شريط الأخبار

هيكل: "عقد نفسية" قادت ملوك الأردن إلى إسرائيل

10:30 - 13 تشرين أول / مارس 2009

إفتكار البنداري

أرجع الكاتب الصحفي المصري محمد حسنين هيكل ما وصفه بـ"العلاقة الوثيقة جدا" بين الملك الأردني الراحل حسين وبين إسرائيل وأمريكا و"تقلب" مواقف الملك من القضايا العربية خاصة في أوقات الأزمات إلى كم كبير من "العقد النفسية والفكرية التاريخية" التي ورثها عن أبيه وجده، مستندا في ذلك إلى "وثائق" عبارة عن كتب ومذكرات عربية وأجنبية وشهادات أحياء، منهم زوجته الملكة نور، والرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر.

وفي برنامجه الأسبوعي "مع هيكل" على فضائية "الجزيرة" القطرية بثته مساء الخميس أسهب الكاتب المصري في تقديم "تحليل" نفسي لمكونات شخصية كل من الملك عبد الله الأول (جد الملك حسين)، والملك طلال (والد الملك حسين) التي صاغتها الأحداث السياسية والعائلية التي عاصرها الملكان وجعلتهما "معبأين بأحقاد وكراهية لا حدود لها" تجاه الدول العربية المحيطة، وجعلت الملك الحسين من بعدهما "أكثر جنوحا" إلى أعداء الأمة بدءا من الإنجليز مرورا بالأمريكان ووصولا إلى إسرائيل، على حد قوله.

 

وبدأ هيكل بالحديث عن الملك عبد الله الأول (1882- 1951) الذي أسس المملكة الأردنية على أرض شرق الأردن بمساعدة بريطانيا عام 1921 تحت اسم إمارة شرق الأردن، وكان من ثمار ذلك علاقات طيبة بين عبد الله والزعماء اليهود الذين أسسوا إسرائيل فيما بعد، وكان أول العرب الداعين إلى حل المشكلة بين العرب واليهود سلميا عام 1946 ثم الداعين إلى القبول بقرار تقسيم فلسطين بين الجانبين.

غير أن الملك عبد الله -بحسب هيكل- فوجئ بما اعتبره "خيانة" من الإنجليز له عندما دعموا تنصيب أخيه الأمير فيصل الهاشمي ملكا على العراق بدلا منه، خاصة أن شرق الأردن كان فقيرا جدا مقارنة بخيرات العراق، ومن جانب آخر كان ينظر إلى السعوديين على أنهم من طردوه من الحجاز ليتولوا هم إمارتها، وكان كذلك يكره المصريين لأنه اعتبرهم حلفاء للسعوديين.

 

"وهذه الكراهية المتعددة المغلفة بمشاعر المرارة والسخط والضعف جعلت الملك عبد الله ومن جاء بعده من الهاشميين يتحدثون بمليون لغة، ويظهرون دائما خلاف ما يبطنون، ومتقلبين في المزاج وفي المواقف تجاه الأشياء والدول والشخصيات".

 

وزادت عقدته -يواصل هيكل- بظهور البترول الذي جعل من السعودية والعراق دولتين ضخمتين ماليا مقارنة بأرضه الفقيرة، ورغم أن الدول العربية حاولت طمأنته وتقريبه بإسناد قيادة الجيش العربي الذي توجه لإخراج اليهود من فلسطين عام 1948 فإنه لم يطمئن، وبدأ اتصالات خفية مع الزعيمة الإسرائيلية جولدا مائير قبل الحرب بيوم، واتفق معها على أشياء -لم يذكرها هيكل- رغم أنه قائد الجيش العربي المقرر أن يحاربها في اليوم التالي.

 

وعلق هيكل على ذلك بقوله: "لا أصف ذلك بالخيانة؛ فهذه كلمة قيلت مرارا وتكرارا، ولكنها عقدة من عقد التاريخ"، مذكرا بأن الأمر انتهى باغتيال عبد الله على يد فلسطينيين خلال زيارة له إلى المسجد الأقصى عام 1951.

 

الملك طلال

 

وعن الملك طلال يقول هيكل: إنه ورث "قلق أبيه وخوفه وكراهيته لعائلة الملك فيصل في العراق وللسعوديين والمصريين والشوام وغيرهم، وزاد على ذلك كراهيته لأبيه نفسه، وورث عنه عقده النفسية حتى تحولت بداخله إلى عقد مرضية، أدت به أحيانا إلى محاولة إلقاء أحد أبنائه من النافذة؛ وهو ما أدى لعزله قبل مرور عام على حكمه، وإسناد الحكم لولده حسين رغم أن الأخير لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من العمر".

