شريط الأخبار

يوميات الحصار والحرب ..نجوى شمعون

11:05 - 14 تموز / مارس 2009

 

من غزة ..الشاهد والشهيد

يبدأ اليوم الأول في الحصار الحرب فيهرب الشعر ويهرب معه جموع الأطفال، يفر أطفال غزة من مدارسهم ومن أسرتهم ومن حضاناتهم يفرون إلى الله جماعات يكتمل القمر في عيون الــــغزيين كوجه طفـــل ابن القمر قالوا وبكت الأم كلما فر منها طفل أكلته الحرب ونامت لتلتقط الحرب طفلا آخر في رفح، ليس بوسعي أن أحرر قلبي مما علق به بعض ذنوب وبعضها دمع حبيس المكان فاغفري لي يا طفولة غزة الجريحة واغفري لنا يا أميرة ودلال ونسيم وكل الطيور التي عششت الحرب فوق أهدابها، فوق دميتها وتركتها نازفة لأيام تركض في خوفها وفي ظمأ زهرة محاصرة و في كف غزة المسيجة يقفز الشعر باكيا ويهرب قتيلا يا ليتني قنديل في يد طفل لأشعل بسمته وأضمه، يبدأ اليوم الثاني من الحصار الحرب وطفل يحمل كسرة خبز مضرجة بالدماء عالقا بين السماء والأرض ملقى فوق سرير العناية المركزة عينيه مغمضة وقلبه الصغير ينفعل مع أصوات الطــــائرات الحربية من يحضن قلبه إذا ما سال حليب الطفولة واختلط بدمه.. اليـــوم الرابع والعاشر من حصار وتبدأ الحرب مسعورة ودبابة ما اعتادت مهادنة تدوس فوق الجثث وفــــوق العشب على جرح تسير، طائرات تفترس الوجوه فتقذف صاروخا هنا وآخر هناك فوق صبي يعتلي دراجته في فرح يشوبه الخوف من أن يكون صيدها الثمين ومجندة تعجبها الفكرة تشطره نصفين، نصف فوق دراجتـــه وآخر يحتضن التراب فتصفق مجندة وجنرالات تل أبيب للنصر الذي أحرز على طفل ..اليـــوم الأول من الأسبوع الثاني من الحرب، تغلق النوافذ : ترتبك المرأة خوفا على صغارها المتمســـكين بأيدي بعضهم البعض ويفر منهم غد رسموه سويا ..الأم مجفلة وقلــــبها المعلق بالسماء ..الأطفال يقفون في الشرفة والغرفة منكفئة على جرحـــها..الطائرة تلتــقطهم على شاشتها المتطورة، الطفل الأصغر يحبو ناحية أبيه في الغرفة المجاورة، بين يديه وهو يصلي 'أي الأب' يقف الطفل على قدميه، الطائرة ترمي بحقدها على الأطفال يتمزقون ويختلطون بلحم الأم ..'صرخات مكتومة للوجع' الأب يهيم على وجهه بالشوارع محاولا أن يلتقطهم من الخوف ..وسدىً يحاول..يبقى المشهد حارقا ونازفاً وفاجعاً..

 

غزة تقف على الغياب

 

في اليوم الثاني وتختلط الأيام علينا في الحرب يختلط الليل والنهار وتبقى الفجيعة يا غزة تبقى اللوعة والصدمة وحدها الشاهد على دمنا..

أجلس أمام التلفاز، وحدها الأخبار تأخذنا من أنفاسنا عليهم/ علينا ووحدها ألمنا المتصاعد في دمنا، تستشرس الطائرات في قصفها ترمي.. أم أخرى ترضع طفلها حليب المكان، يسقط في الغرفة خمسة شهداء وسادس ابن الجار، ووحدها غزة الغارقة في الظلام وفي الدماء، أيد مبتورة على الطريق الجانبي من تفرقنا، بقايا قدم تحت أنقاض بيت كانت فيه منذ أيام فرحة عرس، قلوب تتقلب في النار، ووحدك غزة تنتظرين أطفالك على قدم واحدة ويدين مبتورتين على الطــــريق البعيد رغم نزيفك تقفين على لائحة الانتظار ورغم غبارك تنتظرين رغم الحروق الفسفورية لقنابل ألقيت فوق الرؤوس وفوق البيوت تقفين، والدخان الأبيض يتصاعد من عينيك ومن بقايا جروحك أنفاس الحريق تظلين وحدك يا غزة رغم هدير البحر يتصاعد أطفالك نحو السماء لا يقوى القلب على الوداع فتغيبين في إغماءة الجرح المدخن تتنفسين فيشتعل الجرح ثانية ويعاود ليأكلك وأنت تصرخين..

