الانتخابات الفلسطينية: الانحياز للثوابت لا لسياسة الأمر الواقع

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:35 م
30 يناير 2021
مقال

بقلم .. تيسير الغوطي 

شهد تاريخ الصراع في فلسطين محطات وانعطافات هامة وخطيرة منذ بداية القرن العشرين، تركت كل واحدة منها آثاراً بليغة على هذا الصراع  ومجريات أحداثه فيما بعد، غير أن توقيع اتفاق أوسلو من قبل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والرسمي للشعب الفلسطيني وتضم أكبر فصائل العمل الفلسطيني، وبمباركة رسمية من النظام العربي بعمومه مثل الانقلاب الأخطر في تاريخ الصراع على أرض فلسطين، إذ شكل بداية الاعتراف الفلسطيني مدعوماً بالنظام العربي الرسمي بالاغتصاب الصهيوني لما يقرب من 80%من أرض فلسطين التاريخية، وبأن الصراع مع هذا الكيان لم يعد على فلسطين كما كانت تنادي  الشعارات والمقولات الفلسطينية، وإنما على جزء من فلسطين يسمى الضفة وغزة، وتم تعريفه في اتفاق أوسلو بأنه أرض متنازع عليها، وأن الصراع لم يعد عربياً- صهيونياً وإنما فلسطينياً- إسرائيلياً، وأنه أصبح نزاعاً سياسياً فقط يتم حله عبر اللقاءات على طاولة الحوار والمفاوضات ، وأن استخدام الكفاح المسلح والجهاد لم يعد مناسباً لحله، بل إن مَنْ ينادي به سيكون مكانه الزنزانة والسجن العربي الفلسطيني بالإضافة إلى الصهيوني.

الانتخابات الفلسطينية التشريعية  كما جاء في اتفاق أوسلو شكلت مفصلاً ومنعطفاً هاماً في تاريخ الصراع على أرض فلسطين، لا يقل خطورة وأهمية عن اتفاق أوسلو نفسه، فإذا كان اتفاق أوسلو قد أدخل منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المختلفة إلى حظيرة الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعامل السياسي معه، فإن الانتخابات الفلسطينية التشريعية التي جرت عام2006, أو التي سوف تجرى خلال عام2021 قد جرت أو سوف تجر من بقي من الأطراف الفلسطينية خارج هذه الحظيرة إلى داخلها، والاعتراف بالكيان الصهيوني واغتصابه لفلسطين, بغض النظر عن كون هذا الاعتراف صريحاً ومكتوباً ومعلناً على العالم أجمع, أو مستتراً تحت عبارة الأمر الواقع والواقعية, والسكوت على الممارسات الصهيونية خاصة التي تلك التي ترسم وتحدد على الأرض أجندة ورؤية الكيان الصهيوني للصراع وكيفية حله .

ولقد مثلت حركة الجهاد في فلسطين بموقفها الرافض للمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني 2006 موقفاً متميزاً وفريداً في نفس الوقت، لأنها الفصيل الوحيد الذي رفض المشاركة في الانتخابات رغم قبول  جميع الفصائل الأخرى المشاركة على اختلاف توجهاتها الفكرية والسياسية، وكثرت التحليلات والتعليلات لأسباب هذا الرفض، وتنوعت في نظرتها إليه ما بين تحليلات اعتبرته موقفاً مبدئياً يستند إلى الثوابت والمرتكزات الفكرية  والعقائدية التي تؤمن بها الحركة،وتحليلات تفوح منها رائحة الشماتة والتشكيك حين أرجعت رفض الحركة المشاركة في الانتخابات إلى نتائج حسابية قامت بها الحركة لمعرفة رصيدها الجماهيري أكدت ضعف هذا الرصيد، أياً كانت هذه التحليلات أو أهدافها فإن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها تكمن في وجود أسباب وجيهة لدى الحركة لعدم دخول الانتخابات التشريعية والمشاركة فيها ، بعضها تطرقت إليه أدبيات الحركة ، والبعض الآخر يتناسق مع ما تم إلى الآن الإعلان عنه في الهدف والمضمون، واليوم وبعد أن أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسوما رئاسيا لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني بالتتابع في التواريخ22/5/2021, 31/7/2021, 31/8/2021, فإن على الفصائل المقاومة للاحتلال وجرائمه وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي, أن ترفض المشاركة في هذه المسرحية والمسماة انتخابات لأسباب كثيرة, يمكن إجمال أهمها في التالي:

