شريط الأخبار

صيادو غزة.. بيوت مدمرة وقوارب محطمة وشباك ممزقة ورصاص في عرض البحر

08:09 - 18 حزيران / مارس 2009

فلسطين اليوم : غزة ( محمد البابا)

لا يدري الصياد أبو محمد زايد (55 عاما) بأية وسيلة يواجه ضنك الحياة وتعقيداتها المرة في غزة، لافتاً إلى أن عذاباته اليومية تتوزع بين همومه كرب أسرة فقدت بيتها في الحرب وتعيش في خيمة لجوء بيضاء تعاني الحصار الإسرائيلي وويلات الحرب الأخيرة، وبين همومه الصباحية التي يكابدها في عرض البحر بفعل الزوارق الإسرائيلية والتهديد بالموت والاعتقال وتدمير الشباك والقوارب.

وتكررت في الآونة الأخيرة اعتداءات الزوارق الحربية الإسرائيلية على الصيادين، مطلقة النار بكثافة من أسلحتها الثقيلة باتجاههم رغم التزامهم بالتعليمات الإجبارية.

وأوضح أبو محمد أن صيادي قطاع غزة يعيشون معاناة مركبة تتوزع بين كونهم أرباب أسر يعيشون في غزة المحاصرة وبين مجموعة من المخاطر يواجهونها يومياً في عرض البحر بفعل الزوارق الإسرائيلية، إلى جانب فعل الحصار والنقص الحاد في معدات الصيد من حبال وقطع غيار لصيانة المراكب والمولدات والشباك وشح المحروقات منذ أكثر من عامين.

ويعيش أبو محمد الأب لأسرة مكونة من 10 أفراد في خيمة تسلمها بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية جراء تدمير بيته في منطقة السلاطين شمال بيت لاهيا، ولا يزال يعمل في معترك الصيد رغم ويلاته ومخاطره وحجم الأعباء التي تزايدت عليه بسبب دمار منزله وقواربه وتشتت مسؤولياته.

وأكد أبو محمد أن قوات الاحتلال تمنع الصيادين من الاقتراب لمسافة كيلومترين بالقرب من الحدود، وهي المنطقة التي تعتبر الأغنى بالأسماك على طول الشريط الساحلي لمحافظات قطاع غزة، مشيراً إلى أنه كان يعمل في الصيد قبل تشديد الحصار والإجراءات الإسرائيلية نحو 400 صياد تقلصوا إلى النصف بسبب المنع والمخاوف من اعتداءات الاحتلال المتواصلة عليهم دون أي سبب.

ويستعرض ابنه محمد (30 عاما) وهو أب لثلاثة أطفال، أبرز محطات الاعتداءات الإسرائيلية، مشيرا إلى أن ذروة هذه الاعتداءات تتمثل فيما تقوم به زوارق الاحتلال هذه الأيام من اعتداءات شبه يومية واعتقالات بحق الصيادين وإعطاب مراكبهم ومنعهم من الدخول إلى المناطق المسموح بالصيد بها.

وأشار إلى عزوف العديد من الصيادين عن ممارسة الصيد في المنطقة بعد أن ضاقت رقعة الصيد ولعدم توفر أماكن لنصب الشباك، لافتاً إلى أن العديد من الصيادين فضلوا عدم القدوم إلى البحر تحسباًَ من الإصابة والموت كما حدث مؤخرا مع الكثير.

ولا يستبعد محمد الذي تعلم الصيد على يد والده، أن تقدم قوات الاحتلال على إغلاق البحر بشكل نهائي أمام الصيادين كما كانت تفعل في أوقات متفاوتة خلال فترة الانتفاضة.

ويشتكي محمد من تدني مستوى دخل الصيادين بشكل عام بالرغم من ارتفاع أسعار السمك في أسواق قطاع غزة، مشيرا إلى أن المشكلة تكمن في ندرة الصيد لعدم تمكن الصيادين من الوصول إلى أماكن تواجد الأسماك بسبب منع الاحتلال لهم، إضافة إلى غزارة الشباك في البحر.