 

أطفال سرقتهم الحرب

 

أطفال 'عائلة العبسي' برفح تصاب الأم ورضيعتها فيما تسرق الحرب ثلاثة أطفال تنتشلهم الأيدي فيما يغرقون بدمهم المسك، تفتح السماء على عجل أبوابها تضمد جراحهم النازفة فيتحولون لحمامات تطير في روض الجنة، دم' دافئ كدفء غزة وشاطئها ورملها، صرخ المكان المدمر الجاثم فوق أطفاله النائمين ..

تسرقها الحرب أولادها الثلاثة وأربع فتيات تصيبهن الحدأة إصابات في الرأس أما الرضيعة، حروق في وجهها وجروح ورقبتها وجزء من لسانها قطع أما الأم ففي العناية المركزة بمصر، غيبوبة طويلة اقتنصتها، والأب يده مكسورة وعشر غرزات في الظهر وسبع غرزات في الرأس وبيت تدمر بالكامل'

خجول هو الكلام يا لون الطفولة يكاد أن يخرس لسان الدنيا..يمد يداً نازفة للغياب الطويل فمن يلم شمل العائلة ومن يوقف قتلنا جماعات في غزة..

الأسبوع الثاني/طائرات تمزق سماء غزة وتتركها بلا يدين

طائرات تعيد الكرة مرة أخرى وتترك غزة بلا أقدام

طائرات تتبجح وتخط رقم عشرة في سماء غزة

 

طائرات ترفع شارة النصر..

 

بوارج حربية تقصف قبالة شاطئ غزة فيما تحاول غزة أن تطرد عن يومها الكلام، جنود يسيطرون على البيوت في غزة فيما تحاول طفلة أن تمسك بدميتها حين بدأ الهروب من الموت، الجند يقصفون البيوت بالقنابل الفسفورية فيما غزة هائمة على وجهها تركض خلف أطفالها..ويصر الجند على اللعب بدمها فيما تحاول غزة أن تحمل طفلها الميت، غزة بأكملها من الموت تفر إلى حدود الله ورفح في هجرة جماعية ناحية شارع البحر، وفيما يحاول هو أن يؤمن الطريق لأسرته يقصفه صاروخ عاد بجسد دون رأس .. ' أبراج المخابرات في منطقة السودانية 'ملاحظة: 'المشاهد ليست من فيلم حربي'. في اليوم الخامس من الأسبوع الثالث تبدأ الهمهمات بوقف لإطلاق النار أو وقف لقلوبنا ومع بدء الشائعة وهي تسري في النفوس وفي الشوارع المهملة إلا من قصف وقتل وتشريد، الشائعة تركض في الشارع المجاور ولا أثر لها بعد لحظة من صوت الطائرات الحربية وخاصة طائرة تسمى بـ 'الزنانة' تصور كل شيء وكل مكان وكل شارع وكل حركة حتى تعتقد أنها لربما تصورك وأن تحلم بالأمن، هل قتلوها أيضا وصلبوها على جسد غزة، الهدنة سقطت قتيلة وستسقط دائماً على أرض غزة لتبدأ حرب الاستنزاف على من تبقى..

 

الكتابة باللون الأحمر

 

هدأت غزة من ترنحها، قفز قلبه مع صوت المدافع والطائرات سقط على مقربة منه فيما يحاول أن يفتش عنه يتحسس بيديه العاريتين إلا من خوف يتصيده بزنانة أخرى هجمت على السماء في معركة من طرف واحد، ردد وهو يعبر بين بنايتين متكومتين على الكلام، مع من تبقى سأغني ردد في قلبه السلام فيما الحرب دائرة متوجسة وشرسة وفي بعض الأحيان خائفة من ضحاياها..

 

يحاول أن يروض قلبه حين وجده نصفين..