1-الاصطدام مع الثوابت  الفكرية التي تؤمن بها الحركة وفي مقدمتها موقع فلسطين التاريخية والقضية الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية في فلسطين والعالم أجمع، والموقف الإسلامي وحكم الإسلام في الغزو والاحتلال الأجنبي لفلسطين، والفرق بين ذلك وموقف الإسلام من قضية الحكم في البلدان والمجتمعات الإسلامية التي تعيش تحت سلطان حكومات حادت عن طريق الإسلام وتطبيق قوانينه وأحكامه، ففي مثل هذه البلدان يمكن الحديث عن قضية الحكم وإصلاحه بما يتوافق مع المنهج الإسلامي، وأما فلسطين وكما جاء في أحد أدبيات الحركة" فهي حالة مختلفة ، فالأرض مغصوبة ، والوطن محتل، والشعب نصفه يرزح تحت الاحتلال المباشر ونصفه الأخر مشرد في أصقاع الأرض وليس هناك دولة لكي نخوض صراعاً أو سجالاً على حكمها بالإسلام أو بغير ما أنزل "الله" فالحكم الذي أنزله "الله" لمثل ما عليه حال فلسطين ولا جدال فيه هو الجهاد في سبيل "الله" من أجل تحريرها وتطهيرها من دنس الغزاة " محكوماً بالثوابت الإسلامية التي تحدد موقع فلسطين في الإسلام والتاريخ والواقع وفريضة الجهاد ضد  الغزاة والمغتصبين من بني صهيون، "

"  وإن الالتزام المبدئي بهذه الثوابت يفضي إلي عدم القبول أو الانخراط  في خطوة سياسية من شأنها أن تسهم  في تكريس الأمر الواقع الذي تحاول الأطراف الدولية و الإقليمية والمحلية من خلاله إضفاء المشروعية المصطنعة على وجود الدولة العبرية ، وعرقلة وضرب كل مشاريع الصمود والنهوض والجهاد من أجل تحرير أو استعادة فلسطين التاريخية.

2- الانتخابات  للمجلس التشريعي هي جزء من عملية التسوية مع الكيان الصهيوني،  فهذا المجلس تم إنشاؤه بموجب اتفاق اوسلو 2 الذي  وقع في واشنطن عام 1995م ، ومادام هو نتاج أوسلو فإنه سيكون محكوما بسقف هذا الاتفاق المذل للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية ، بل إن المجلس التشريعي واسمه الحقيقي  في  اتفاق اوسلو مجلس السلطة هو أحد المؤسسات التي صممت وأنشئت لتنفيذ اتفاق اوسلو أو الحكم الذاتي كما وصفته القوى و الفصائل الفلسطينية التي رفضت الدخول في الانتخابات عام 1996م ، أكثر من ذلك فإن للكيان الصهيوني وحسب اتفاق اوسلو حق الاعتراض على أي قرار يصدره المجلس ويمس بالكيان ، وفي هذه الحالة فإن هذا القرار يراجع من قبل لجنة فلسطينية – صهيونية مشتركة