 

الملك حسين

 

ويقول هيكل عن الملك حسين: إن الخلفيات التي ورثها عن جده وأبيه، وطبيعة الظروف التي تولى فيها الحكم، إضافة إلى سنه الصغيرة، جعلته "معقدا أكثر بكثير" من السابقين له، فكانت شخصيته "متقلبة وتحمل تناقضات كثيرة، رأيتها بنفسي مرات كثيرة"، بحسب ما يشهد هيكل.

 

وضرب مثالا على ذلك بأن الملك حسين كان معجبا جدا بجمال عبد الناصر في بداية قيام الثورة عام 1952، حتى إنه كان يضع صورته في غرفة النوم، وكان من أوائل الحكام العرب الذين زاروا القاهرة عام 1954؛ ظنا منه أن مصر الثورية ستبتعد عن السعودية والعراق، إلا أن الأمر تحول تماما بعد معركة 1956؛ حيث تصور أن النظام المصري رغم انتصاره في المعركة على إنجلترا وفرنسا وإسرائيل سيتلاشى قريبا بعد أن دخلت الولايات المتحدة حلبة الصراع في الشرق الأوسط.

 

واتهم هيكل الملك حسين في هذا الصدد بأنه دخل في تحالفات مع المخابرات البريطانية ووكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) ضد مصر، ودبر انقلابا ضد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كما شارك في تدبير إنهاء دولة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961؛ وهو ما أساء لعلاقته مع الحكومة المصرية بشكل كبير.

 

واستدل الكاتب المصري بكتاب لياكوف هرتزوج -وهو حاخام يهودي سابق وسفير إسرائيلي فوق العادة- تناول فيه تطور علاقة الملك حسين مع إسرائيل في الستينيات، والذي جاء فيه أنه في بداية عهد الملك حسين "كان الاتصال غير مباشر مع تل أبيب، حيث كانت والدته الملكة زين وخاله يتوليان المهمة نيابة عنه، ولكن عقب نكسة 1967 بدأ الاتصال المباشر مع تل أبيب عن طريق هرتزوج نفسه، الذي نقل عن الملك قوله إنه راغب في الصداقة مع إسرائيل، ولا ينتمي لأي حلف يعاديها".

 

وقبل هذا بشهور قليلة -يواصل هيكل- التقى بالرئيس عبد الناصر في القاهرة، مؤكدا له أنه "رهن المعركة" المنتظرة، وتحدث عن الواجب المقدس في حماية الحقوق العربية من العدوان الإسرائيلي.

 

راتب من الـ سي آي إيه

 

كما استدل على العلاقة غير التقليدية بين الملك حسين وبين (سي آي إيه) بمذكرات بن برادلي رئيس تحرير صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في السبعينيات، وجاء فيها أن زميله الصحفي الشهير بوب وودوارد أخبره أنه رأى اسم زعيم عربي على قائمة المدفوعات الشهرية التي تدفعها الاستخبارات، ولكنه يريد الوصول لمصدر موثوق جدا كي يستطيع نشر هذا الخبر.

 

وفور علم برجينسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي وقتها جيمي كارتر، أوصل الصحفيين الاثنين بالرئيس الذي استقبلهما وأكد لهما صحة المعلومة، وأن ذلك الزعيم هو الملك حسين بن طلال الذي قبض راتبا شهريا من الاستخبارات لمدة 20 عاما، إلا أنه حثهما على عدم نشرها؛ حفاظا على العلاقات بين إدارته والدول العربية، ولكن الصحفيين نشرا القصة.

 

واعتبر هيكل أن مذكرات بن برادلي وما نشر عن هذه الواقعة في "واشنطن بوست" بمثابة "مصيدة التاريخ" للملك حسين بن طلال التي كشفت ما ظن أنه سيظل طي الكتمان.

وقال هيكل: إن معظم الأسماء المذكورة ما زال أصحابها أحياء يمكن أن يتم التأكد منهم مما قال.

 

وفسر هيكل قبول الملك حسين تلقي أموال من (سي آي إيه) بأنه كان "يتملكه الحقد وهو يرى عدوّيه، السعودية والعراق، يزدادان غنى وثراء مع تزايد تدفق حقول النفط مقارنة بضآلة موارد الأردن، فبحث عن نوع من التعويض وجده في وكالة الاستخبارات الأمريكية".

 

وانتهت الحلقة عند هذا الجزء، ومن المتوقع أن يتم استكمالها الخميس القادم.

 

 

انشر عبر