شريط الأخبار

صفقة تبادل الأسرى وحواجز الخطوط الحمراء.. أسباب الانهيـار .. الأبعاد والتداعيات

10:13 - 19 تشرين أول / مارس 2009

فلسطين اليوم – قسم المتابعة

ان "الخطوط الحمراء" التي قيدت حركة وهامش المناورة لدى الوفد الاسرائيلي في اتصالات الساعات الاخيرة بين اسرائيل وحركة حماس عبر القاهرة بشأن صفقة تبادل الاسرى هي السبب الرئيس في افشال المفاوضات، فقد كان الاعتقاد السائد في البداية ان الهدف من وراء هذه الخطوط الحمراء هو شكل من اشكال الضغوط على حركة حماس في اطار اللعبة التفاوضية والرغبة في تحقيق انجازات على حساب الطرف الآخر، وكان الجميع يتوقع ان تنجز صفقة التبادل، وان اسرائيل تحاول انتزاع تنازلات من حماس في اللحظات الاخيرة، كما ان الترويج الاسرائيلي لـ (اقتراحات سخية) تقدمت بها تل ابيب في الساعات الاخيرة كان بعيدا عن الواقع والحقيقة، وأن هذه الاقتراحات كان قد تم رفضها من جانب حركة حماس في جلسات تحاورية وتفاوضية سابقة . كما ان محاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت التأثير على حماس في الساعات الاخيرة والتركيز على ان بنيامين نتنياهو قادم لم يرهب الحركة ولم يدفعها الى التعامل مع المقترحات الاسرائيلية.

 

كان الاعتقاد السائد ان اولمرت يحاول تحسين ظروف صفقة تبادل الاسرى مع حماس في اللحظات الأخيرة، وأن تل ابيب باتت ناضجة للقبول بجميع شروط الحركة، أما الاطراف والجهات التي شاركت في الوساطة الى جانب مصر فقد شعرت بأن الملف يوشك على الاغلاق والانجاز، وأن حركة حماس مستعدة لتقديم بعض التنازلات فيما يتعلق بابعاد اعداد من المعتقلين الفلسطينيين الذين سيتم الافراج عنهم، ولكن، ليس الموافقة على رفض الافراج عن بعض المعتقلين، وكان الشعور لدى جميع الاطراف بان ايهود اولمرت سيفاجىء الجميع حتى بعد عودة مدير مخابراته يوفال ديسكين وعوفر ديكل الى اسرائيل واعلانهما عن وجود أزمة في المفاوضات، ويعرض مطالب حماس على الوزراء في حكومته ويدفع نحو المصادقة عليها وانهاء هذا الملف قبل رحيله عن رئاسة الحكومة ، الا انه وفي ساعات ما قبل ظهر الثلاثاء بقليل بدأت الصورة تتضح اكثر، كما ان التصريحات التي بدأت تصدر عن بعض المسؤولين في اسرائيل راحت تتحدث صراحة عن نقل ملف التفاوض للافراج عن شليط الى الحكومة الاسرائيلية المقبلة برئاسة بنيامين نتنياهو.

 

ان الكثير من الاحتمالات قد تطرأ على هذا الملف في عهد الحكومة القادمة، وقد تختلف استراتيجة التفاوض التي ستتبعها حكومة نتنياهو عن تلك التي اتبعتها حكومة اولمرت وبصورة كبيرة، ولكن، حتى دخول حكومة نتنياهو بشكل رسمي فان الاتصالات والمفاوضات سوف تتواصل وان كانت بصورة اقل سخونة من تلك التي شاهدناها في الأيام الاخيرة الا في حال حدوث تغييرات وتطورات دراماتيكية في مواقف الطرفين، وهو ما يستبعده المراقبون خاصة بعد اعلان اولمرت أن اسرائيل ليس لديها ما تقدمه من اقتراحات جديدة لحركة حماس مقابل الافراج عن شليط.