وإلى جانب بيت أسرة أبو محمد، يسكن الصياد خميس رمضان زايد (59 عاما) وأب لأسرة ممتدة يزيد عدد أفرادها على 15 شخصاً، والذي فقد هو الآخر بيته ويعيش حالياً في الخيام بمنطقة السلاطين.

وأوضح خميس أن معاناته في السابق كانت تنحصر بين عدوان الاحتلال في البحر وويلات الحصار، أما اليوم فتضاعفت لتصل حد حياة وأمان أسرته التي فقدت منزلها، مشيراً الى أن هموم الصياد تضاعفت وباتت أثقل من أن يشكوه للبحر.

ويشير خميس إلى مباغتة زوارق الاحتلال للصيادين بمجرد دخولهم المياه، حيث تبدأ بإطلاق الرصاص بالقرب من قواربهم ثم تهاجمها حال لم تنصع للأوامر.

وأوضح بينما كانت نظراته تتركز باتجاه عدد من زوارق الاحتلال التي تقترب من الشاطئ أنه غالبا ما تصل الزوارق والبوارج الحربية الإسرائيلية إلى الصيادين بهدف الاحتكاك بهم ومضايقتهم واستفزازهم، وبالتالي اعتقالهم ومصادرة محتويات مراكبهم أو مصادرة المراكب نفسها أو إعطابها.

وأشار إلى أن صيادي قطاع غزة يواجهون معاناة كبيرة جداً في مهنة الصيد خلال هذه الأيام بفعل تواصل الأزمات، خاصة أزمة الوقود وعوائق الزوارق الاسرائيلية وشح الأسماك، منوهاً إلى اضطرار عدد كبير من الصيادين للتوقف عن العمل والجلوس في ميناء الصيادين بين الزوارق وقوارب المجداف.

وحول أزمة الغاز، أوضح خميس أن أزمة الوقود، خاصة الغاز، حرمته من الصيد بعد الحرب، لافتاً إلى أن الصياد لا يستطيع النزول للبحر ليلاً دون توفر إنارة لمراكب الصيد أملاً في وصول غاز يضيء المصابيح الكهربائية لمراكبهم التي هي الوسيلة الوحيدة لهم لكسب قوتهم وقوت أولادهم.

ورجح أن تزداد نسبة الصيادين العاطلين عن العمل حاليا إذا استمر انقطاع الوقود والغاز والحصار على قطاع غزة، محملاً الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تشرد عائلات الصيادين الذين لم يعودوا يجدون في مهنتهم نفعاً.

وسيطر التشاؤم على الصياد أشرف زايد الذي ألقى شباكه هو الآخر في خيمة صغيرة من ألواح الصفيح وجذوع النخيل قبالة الشاطئ، وفي ركن آخر ألقى مصابيح القوارب التي تعمل بالغاز وشباكا ممزقة واسطوانات فارغة في إشارة إلى توقف الحال وندرة الصيد.

وأشار الرجل الذي لم يتجاوز بعد العقد الرابع والأب لخمسة أطفال، إلى أن الأوضاع الأمنية وحالة الحصار المفروض على قطاع غزة انعكست سلبا على إمكانية ممارسة مهنتهم على ما يرام، موضحاً أن الصيادين وقواربهم ومصابيحهم أصبحوا "شواخص عسكرية" يتدرب عليها الجنود الإسرائيليون.

وقال بينما كان جالسا تحت مركبه وعلامات اليأس ترتسم على وجهه وهو ينظر نحو البحر: أتمنى أن يعود البحر من جديد ليحمل همومنا قبل قواربنا، ويغسل عرقنا وتعبنا، وتلاطف أمواجه مجاديفنا، وتبث نسماته الأمل فينا من جديد.

انشر عبر