3- الانتخابات للبرلمانات والمجالس التشريعية كجزء من العملية الديمقراطية يفترض فيها أن تتم في دولة مستقلة ذات سيادة ولمجتمع قادر على إنتاج شروط حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بحرية كاملة، وبالنظر إلي الوضع الفلسطيني فإن ذلك كله وليس بعضه لا وجود له على الأرض، فالانتخابات جرت تحت حراب وظل احتلال مجرم يمارس أشرس أشكال القمع و الإرهاب اليومي ضد الأرض والإنسان من قتل واغتيال ومصادرة أراض وهدم منازل وتجريف مزروعات, ناهيك عن قدرته وتحكمه في تعطيل هذه الانتخابات أو السماح بإجرائها في معظم مناطق السلطة الفلسطينية, إضافة إلي أن أغلب مناطق السلطة وخاصة في الضفة الغربية واقعة تحت الاحتلال الصهيوني المباشر، وهذا يعد سابقة خطيرة في التاريخ خصوصا تاريخ الشعوب التي تتعرض للاحتلال والاستعمار المباشر، والواقع الذي يحاول فرضه على الأرض وبسياسة الأمر الواقع ، هذا الواقع يؤكد بأحداثه اليومية أن الكيان الصهيوني لا يمكنه  القبول أو السماح بإجراء الانتخابات التي ستغير قواعد اللعبة أو تحددها في المنطقة، ويجب أن لا تخدعنا الاعتراضات الصهيونية والأمريكية  في التصريحات الإعلامية هنا وهناك ، فهذا من باب الاستهلاك الإعلامي فقط .

 

4- مثلت وتمثل الانتخابات بكافة مسمياتها أحد وأخطر الألهيات التي قدمت للشعب الفلسطيني المنكوب بالاحتلال والظلم وفساد القيادات، ففي الوقت الذي كان فيه الكيان الصهيوني يمارس كافة أشكال الممارسات الإجرامية بحق الأرض و الإنسان الفلسطيني من قتل واغتيال وقصف وهدم و مصادرة للأراضي وبناء للجدار العنصري، ويثبت على الأرض سياسة الأمر الواقع والوقائع التي تتناسق وتنفذ أجندته ورؤيته لمستقبل الصراع مع الفلسطينيين والحل معهم، يراد للفلسطينيين بكافة توجهاتهم السياسية أن يكونوا منهمكين وغارقين في التفصيلات الجزئية والتفريعات الهامشية للانتخابات ومحدداتها الزمنية والمكانية المختلفة، وشكل النتائج والنسب التي سيحصدها كل فصيل مشارك في الانتخابات، بحيث أضحت كل الأحاديث واللقاءات والجلسات الشعبية والرسمية والتصريحات الإعلامية لهذا المسئول أو ذاك لا تخرج عن أحدى موضوعات الانتخابات، وغياب كامل للحديث عن ممارسات الاحتلال باستثناء الترحم على الشهداء الذين يسقطون يوميا برصاص الغدر الصهيوني، بل إن الجميع خصوصا الرسميين منهم يتحاشون الاقتراب من الممارسات الاحتلالية لئلا يستفز الكيان الصهيوني ويقدم على عرقلة الانتخابات هنا أو هناك.

5- تعذر إمكانية الجمع بين المقاومة وممارسة السياسة المحكومة بسقف الشرعية الدولية و اتفاق اوسلو كأحد إفرازاتها, يفرض عدم المشاركة في انتخابات ستقود لممارسة تلك السياسة، وإدراك الجميع لهذه المعادلة خصوصاً  الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني دفع بهما للإصرار( خاصة واشنطن ) على إجراء الانتخابات الفلسطينية 2006 رغم التوقعات بفوز كبير لحركة حماس على حساب حركة فتح، متجاوزة ورافضة كل الاعتراضات التي قدمتها السلطة الفلسطينية لتأجيل الانتخابات أو إلغائها ، إضافة إلي وضوح الموقف الأمريكي والأوروبي والشرعية الدولية عموما بأن قبول مشاركة أي فصيل في الانتخابات واللعبة السياسية يتطلب منه أولا :- التخلي عن خيار المقاومة والكفاح المسلح ( العنف والإرهاب بالمصطلح الصهيو-أمريكي ) , ثانيا :- الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعايش معه كأمر واقع في المنطقة ، تحت هذا السقف فقط تمكنت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات من الدخول إلي اللعبة السياسية في المنطقة, هذا السقف وهذه الاشتراطات لا تمثل موقفاً أمريكياً فقط بل وعربياً رسمياً، فمعظم –إن لم يكن كل- الأنظمة العربية الرسمية خاصة مصر والأردن اللتين تشكلان الحاضن الأساس للنظام الفلسطيني الرسمي تقبل به ويمثل جزءاً هاماً من سياستها تجاه القضية الفلسطينية، بغض النظر عن السبب أو الدافع وراء ذلك والذي قد يكون التساوق مع الموقف والاشتراطات الأمريكية خوفاً من غضبها ونقمتها. أضف إلى ذلك أن الواقع العملي على الأرض يفرض تلك المعادلة السابقة بعدم إمكانية الجمع بين المقاومة وممارسة السياسة المحكومة بسقف الشرعية الدولية واتفاق اوسلو، فمن غير المعقول والمنطقي أن يتحرك أعضاء المجلس التشريعي لأحد الفصائل المشاركة فيه بين مناطق السلطة أو إلى خارجها ويجتازون الحواجز الصهيونية ببطاقات .... التي يصدرها الاحتلال ، ثم يقوم هذا الفصيل بتنفيذ عملية استشهادية ضد الصهاينة جنوداً أو مدنيين وفي أي بقعة من فلسطين المحتلة سواء في عام1948أو عام 1967

