شريط الأخبار

عصبية المواطنين في القطاع.. هل ستدوم.. أم سنتنهي بإنتهاء الأوضاع المعيشية الصعبة ؟

01:13 - 14 حزيران / مارس 2009

 

فلسطين اليوم- غزة (تقرير خاص)

لم يكن الخلاف الذي نشب بين السائق وأحد ركاب السيارة التي كانت تقلهم من مدينة دير البلح إلى مدينة غزة يستدعي ذلك الصراخ والشجار الذي لم ينته إلا بتدخل من كان برفقتهم.. ولكنهما كفلسطينيين باتت أوضاعهم المعيشية صعبة كانت العصبية الزائدة وعدم التحمل هي سمة غالبة على سلوكهم اليومي.

 

فكثيراً ما تسمع وأنت تسير في الشارع أصوات شجارات وخلافات تنشأ بين المواطنين وأصوات متذمرة ترفض الوضع الحالي الذي يعيشيونه وعندما تدقق في التفاصيل تكتشف أن سبب الخلاف أبسط بكثير من حجم هذا الشجار.

 

فالوضع الفلسطيني يعد حالة مستثناة قادرة أن تجعل من المواطن الغزي أكثر عصبية وتخرجه عن طوره، فالحصار الإسرائيلي المشدد على القطاع، وانقطاع الكهرباء والغاز وحالة الانقسام الداخلي، أسباب لاتنته للعصبية الزائدة في مجتمعنا.

 

أما المواطنون فاتفقوا خلال أحاديثهم لـ"فلسطين اليوم"، أن الأوضاع الاقتصادية والمعشية الصعبة كانت كفيلة بجعل الغزيين دائمي العصبية والتذمر ولسان حال يقول:" اللي بنشوفه في قطاع غزة مش قليل، وكفيل أنه يخرجنا عن طورنا".

 

" ماذا تنتظرين من سيدة زوجها عاطلة عن العمل ولديها 8 أطفال معظمهم طلبة مدارس ويحتاجون مصاريف كثيرة، ولديهم مطالب عديدة، غير انقطاع الغاز وصوت البابور ودخانه؟" تساءلت المواطنة أم حاتم من مدينة دير البلح.

وأضافت، أنها كثيراً ما تقوم بضرب أطفالها الصغار وتفرغ عصبيتها فيهم مما أثر على نفسيتها بشكل كبير، مؤكدةً أن الظروف المعيشية لعائلتها تجعلها دائماً عصبية خاصةً أن زوجها عاطل عن العمل ولا تجد مايسد رمق أطفالها في ظل المتطلبات الحياتية الكثيرة.

 

أما المواطن ياسر عبد حسونة صاحب مقهى الانترنت في مدينة غزة, فيرى أن الوضع الاقتصادي السىء هو السبب الرئيسي للعصبية وضيق النفس بالإضافة إلى ترتبات السياسة والبطالة المنتشرة في قطاع غزة والتزام الرجال في بيوتهم مما يؤدي إلى مشاكل اجتماعية داخل الأسرة.

 

وأشار حسونة، إلى أن هذا الوضع يتضاعف يوماً بعد يوم ويزيد انتشاراً بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، خاصةً حالة الدمار وعدم الاستقرار السياسي والانقسام الداخلي الذي أثًر على كافة مناحي الحياة، قائلا" لدرجة أنه بطل حدا يطيق حدا والصغير والكبير صار يحكي في السياسة".

 

ولم يختلف المواطن محمد فهد شهاب الموظف الحكومي كثيراً عن سابقه, مبيناً أن الظروف الاقتصادية الصعبة والوضع السياسي غير المستقر وإغلاق المعابر والصراع الفئوي بين الأطراف وما يترتب عليه من وضع مادي متذبذب ومتدني كلها عوامل تجتمع لتؤدي إلى عدم الاستقرار والتعصب الأعمى, مشيرا إلى أن الوضع المادي عامل هام ويلعب دوراً رئيسياً في عملية الاستقرار النفسي.

 

ودعا "شهاب" أرباب البيوت إلى تفادي هذه المشاكل وحلها بالطرق الصحيحة, حتى لو استدعى ذلك زيارة دكتور نفسي, للحفاظ على ترابط الأسرة وتماسكها، مشدداً على أهمية الاهتمام بالأطفال لأنهم اللبنة الأساسية في المجتمع وهم الأكثر عرضة بالإصابة بالأمراض النفسية.