 

وبالعودة الى طريقة ادارة حكومة نتنياهو لهذا الملف في حال صدقت التقديرات والتوقعات وانتقل الملف الى متابعة ومعالجة اركان الحكومة القادمة في اسرائيل، فان بعض الجهات الاسرائيلية ترى في اسلوب اولمرت في ادارة المفاوضات لهذا الملف عبارة عن سلسلة من الاخطاء والاخفاقات التي تتسع باستمرار، وان رئيس الوزراء الاسرائيلي عاش حالة من الصعود والهبوط من حيث رغبته في انهاء هذا الملف منذ اختطاف شليط قبل سنوات، وان اتصالات الايام الاخيرة والضجة الاعلامية الكبيرة وسقف التوقعات والتقديرات وانهيار الاتصالات وحالة خيبة الامل لدى الجانبين ستمس بصورة كبير بالاتصالات التي ستجري وتدور في عهد الحكومة الاسرائيلية المقبلة.

 

ان حكومة نتنياهو القادمة لن تستطيع اهمال هذا الملف وهي ستواصل مساعيها للافراج عن شليط، لكن، نتنياهو ونقلا عن المقربين منه سوف يعيد تقييم استراتيجية التفاوض الاسرائيلية حول هذا الملف، كما انه سيدرس امكانية استبدال عوفير ديكلى بطاقم آخر يتولى مهمة التفاوض والتحاور من اجل الوصول الى صفقة "معقولة ومقبولة" ، ولا يستبعد ان يفتح الباب امام دخول ومشاركة اطراف اخرى في الوساطة بين حماس واسرائيل، لكن، ليس الى  درجة تهميش الدور المصري لاسباب تتعلق بحجم هذا الدور في المنطقة، ولنواح استراتيجية حساسة.

 

وفي الوقت نفسه تحذر جهات اسرائيلية من مماطلة كبيرة في اتخاذ القرارات بشأن هذا الملف من جانب القيادة الاسرائيلية القادمة، وهناك الكثير من الاسباب لهذا القلق، من بينها طبيعة التركيبة الائتلافية التي سيترأسها نتنياهو، وايضا الخطوط الحمراء التي رسمها اولمرت في الايام الاخيرة طوق بها مساعي حكومة نتنياهو في انجاز صفقة يمكن تمريرها لتبادل الاسرى، خاصة في ضوء موقف حركة حماس الرافض لأية تنازلات بالنسبة للمعتقلين الذين تطالب الحركة بالافراج عنهم ورفضها مبدأ الابعاد.

 

وتحذر جهات اسرائيلية من وجود بعض الاطراف في المؤسسة الأمنية والاستخبارية وداخل المستوى السياسي تدعو الى البحث عن طرق ووسائل اخرى غير التفاوض لاستعادة شليط، وهذا سيساهم في توتير وتعكير الاجواء ويمنع التوصل الى صفقة يتفق عليها الطرفان، كما ان هناك بعض الاطراف التي تطالب باجراءات عسكرية متطرفة ضد حماس، وهذا قد يبعد يوم الافراج عن شليط، كذلك فان تصرفات اولمرت وخطواته في الايام الاخيرة دفعت البعض الى تفسيرها بانها خطوات غير عقلانية، فعلى الرغم من رغبته في الوصول الى الافراج عن شليط، الا انه منذ البداية، لم يكن قادرا على دفع الثمن الذي تطالب به حماس، وأن عدم تقييمه الصحيح للموقف والتزامات وحساسية هذه القضية لدى الجانب الآخر، جعلته يتوهم بقدرته على انجاز الصفقة في ربع الساعة الاخيرة قبل مجيء حكومة نتنياهو ـ ليبرمان ومستغلا هذه الحكومة كورقة ضاغطة على حماس.

 

واستنادا الى خبراء اسرائيليين في هذا الميدان اي ادارة المفاوضات للافراج عن رهائن واسرى، فان اتصالات ربع الساعة الاخيرة عمقت الفجوة والخلاف بين الطرفين، وان اجواء الايام الاخيرة قد تدفع الحكومة الجديدة الى اعادة تقييم الموقف من جديد، وهذا يعني المزيد من الوقت والعماناة سواء لعائلة شليط او للوضع العام الذي تعاني منه الاجهزة الاستخبارية.