أما موضوعة الاعتراف بالكيان الصهيوني، فإن أمريكا والدول الأوروبية وحتى الكيان الصهيوني نفسه يدرك صعوبة ذلك لدى الفصائل الإسلامية ، لذا فإنهم يكتفون في حقيقة الأمر (رغم التصريحات الإعلامية)  بسحب الدعوة لإزالة الكيان الصهيوني من أدبيات الفصيل، وبالإعلان الرسمي عن القبول ببرنامج مرحلي يقبل بدولة فلسطينية في حدود عام 1967، فحين يكون الهدف النهائي استرداد أراضي 1967 حتى لو جرى وصفه بالمرحلي فانه يعني السكوت عن باقي أراضي فلسطين التاريخية التي أقيمت عليها دولة الكيان الصهيوني، وهذا يمثل اعترافاً ضمنياً بدولة الكيان الصهيوني، وهذا ما سيعتبرونه تحولاً استراتيجياً يسهم في احتواء قوى الإسلام المقاوم والجهادي، والتي تمثل أكبر خطر على وجود ومستقبل الكيان الصهيوني بالمنطقة.

    ومن جهة الكيان الصهيوني نفسه فإنه لا يبكي كثيراُ على الاعتراف الإعلامي الفلسطيني أو غيره، فهو لم يبك على هذا الاعتراف طوال سنوات اغتصابه لفلسطين مادام يفرض نفسه بقوة السلاح ودعم القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ودعم الشرعية الدولية ومنظماتها المختلفة، لكن الذي يبكيه هو الثمن الذي يدفعه يومياً من دماء جنوده ومواطنيه واقتصاده وأمنه واستقراره الاجتماعي، الكيان الصهيوني لا يهمه كثيراً الإعلان الإعلامي للاعتراف به (مع أهميته المعنوية) ، ما يهمه أساساً هو قدرته وتمكنه من تنفيذ أجندته ورؤيته الخاصة للصراع في فلسطين ولشكل الوضع النهائي على الأرض دون أن يدفع ثمناً باهظاً لذلك من دماء أبنائه واستقراره، وأن يتم ذلك في أقصر وقت ممكن، والوقائع على الأرض تؤكد ذلك, وتؤكد صوابية قاعدة تعذر إمكانية الجمع بين المقاومة والسياسة المحكومة بسقف الشرعية الدولية وإفرازاتها مثل اتفاق اوسلو, وتؤكد عظم الهدية التي نالها الكيان الصهيوني من دخول الفصائل الفلسطينية المقاومة وخاصة الإسلامية اللعبة,  فها هو اليوم ينفذ سياسته وأجندته بمصادرة غور الأردن وارض شاسعة في الضفة الغربية لصالح بناء الجدار والمستوطنات, ويعتقل ويغتال من يرغب في اعتقاله أو اغتياله ودون أن يدفع أي ثمن مقابل ذلك من دماء جنوده ومواطنيه أو استقراره .

