شريط الأخبار

عبر الرفحين.. أطفال الأنفاق في "البوكس"

04:14 - 18 تموز / مارس 2009

 فلسطين اليوم: رفح

بملامح طفولية زوت براءتها خلف غبار الحصار، وملابس رثة زادها الزحف عبر الأنفاق اهتراء فلم تجدِ نفعا في صد سوط الشتاء عن أجسادهم الغضة التي لم يتجاوز أكبرها سنّا الـ12 ربيعا.. جلسوا في صندوق سيارة الشرطة المصرية الذي يعرف بـ"البوكس" يحيطهم رتل من الجنود الذين فاقوهم عددا.. بينما السيارة تشق طريقها نحو الجانب الفلسطيني من معبر رفح لتسليم هؤلاء الأطفال الغزاويين لذويهم.

 

مشهد يتكرر للمرة الثالثة تقريبا خلال الشهرين الأخيرين إثر إلقاء الشرطة المصرية بمحافظة سيناء القبض على مجموعات من أطفال قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عامين تسللوا عبر الأنفاق الواصلة بين رفح المصرية ونظيرتها الفلسطينية.

 

أبطال المشهد الأخير هم: عرابي محمد أبو السعود (12 عاما)، ومحمد زيدان الفرماوي (12 عاما)، وإياد حسن زنوب (11 عاما)، ونبيل إبراهيم أبو الطيور (11 عاما)، وفادي أحمد أبو مصطفى (15 عاما)، حيث أوقفتهم الشرطة المصرية أثناء خروجهم من نفق بالجانب المصري في حادثين منفصلين خلال الشهر الجاري.

 

عودة الصغار إلى ذويهم عبر معبر رفح المنفذ الوحيد لغزة على العالم الخارجي لم تخف مرارة ولوجهم للأنفاق كممر بديل لتحصيل احتياجاتهم التي حرمهم منها الحصار، والتي تجلت في غبار الأنفاق الذي ما زال ملتصقا بملامحهم الصغيرة.

 

وعن دوافع أطفال غزة لخوض هذه المغامرة، بحسب التحقيقات التي أجريت معهم، أوضح مصدر أمني مصري في تصريح خاص لـ"إسلام أون لاين.نت" بقوله: "برغم تباين ردودهم إلا أنهم أجمعوا على أنهم استغلوا هذه الأنفاق كممر للوصول إلى مصر لشراء حاجيات بسيطة مثل الحلوى ومعلبات الأغذية ليبيعوها في غزة".

 

وأكد المصدر الأمني بمدينة رفح، الذي رفض ذكر اسمه، أن "قدوم هؤلاء الأطفال إلى مصر عبر الأنفاق لا يشكل أي خطورة أمنية؛ فهم غالبا ما يرسلون لاستطلاع الأجواء لصالح أصحاب الأنفاق، وأحيانا يكون بعضهم في مهمة عمل داخل الأنفاق خلال تهريب البضائع ويحاول أن يخرج للاستراحة قليلا في الجانب المصري".

 

وأشار إلى أن "من يتم توقيفهم من هؤلاء الأطفال يرحلون على الفور إلى قسم شرطة رفح المصرية الذي يسلمهم بدوره عبر المعبر إلى المسئولين برفح الفلسطينية".

 

أحد أصحاب الأنفاق من الجانب المصري قال في تصريح خاص لـ"إسلام أون لاين.نت" رافضا ذكر اسمه: "كان هؤلاء يتدفقون على مصر عبر الأنفاق في بداية الحصار بأعداد كبيرة، أما الآن فالحملات الأمنية من الجانب المصري والقصف الإسرائيلي المستمر للأنفاق والذي اشتد خلال حرب غزة، حدَّ نوعا ما من هذا التدفق".