 

هناك عدة احتمالات وسيناريوهات امام الحكومة الاسرائيلية المقبلة برئاسة نتنياهو، دون ان تستبعد امكانية حدوث مفاجآت اللحظة الاخيرة قبل رحيل اولمرت، فمثل هذه المفاجآت معتادة في مثل هذه الحالات، وأن جميع الخيارات تبقى مطروحة في الدقائق الاخيرة، وبالعودة الى تقييم الوضع عشية دخول الحكومة الاسرائيلية الجديدة، فان نتنياهو كان يفضل انهاء هذا الملف قبل توليه السلطة، واي حكومة جديدة تفضل ان تتسلم طاولة خالية من اي مشاكل من الحكومة التي سبقتها، لكن، نتنياهو الذي يفضل عدم التعامل مع هذا الملف سيجد نفسه مضطرا الى تخصيص وقت اساسي للتعاطي معه في الفترة القادم.

 

لقد تعرض اولمرت في الايام الاخيرة ومعه الطاقم الذي ادار الاتصالات مع حركة حماس الى كثير من الانتقادات، ومن جهات مهنية عدة، انتقادات بعيد عن اية عواطف، تتناول الاسلوب في التفاوض والتحاور مع حماس وادارة الاتصالات معها، لذلك فان الحكومة المقبلة سوف تتبع اسلوبا جديدا في التحاور، وتستخدم وسائل ضغط على مختلف الاصعدة مترافقة مع الحوار والاتصالات، وهذا يستدعي تنسيقا بين مختلف الاجهزة الأمنية في اسرائيل ، وان تدار هذه الاتصالات بذكاء ، كما تقول الجهات الاسرائيلية، وهي تطالب الحكومة القادمة باشراك المزيد من الوسطاء مع ضغط اقتصادي ودبلوماسي على حركة حماس.

 

التطورات التي ستشهدها منطقة الشرق الاوسط خلال الاشهر المقبلة سوف تسمح بمثل هذه الضغوط ، والحكومة القادمة تضع في حساباتها امكانية اتباع اساليب اخرى ضاغطة على أمل ان تضطر حماس الى تخفيض سقف مطالبها، ولكن، هذه الاحتمالات التي قد تقدم عليها حكومة نتنياهو، لن تستطيع محو حقيقة واضح ، وهي ان سابقة دفع اسرائيل اثمان باهظة مقابل اسرى اسرائيليين (بعضها جثث) قد اصبحت مطبوعة في اذهان التنظيمات المسلحة في المنطقة، وهذا يعني ان هناك سقفا محددا مسبقا لا يمكن لاسرائيل ان تزيله وتمحوه بسهولة، كما ان العنصر الاساسي في هذه الصفقة الذي يضع اسرائيل في موقف محرج هو ان الجندي ما زال على قيد الحياة، وهذا من شأنه ان يساهم في رفع الثمن مقابل الافراج عنه، وهناك تحد ينتظر حكومة اسرائيل القادمة، وهو اجماع الاجهزة الامنية والاستخبارية على استحالة الافراج عن بعض المعتقلين الذين تطالب حماس بالافراج عنهم بحجة تأثيرهم السلبي على أمن اسرائيل، وهذا الحاجز لم ينجح اولمرت في اجتيازه، كما ان حجم الضغوطات من جانب المؤسسة الامنية والاستخبارية هي التي دفعته الى ضم ديسكين الى طاقم التفاوض لادراكه بأن عدم مشاركة رئيس جهاز الشاباك في هذه الاتصالات يعني استحالة التوصل الى اتفاق من اي نوع ، كما ان شخصية رئيس الوزراء اولمرت ليست قوية بما فيه الكفاية لفرض ارائه ومواقفه التي يؤمن بها، كما كان الحال مع اريئيل شارون الذي قرر الموافقة على صفقة تبادل الاسرى على الرغم من المعارضة الكبيرة للاجهزة الامنية انذاك، حتى رئيس الوزراء الاسرائيلي القادم نتنياهو لن يستطيع تجاهل تحذيرات الاجهزة الامنية، ولهذا ستدخل صفقة تبادل الاسرى الى حالة من الركود.