 

يحاول أن يصرخ في زوجته أن تصمت فيما هي خائفة وهو يلملم بقاياها عن سطح الجار..انتفض عن محاولته فيما كان الجيران يلامسون جرحه الرطب توقف عن الكلام، حاول أن يوقف محاولته للنظر فلم يجد غير جسده الحي الميت بين الأشلاء، في حركة سريعة وضع يده على فمه كي لا يصرخ 'نسي في غمرة الوجع أنه حي في بداية الحرب'أما الآن فلم يعد يوقن بالنجاة، تراجع قليلاً ليشيح بنظره لمكان أكثر رحمة سقط في حفرة الأعداد وتمتم هل أنا حي ميت ..؟ تمتم بوجع 'لا أريد أن أصبح رقم' لي حياة ولي أبناء ولي وطن مستباح.. هل أنا أنا ذلك الذي كان يجلس خلف مكتبه ..ذلك الواثق مما رأى ..رأى جثة بدون رأس ورأى لها يد ولم يكن لها جسد ..ورأى على مقربة منها رأس طفلة بلا جسد، تكوم على الجدار الفاصل ما بين الحياة والموت، تحسس رأسه وتحسس يده فيما كان يحاول أن يتحسس الجسد سقطت رأسه على مقربة من الصراخ..

الكتابة توجع في مناطق التماس.

 

غفرة لا تنام..

 

في أول الحرب أول الكلام، في مدرسة من مدارس الوكالة لم يكن هنالك تلاميذ بالمدرسة يلعبون أو يدرسون لغة الحروب بل عائلات هربت من سعير محتل حاقد ومن طائرات حربية تلاحق أطفال غزة، ليلة أخرى تمضيها السيدة 'غفرة سويلم' من منطقة 'حي البرازيل برفح' في مدرسة الوكالة قالت: بشيء من الحزن الصاعد حتى عينيها وبشيء من الصدمة 'حتى ما أعطونا إنذار كان أولادي في البيت ضربوا صاروخاً في البيت وألحقوه بصاروخ ثان ضاعت الدار والحمد لله ربنا سلم الأولاد نحن أربع عائلات في بيت واحد كل ما نملك أصبح بين الركام'، وبكت غفرة وبكى معها المكان والذكريات، شهقت غفرة 'أنا ما بنام بصير قلبي بدب للصبح خايفة من الطيران..دارنا ملهاش علاقة لا بنفق ولا بحماس ليش قصفوا دارنا ليش قتلوا الأمان'..ظلت غفرة تتمتم فمن يسمعك يا غفرة من يسمع لهيب قلبك خلف بيت تكوم مع الصباح ومن يسمع أصوات أحفادك الصارخين في يومهم المشرد فأين يلجأون من طائرات مسعورة تطارد حلمهم ومستقبلهم..

أما فاتن فطفلتها أصيبت في أول أيام الحرب، طفلة رضيعة مزقت القذائف بطنها وأصابت ما أصابت، لم أتحدث إلى فاتن فلم تعد قدماي بقادرة على كل هذا الزخم من العذاب لعائلات افترشت أرضية المدرسة، أما هي فكانت تبكي بقهر وحرقة لا أوراق لديها للمراجعة في المشفى الذي تعالجت به ابنتها ولا شيء لديها لا ملابس لها ولا لطفلتها ولا أوراق ولا حتى مال..

حين كنت في طريقي من بيتي إلى المدرسة التي لا تبعد كثيرا عن بيتي في منطقة الشابورا تبعد فقط وجع الحمام وسنبلة حبلى بالأطفال، ورغم قصر المسافة بين المدرسة والبيت إلا أنها تباعدت وهربت بدورها الطريق بفعل أصوات هادرة في سمائي، الطائرات التي افترشت السماء لم تبتعد ولم ترحل كانت كل خطوة تشي بالموت وان أكون أنا أو الطفل الذي يركض خلفي مبتسما وخائفا مثلي من أن يكون هدف الطائرة المحلقة بشراسة لتقتل كل متحرك حتى لو كان رضيعاً يزحف ..يا لهذه الطائرات ترمي بصاروخ يزن طنا أو أكثر لتقصف طفلاً على دراجته أو تقصف مسجداً أو بيتا بساكنيه أو تقصف أطفالا.. الجنود بحاجة للتأهيل بحاجة ليكونوا أكثر إنسانية مع أنفسهم قبل أن يكونوا معنا ..الجنود المساكين قتلوا بأيدي جنرالاتهم قبل أن يبدأوا المعركة..

شاعرة وإعلامية من غزة

 

انشر عبر