 

وتابع موضحا: "فأجسادهم الصغيرة تمكنهم من المرور بسرعة ومرونة عبر الأنفاق الضيقة؛ حيث يدر عليهم العمل بنقل البضائع عبرها أو إعادة حفر ما تهدم منها عائدا جيدا، ولذا يركز أصحاب الأنفاق على الأطفال فوق سن العاشرة ودون الخامسة عشر".

 

ونوه المصدر ذاته إلى أنه "غالبا ما يتوافد هؤلاء الأطفال على أصحاب الأنفاق من الجانب الفلسطيني؛ أملا في فرصة عمل تسد احتياجاتهم وأسرهم، نظرا لتفشي البطالة في قطاع غزة، وخاصة الأطفال من قاطني المخيمات والأسر الفقيرة التي فقدت عائلها".

 

وأردف: "والملاحظ أن هؤلاء الأطفال لا يهتمون بدراستهم بقدر اهتمامهم بهذا العمل، حتى إن بعضهم أصبح لديه خبرة كبيرة في حفر الأنفاق، واختيار الممرات المناسبة، وتوصيل شبكات الإنارة، ومد أنابيب سحب الوقود من الجانب المصري عبر الأنفاق".

 

وكما تربط الأنفاق بين رفح المصرية وشقيقتها الفلسطينية، جمع العمل بها كذلك بين أطفال غزة وأترابهم المصريين، الذين اتجه عدد غير قليل منهم من أبناء مدينة رفح للعمل في الأنفاق.

 

محمد أبو سويلم -كما فضل الإشارة إلى اسمه- واحد من أبناء رفح المصرية قال في حديث خاص لإسلام أون لاين: "إذا كان عدد قليل من الأطفال الفلسطينيين العاملين في الأنفاق ضبط أثناء وصوله للجانب المصري فإن أعدادا أكبر من الأطفال المصريين بمدينة رفح يتقدمون قائمة العاملين في الأنفاق أيضا، خاصة في فترة ازدهارها قبل أن تشرع مصر في إغلاقها جديّا منذ نهاية يناير الماضي".

 

وأشار إلى أن "دور الأطفال المصريين كان يتمحور في تسليم البضائع من الأغذية والحلوى والمنظفات وغيرها، وتغليفها بمواصفات معينة ليسهل نقلها عبر الأنفاق".

 

ولفت إلى أنه "نتيجة انخراطهم في هذا العمل خلال السنوات القليلة الماضية تمكن شباب صغار من أبناء رفح المصرية من تكوين ثروات طائلة، وصار من الطبيعي أن نشاهد أطفالا يجوبون شوارع المدينة بدراجاتهم البخارية الحديثة وربما سياراتهم أيضا".

 

وتشكل مكافحة الأنفاق التي تستخدم، بحسب إسرائيل، لتهريب الأسلحة وكذلك لنقل الغذاء والأدوية والبضائع، شرطا أساسيّا إسرائيليّا للقبول برفع الحصار عن قطاع غزة، وتأخذ حماس وبعض الدول العربية وإيران على مصر أنها تساعد في حصار القطاع بعدم فتحها بشكل دائم معبر رفح البري، وبمساعيها للقضاء على الأنفاق، لكن القاهرة تصر على أن يكون فتح معبر رفح بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وأنه بغير ذلك تتعرض حدودها مع غزة لحالة من الفوضى.

 

ويقبع قطاع غزة في حصار خانق منذ عامين زاد من مأساويته العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع والذي استشهد فيه أكثر من 1400 فلسطيني، وأصيب نحو خمسة آلاف آخرين، إضافة إلى تدمير البنية التحتية الفقيرة للقطاع ونحو أربعة آلاف منشأة، فيها منازل ومدارس ومستشفيات ومراكز صحية.

 

وزعمت إسرائيل أنها تمكنت خلال الحرب من تدمير نحو 60% من الأنفاق الحدودية بين غزة ومصر، بينما بدأ الفلسطينيون في ترميم الأنفاق عقب الحرب.

انشر عبر