6-  مشاركة الجميع في انتخابات تحت سقف أوسلو وخاصة فصائل المقاومة الإسلامية يحرم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية من ممثلين له يستطيعون رفع راية الرفض لأي اتفاقيات أو معاهدات توقعها جهات فلسطينية أخرى مع الكيان الصهيوني, متذرعة في ذلك بأن هذه الاتفاقيات لم تحز على ثقة و تأييد كافة ممثلي الشعب الفلسطيني وقواه، وأي اتفاق مستقبلي توقعه السلطة الفلسطينية الرسمية مع الكيان الصهيوني لن يستطيع أي فصيل مشارك في اللعبة السياسية وأصبح جزءاً من مكونات السلطة أن يعترض عليه (كما لو كان خارج السلطة ), وعليه فإن الفصائل الإسلامية بدخولها اللعبة السياسية تكرر الخطأ الذي ارتكبته منظمة التحرير الفلسطينية عندما دخلت اللعبة السياسية والمفاوضات السلمية مع الكيان الصهيوني، بديلاً عن النظام العربي الرسمي، وحرمت بذلك الشعب الفلسطيني من إمكانية رفض أي اتفاق يوقعه النظام العربي مع الكيان الصهيوني تحت ذريعة أنه ليس جزءاً من التوقيع .

 

     كما أن مشاركة جميع القوى الفلسطينية خاصة الإسلامية في اللعبة السياسية والتفاوض مع الكيان الصهيوني سيعطي الأنظمة العربية والإسلامية الانهزامية مزيداً من الأوراق للتحلل من أي التزام تجاه فلسطين والقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وبالتالي مزيداً من الهرولة والاندفاع باتجاه العلاقات والتطبيع مع الكيان الصهيوني، إذ إن القضية الفلسطينية أصبحت في يد الفلسطينيين الرسميين، وهذا يصب في الهدف الصهيوني الأساسي المتمثل في تحويل الصراع في فلسطين من صراع صهيوني – إسلامي إلي صراع فلسطيني – صهيوني و بالتالي إفراغ هذا الصراع من أي مضامين تفرض على الدول والشعوب العربية  والإسلامية بتبنيه واتخاذ المواقف والقرارات بما يتوافق معه .

7- دخول جميع الفصائل خاصة الإسلامية والتي رفعت لواء المقاومة والجهاد في اللعبة السياسية  تحت سقف الشرعية الدولية المنحازة والغير عادلة يصادر وبأثر رجعي كل الانتقادات التي وجهت لاتفاق اوسلو وخيار التسوية والمفاوضات السلمية مع الكيان الصهيوني، ويلغي التمييز الذي كان يسود الساحة الفلسطينية بين فصائل تقف مع المفاوضات والحل السلمي وأخرى ترفض ذلك وتقف مع المقاومة والجهاد باعتباره الطريق الوحيد لتحرير الأرض و الإنسان، ويؤكد من ناحية أخرى صوابية الطريق الذي اختارته منظمة التحرير الفلسطينية، فيما يضع علامات استفهام على طريق المقاومة والجهاد .

    كما أن هذه المشاركة من قبل الإسلاميين خاصة ستمنح فريق أوسلو والسلطة الرسمية الحاكمة الشرعية الكاملة للقرارات والمواقف التي ستتخذها في المفاوضات المستقبلية مع الكيان الصهيوني، خاصة فيما يتعلق بقضايا الحل النهائي، بعد إعطائها مزيداً من شرعية الوجود وتمثيل مجمل الشعب الفلسطيني والتحدث باسمه ونيابة عنه.

8- تمثل الانتخابات بالشكل المطروح وضمن السقف الصهيوني لما هو مسموح وما هو مرفوض تجاوزا وإهمالا لغالبية الفلسطينيين ( فلسطيني الشتات+ فلسطيني48+ فلسطيني القدس), لأن المطروح في الانتخابات الرئاسية انتخاب رئيس دولة فلسطين, ومادام الأمر كذلك فالواجب أن يشارك في انتخابه جميع الفلسطينيين في مختلف المناطق التي يتواجدون فيها, ومن المؤكد أن فلسطيني الشتات وفلسطيني48وفلسطيني القدس لن يتمكنوا من المشاركة في الانتخابات, وهذا إهمال لهم رغم أنهم يشكلون العدد الأكبر من الفلسطينيين, إلا إذا كان المقصود بدولة فلسطين الوارد ذكرها في مرسوم الانتخابات الرئاسية هي ما تشمل الضفة وغزة, لأن السكان فيهما هم الذين سيتمكنون من الاقتراع والمشاركة في الانتخابات.

