى انفصال الجنوب، حسب نصوص اتفاق سابق أدى إلى وقف الحرب في الجنوب التي اشتعلت عام 1956 واستمرت خمسين عاماً وكلفت الكثير وما زال جمرها تحت الرماد، وكان يقف وراءها الغرب الاستعماري ومجلس الكنائس العالمي الذي عمل على التنصير في السودان، وهدفت من بين ما هدفت ليه: قطع تواصله مع عمق القارة الإفريقية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، وفي ظل ذلك التقسيم الاستعماري القسري كان السوداني من غير أبناء الجنوب يمنع من الدخول إلى جزء من بلده "الجنوب"، ولا يسمح له بذلك إلا وفق بتأشيرة دخول لا تمنح له أصلاً.؟! كانت تلك من " نعم" الاستعمار الغربي ومن معادلاته التي يقيمها لشعوب وبلدان يستهدفها، حيث يؤسس من خلال ذلك لتدخل سافر وقح في شؤونها الداخلية، ويدخلها في أتون فتن يمدها بمواد الاشتعال. وغالباً ما يعتمد على ضعاف نفوس من أبناء البلد ممن يستقوون على بلدهم بالأجنبي ولديهم استعداد لأن يكونوا أدوات بيد الآخرين، فيصنعون منهم زعامات، ويحيطونهم بهالات وتنظيمات ومنظمات وبوسائل إعلام، تتيح لهم أن يظهروا قوة على حق وطلاب عدل وحرية، ويمدونهم بكل ما يحتاجون إليه ليشكلوا معارضات مأجورة تحدث منافذ وثغرات على بلدانهم، ويعمل الاستعماريون تحت تلك الواجهات ليحققوا أغراضهم ومصالحهم.

في دار فور تشتعل نار فتنة منذ سنوات، لم تكن في بداية انطلاقتها سوى خلاف بين رعاة وزرّاع من الحضر حول المرعى والماء، وهي من الخلافات التي اعتاد أهل المنطقة المسلمين على حلها بالتدخل العشائري الداخلي حسب أعراف وتقاليد معمول بها.. وحين تفاقمت الأزمة في ذروة من ذراها وبلغت الحكومة المركزية لم تكن أكثر من مطلب لدفع ديّات عدد من القتلى سقطوا بين المتصارعين. لقد تأخر السودان الدولة بحل هذه المشكلة، ربما لأنه رآها مما يحل داخل دائرة المنطقة حسب الأعراف والتقاليد العشائرية، ولم يلتفت إلى خطورة التدخل الأجنبي والاستثمار الخارجي الممكن لهذا الخلاف، لاسيما وهو منشغل بالتوصل إلى حل لمشكلة الجنوب، ولم يعط قيمة لأشخاص يطلبون الزعامة ولو بالجلوس على خازوق، ويمدون أيديهم للأجنبي يستقوون به ويقويهم هو على بلدهم بعد أن يربطهم بشباكه. فكان أن تطور الخلاف الدارفوري إلى فتنة استثمرها الغرب الاستعماري وصولاً إلى مصالحه وإضعافاً للسودان وتفتيتاً له.. فتنة تدحرجت حتى وصلت في نهاية الأمر إلى تدخل خارجي مكشوف، ومطالبة برأس رئيس الدولة البشير من خلال محكمة الجنايات الدولية، في قضية وصفت من جهات ودول وشخصيات بأنها سياسية خالصة وليس لها أي وجه قانوني.

لقد رفض شعب السودان، بما فيه شرائح واسعة جداً من أهل دار فور قرار محكمة الجنايات الدولية، ورفضته تجمعات دولية كبيرة مثل جامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، ودول المؤتمر الإسلامي، وبعض دول أميركا اللاتينية ودول عدم مجموعة الانحياز.. وطالبت كلها بعدم تسييس المحكمة ووقف ملاحقة الرئيس عمر البشير قانونياً.. ولكن موقف تلك الكتل الدولية على أهميته، لم يزحزح الغرب، ولي أمر المحكمة ومحركها، عن موقفه، ولم يجدِ في جعل مجلس الأمن الدولي يتخذ قراراً بوقف الملاحقة لمدة عام حرصاً منه على مسيرة السلام والأمن في دار فور، وعلى السودان والأمن والسلم في المنطقة المعنية بذلك الصراع. ولهذا التشدد من دول نافذة الرأي في مجلس الأمن الدولي مرماه ومعناه اللذين لا يخدمان السلام. ومن الواضح أن مجلس الأمن الدولي يوظف لأغراض لم ترد في ميثاق الأمم المتحدة، ويصب جهده في مجرى المعادلة المؤامرة التي نصبت للسودان.