 

وترى جهات ذات خبرة في هذا الميدان، ان انجاز صفقة التبادل في عهد نتنياهو ستكون باسلوب جديد، وقد لا تحصل حماس على اكثر مما طرحه وعرضه اولمرت، وتتوقع هذه الجهات بداية مرحلة جديدة من العقوبات والاجراءات ضد حركة حماس في ضوء فشل التوصل الى صفقة التبادل.

 

والتلويح بفرض عقوبات على حركة حماس بشكل اوسع واشمل مما فرض عليها حتى الآن هو أمر غير مستبعد ، حيث سيتم استغلال مسألة شليط من قبل الحكومة القادمة للتهرب من اية ضغوطات دولية للتعامل مع حكوم فلسطينية تشارك فيها حماس، أو فتح المعابر بين اسرائيل وقطاع غزة، حيث ستدعي اسرائيل بانه لا يمكن التعامل مع حكومة فلسطينية تختطف احد جنودها، وترفض الافراج عنه في اطار صفقة تبادل الاسرى، ولذلك سيصبح التعامل مع اية حكومة فلسطينية او تحسين الظروف الحياتية في قطاع غزة مرتبطا بمسألة شليط، دون تجاهل مسالة عدم وجود ترتيبات أمنية تحفظ وقف اطلاق النار على الحدود الجنوبية مع القطاع ، فقد نجح اولمرت في ربط الملفات بعضها ببعض، وهذا ما تفضله حكومة نتنياهو القادمة، مما يجعل الباب مفتوحا امام اية خطوات عسكرية اسرائيلية مستقبلا،لكن، فشل صفقة التبادل واستمرار الحصار واغلاق المعابر سيدفع الفصائل الفلسطينية الى استئناف اطلاق القذائف والعودة الى العمل المسلح ضد اسرائيل. لذلك، هناك قلق من دخول المنطقة في دوامة عنف جديدة فالمرحلة القادمة غير واضحة المعالم.

 

والحكومة المقبلة في اسرائيل لن تتعرض للضغط الشعبي الذي تعرضت له حكومة اولمرت، فشاليط لم يخطف في عهدها ، والالتزام الاخلاقي للافراج عنه لن يكون بنفس الضغط الذي تعرضت اليه حكومة اولمرت، كما ان العامل الزمني الذي كان يضغط على اولمرت لانجاز واغلاق ملف شليط قبل رحيله قد تلاشى، وبالنسبة لحركة حماس فهي سوف تتأثر من فشل المفاوضات ، فهناك خيبة أمل في الشارع الفلسطيني بعد أن سادت حالة من التفاؤل في الفترة الماضية.

 

لقد نجح اولمرت عن قصد او غير قصد في الربط بين ملف شليط وملف التهدئة، وهذا سيفتح الباب امام حكومة نتنياهو لاستخدام جميع الوسائل ضد حركة حماس، ولن تكون هناك اية قيود او التزامات قطعتها حكومة اولمرت على نفسها وتلزم بها الحكومة القادمة، لذلك تحذر الكثير من الجهات من انزلاق الامور بين حماس واسرائيل نحو الأسوأ، وبالتالي، دعت هذه الجهات الى البحث عن مخارج وحلول للازمات القائمة.

 

وايضا دفع اولمرت بورقة التوصيات السرية التي شاركت في اعدادها وصياغتها الاجهزة الامنية الى بنيامين نتنياهو الذي ستنقل اليه الملفات الساخنة، وستكون هذه التوصيات اساسا للاستراتيجية الامنية الاسرائيلية مستقبلا.

 

محرر الشؤون الاسرائيلية لصحيفة المنار المقدسية
انشر عبر