 

وطالب شهاب، المؤسسات والجهات المختصة بالاهتمام بتحسين الحالة النفسية للمواطنين خاصةً الأطفال منهم ومحاول إرشادهم بالطرق السليمة لحل مشاكلهم وخلافاتهم، لاسيما بعد الحرب الأخيرة على القطاع.

 

أما المواطن حاتم النجار فلم تكن وجهة نظره مختلفا تماما, فقد عبر عن أمله في أن تحل مشكلة الانقسام وينجح الاتفاق الذي ترعاه القاهرة هذه الأيام وترجع روح الحياة للمواطن من جديد، موضحاً أن الانقسام الفلسطيني والوضع الاقتصادي العام أهم أسباب الضغط النفسي قائلا:"أنا عاطل عن العمل, ومتطلبات البيت لا تنتهي, وأحيانا أجد نفسي عاجز عن توفير ما تطلبه زوجتي والأولاد، لذلك أجد نفسي دوماً عصبياً".

 

من ناحيتها رأت إيناس جودة أخصائية صحة نفسية في برنامج غزة للصحة النفسية، أن الأحداث التي مرً بها أبناء الشعب الفلسطيني من انتفاضة أولى وثانية وكذلك الحرب الأخيرة على قطاع غزة كفيلة بجعل المواطنين أكثر عصبية.

 

وأشارت جودة، إلى أن الشعب الفلسطيني يتعرض لهجوم بأكثر من أسلوب ليحاول تغيير نمط تفكيره، ولاقتلاع الإنسان من جذوره ولإفقاده قيمته في الحياة، وبالتالي تصبح الحياة ضيقة، وهذا مايحدث مع شعبنا حيث باتت الأمور صعبة بالنسبة له في العديد من المجالات كالصحة والتعليم.

 

وبينت أخصائية الصحة النفسية، أن الانفتاح على العالم الخارجي مفقود نتيجة الحصار الإسرائيلي الخانق على شعبنا فيعيش شعبنا في سجن كبير، وبالتالي لا يوجد أفق في التعامل، فضلاً عن قلة فرص العمل وضيق الحال، والبطالة المرتفعة والضغط الذي تعيشه الأسرة الفلسطينية، فأصبح المواطن يطيق ذرعاً بحياته ويستفز من أصغر المواقف التي تقابله في حياته.

 

وقالت جودة :"إن صفة العنف مكتسبة، فعندما ينشأ الطفل في جو من العنف فإنه يصبح شخصاً عنيفاً لأن كل فرد في المجتمع يفرغ العنف في الآخرين، فالأب في أولاده وعائلته، والمدرس في طلابه"، منوهةً إلى أن هناك شعور بفقدان الأمل، وشعور بالعجز، وعدم تركيز، كما أن الانقسام أحدث تشويش بالفكر وخاصةً لدى الطفل.

 

وأضافت الأخصائية جودة، أن مفهوم الأسرة الفلسطينية تشوه خاصةً في ظل وجود العامل العاطل عن عمله داخل منزله، والموظفين الذين أصبحوا في منازلهم، مؤكدةً أن الحرب كان لها تأثير كبير وواسع على كافة أبناء شعبنا وأحدثت حالات نفسية سيئة.

 

ودعت جودة، إلى ضرورة إيجاد بدائل لتغيير نمط الحياة وفرصة للتواصل مع الأبناء والحديث معهم عن كل ما يتعلق بهم وعدم الاستسلام للأمر الواقع، ومحاولة التأقلم مع الواقع الحالي واستثمار وقت الوالدين تحديداً في التواصل مع أبنائهم.

 

كما طالبت وسائل الإعلام بالتعالي عن إظهار المشاكل الحزبية وتشويه الصورة الفلسطينية، والتمسك بالهوية الفلسطينية، والتأكيد على هوية فلسطين وخريطتها، والتمسك بالقيم الاجتماعية التي فقدها شعبنا خلال الأيام الماضية.

 

وشددت جودة على ضرورة إيجاد قانون يساعد على حل المشاكل الاجتماعية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي اقترفت خلال الفترات الماضية، مطالبةً أبناء شعبنا التواصل مع الآخرين والغفران والمسامحة.

انشر عبر