لقد عبرت جماهير سودانية عريضة، ومنظمات عربية كثيرة، ودول عربية عديدة، عن رفضها لقرار محكمة الجنايات الدولية، واعتبرته موقفاً سياسياً خالصاً. وقامت وفود بزيارة السودان تضامناً معه ومع رئيسه الرئيس البشير.. وذكَّرت في بياناتها ومداولاتها بما ينبغي عمله.. وقد كان لملتقى الحوار العربي الديمقراطي الذي يضم أحزاباً ومنظمات ونقابات مهنية عربية من كل أقطار الوطن العربي، موقف رافض لقرار محكمة الجنايات الدولية وللتعامل مع أحداث دار فور بهذه لطريقة، تضمنه بيان أصدرته أمانته العامة بعد زيارة للسودان ولقاء مع الرئيس البشير في الخرطوم بتاريخ 16/3/2009.. وقد استوقفتني في البيان النقاط الآتية التي أتوقف عند كل منها بكلمات:

1ـ "الوقوف إلي جانب السودان ودعمه ومساندته في موقفه المبدئي الرافض لقرار المحكمة الجنائية الدولية، ودعوة جميع الفعاليات الشعبية السودانية إلي توحيد موقفها وجهودها تجاه هذا القرار الذي ينتقص من سيادة السودان الوطنية ويهدد وحدته الجغرافية والبشرية.".

إن وقفة الجماهير السودانية واجبة ومُقدرة ومهمة ويعوَّل عليها الكثير.. ولكن ألم يزل في السودان من يعارض هذا الموقف ويصب زيتاً على النار في السر والعلن، ويدفع المركب السوداني إلى الغرق.؟ ومن يقوم بذلك في داخل السودان وخارجه سودانيون لهم وعليهم، ويبدو أنه لم يقرأ أحد منهم درس العراق دراسة واعية بمسؤولية وإدراك كافيين.؟! فما هو الموقف منهم؟ وما هو موقفهم والواجب المترتب عليهم؟ ومن يواجههم بحقيقة ما يجب اتخاذه من مواقف في مثل هذه الظروف.. لكي تفوَّت الفرص على مقتنصيها، وتكون جبهة السودان قوية بما فيه الكفاية للتصدي للمؤامرة، ومستعصية على الاختراق.؟

2 ـ  "دعوة مؤسسة القمة العربية إلى رفض قرارات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر حسن أحمد البشير رئيس جمهورية السودان والمساهمة في تنمية منطقة دارفور.".

إن هذا مطلب عادل ومنطقي.. ولكن هل يعوَّل على مؤسسة القمة العربية أصلاً وهي المفتتة من جهة والمدخل على أقطار عربية من أقطار لإضعافها وتفتيتها؟ إن المرتجى هو موقف عربي موحد ومسؤول يرقى إلى مستوى التحدي ويجنب الأمة الضعف والمآسي، ولكن على الرغم من السعي إلى المصالحات، والتراكض على أبواب التضامن، فإن المعطيات تشير إلى ارتباطات عربية مع جهات غير عربية، ترقى على " الأخوة" العربية، وتلك الارتباطات بحد ذاتها منافذ وثغرات لأعداء العرب على بعض العرب.. ولا يريد أحد من المعنيين بها سدَّها. والله ولي الأمر.

3 ـ  "الدعوة إلى تكثيف الجهود السياسية والقانونية لمحاكمة مجرمي الحرب من الصهاينة والأمريكيين عما ارتكبوه من جرائم ضد أبناء الأمة العربية، لاسيما  الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين منهم.".

إن هذا مطلب عادل تنادت له شعوب وحكومات وتنظيمات وأحزاب ومنظمات.. وبالأمس أضيف إلى الوثائق المتصلة به اعترافات جنود الاحتلال الصهيوني عن ممارساتهم الإجرامية وغير الأخلاقية في غزة حسب أوامر رسمية.. فهل يمكن أن يشكل كل ذلك مدخلاً جدياً لجعل " الكيان الصهيوني" يخضع للقانون؟ أم أن الذين وضعوه فوق المحاسبة والمساءلة والقانون هم أنفسهم من يحتكم إليهم، وهم الذين يتجاوزون جرائمه ويحاكموننا بزلات تُرفع إلى مرتبة الجرائم..؟ إنهم هم أصحاب المحاكم الدولية، والمعايير المزدوجة، والقوة العمياء، والتدخلات المكشوفة في أمورنا وقضايانا وولاءاتنا وقراراتنا؟!.. فهل من سبيل إلى شفاء من ذلك المرض الاستعماري العضال.؟ 

4 ـ  "التأكيد على ضرورة أن تقوم هيئة الأمم المتحدة بعقد دورة تخصص لتحديد تعريف الإرهاب وتأكيد حق الشعوب في مقاومة المحتل وفق نص ميثاقها. ودعوة الجماهير العربية إلى تبنى خيار المقاومة.".

في الشق الأول من المطلب وهو التفريق بين المقاومة والإرهاب.. الأمل يبدو ضعيفاً في الوصول إلى ذلك، فما زالت أكبر دولة راعية للإرهاب " الولايات المتحدة الأميركية" وأكبر دولة تمارسه " الكيان الصهيوني" ومن يدور في فلكهما، يتفقون على موقف ضد التعريف وتحديد المفهوم ويرفضون عقد مؤتمر دولي لهذه الغاية، ويعملون في حالة تقصّد معلنة لبقاء مساحة مشوشة مختلّة تختلط فيها الأوراق. ولا أمل في تغير ذلك الوضع، من وجهة نظري، مادام العالم لا يقول للقوي المتغطرس: لا.. وما دام الضعفاء في العالم لا يشكلون قوة تمنع سحقهم أو تعيقه أو تجعله مكلفاً.

أما جعل المقاومة خياراً فتوجه جماهيري عربي واضح وخيار معلن، لكنه يتعارض مع الخيارات الرسمية العربية التي يذهب بعضها إلى حد التواطؤ على المقاومة ووصفها بالإرهاب.

5 ـ  "يدعو الملتقى إلى وضع ميثاق شرف لتداول السلطة  وممارستها، يدين من يستقوى بالأجنبي على وطنه، ويؤكد على المواطنة وخدمة المصالح الوطنية والقومية تحت سقف الوطن والدستور؛ وممارسة الإصلاح بالطرق والأساليب الديمقراطية. وتحديد المعايير والمفاهيم والمصطلحات واستخدامها بعلمية وموضوعية.".

إن هذا المطلب مما يجب تبنيه والعمل على تنفيذه والدعوة إليه في الوطن العربي.. لأن ذلك النوع من الاستقواء بالأجنبي واستعدائه قد كلفنا الكثير، وأثر سلبياً على أوجه الحياة العربية  كلها، ولأنه لا يجوز، بأي حال من الأحوال، أن تصبح الخيانة وجهة نظر والارتباط بالأجنبي ومشاريعه مداخل للوصول إلى السلطة، ولا يجوز أن يتم الاستقواء بالأجنبي واستعداؤه على البلاد ليكون شخص ما أو حزب ما حاكماً.. كما لا يجوز لحاكم أو نظام، بأي حال من الأحوال، أن يقوم بالاستقواء بالأجنبي ليمنع الآخرين " معارضة منظمة أو غير منظمة" من الوصول إلى السلطة، بوسائل ديمقراطية صحيحة وصحية ونظيفة، معتمداً على دعم خارجي يغطي بطشه أو قمعه أو فساده.. لقاء ثمن يدفعه الوطن. إن العمل تحت سقف المواطنة والوطن والانتماء والدستور والقانون وفي سبيل مصلحة العليا للبلاد والعباد، مقاييس ومعايير ومداخل يجب احترامها ورفعها إلى مرتبة الاحترام التي تليق بها، والمحاسبة على مخالفتها.

6 ـ "يدعو الملتقى مكونات المجتمع الدارفوري المختلفة وحشدها في اتجاه حل القضية بالتفاوض وإعمال الأعراف في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة . ودعوة الحركات المسلحة الدارفورية للتوحد وإعلان قبولها لمبدأ التفاوض.".

إن هذا المطلب أساس في حل الأزمة، وأهل دار فور من بين السودانيين جميعاً أولى باستيعابها ومعرفة حدودها وآثارها السلبية والإيجابية عليهم وعلى مستقبلهم ومستقبل السودان كله.. فهل إلى ذلك من سبيل يا ترى؟ وهل من عودة واعية ومسؤولة إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً، في إطار الدين والبيت والأهل والوطن؟! إن ذلك ليس بعسير على أهل دار فور وأبناء السودان الطيبين.. بعد تجربة النار والقتل والدمار والتشرد والحرب التي كلفت الكثير وخسر فيها الجميع.

إن أمر دارفور واستهداف السودان ورئيسه.. كل ذلك يحتاج من السودانيين والعرب الكثير،  ويحتاج بصورة خاصة إلى ما هو أكثر من الكلام، لمواجهة ازدواجية المعايير الغربية تجاه العرب والمسلمين وقضاياهم، كما يحتاج إلى أساليب مغايرة في المواجهة والتصدي والرد.. وإلى جبهة ثقافية واعية لأهدافها وأغراضها، متمكنة من أدواتها وأساليبها ومعارفها، مالكة للإمكانيات والمؤسسات والمنابر، تقوم بالتفاعل والتواصل والمثاقفة باقتدار، وتتصدي لثقافة مشبوهة واختراقات ثقافية وإعلامية وسياسية تطال الأمة وثقافتها وعقيدتها ومواقفها وحقوقها وحقائق الأمور التي تثار حولها، سواء أكان ذلك على مستوى القطري الخاص أو على المستوى القومي العام.. وذلك كله يدخل في دائرة تقصير العرب والمسلمين عن تكوين مؤسسات مستقرة قادرة على المبادرة، تعمل وفق استراتيجيات ثابتة وبرامج مرنة متحركة، وتستمر في أدائها وفقاً لما هو مطروح على الأمة من تحديات.. لأن الاستهداف مستمر منذ عقود وقرون، وسوف يستمر بصور متعددة كما يبدو إلى ما شاء الله.

دمشق في 20/3/2009

                               

 

انشر عبر