9- هناك الكثير من الشكوك تدور حول هذه الانتخابات والكثير من التساؤلات تثار حولها, تشير وتؤكد بمجملها أنها لن تؤدي لما هو مأمول منها فلسطينيا, ومن ذلك ما هو حضور القرار الصهيو أمريكي في الانتخابات ونتائجها, فالكيان الصهيوني هو صاحب السيطرة الحقيقية على الفلسطينيين بالاحتلال المباشر أو بالوكالة, ولن يسمح بإجراء الانتخابات إذا كان ذلك سيؤثر سلبا على رؤيته وأجندته, فمخطئ من يظن أن الكيان الصهيوني سيقف متفرجاً على ما يحدث، وأنه على الحياد في الانتخابات الفلسطينية، وأنه ينتظر النتائج ويترقب، ويلتزم الصمت ولا يتدخل، وأنه لن يمارس ضغطاً على الأطراف المشاركة في لانتخابات أو الضامنة لها، كما أن السلطة الفلسطينية الحاكمة لن تسمح بإجرائها إذا قادتها التوقعات إلى إمكانية خسارتها، وستنتهز أي فرصة وأي حدث لإلغاء الانتخابات أو تأجيلها ولو بافتعال ذلك الحدث أو الموقف, وهو ما حدث بالفعل بعدما أعلن الرئيس محمود عباس نيته إجراء الانتخابات من على منبر الأمم المتحدة قبل ثلاث سنوات, كما أن الفريق الحاكم لن يسمح لمعارضيه ومعارضي رؤيته وأجندته السياسية بتولي السلطة إذا ما فازوا في الانتخابات, وما حدث بعد انتخابات 2006 خير دليل على ذلك, لأنه كما النظام العربي الرسمي لا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة, ويقدم على إجراء الانتخابات فقط لحاجة في نفسه, قد تكون الرغبة في تجديد شرعيته أمام الآخرين وأنه صاحب الأغلبية وبالتالي الأحق بالقرار واتخاذ المواقف, وقد تكون ( في الحالة الفلسطينية) رسائل إلى الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية الجديدة, يسعى من ورائها الرئيس محمود عباس للتوصل إلى اتفاق شامل مع الحكومة الصهيونية القادمة برعاية الإدارة الأمريكية الجديدة التي يعتقد أنها ستكون أفضل من سابقتها بعد تصريحاتها عن حل الدولتين, خاصة إذا استطاع أن يجدد شرعيته ويتقدم في مساره السياسي التفاوضي مدعوما بأغلبية شعبية وبرلمانية.

 كما يجب ألا يغيب عن ّأذهاننا رغبة القيادة الفلسطينية الحاكمة في جر قوى المقاومة خاصة الإسلامية إلى مربع السلطة واستحقاقاتها, وما تفرضه من التزامات تتناغم مع الإقليم والمحيط العربي ومن خلفه الشرعية الدولية, وهذا يعني سحب الشرعية الحقيقية التي تتمتع بها وهي شرعية المقاومة, وبالتالي فقد الشعب ثقته بها وبشعاراتها ومن ثم تخليه عنها, وقبل ذلك فقد الثقة في خيار المقاومة والجهاد, يقول السيد أبو مازن في حديث صحافي نشرته الوطن القطرية بتاريخ 6/9/2004 " إن حركتي حماس والجهاد الإسلامي يجب أن تتحولا إلى أحزاب سياسية لها قاعدتها وشعبيتها في الضفة الغربية وغزة، وتشارك في الحياة السياسية والانتخابات المحلية والنقابية والتشريعية، وبذلك تصبح جزءاً من السلطة الفلسطينية بحيث تكون هناك سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد وتعددية سياسية ".

 لهذه الأسباب وأسباب أخرى أقل أهمية ولا يتسع المجال للحديث عنها في هذا المقام ، رفضت حركة الجهاد الإسلامي الدخول والمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في العام 2006، وعليها وكل فصائل المقاومة رفض المشاركة في أي شكل من أشكال الانتخابات تحت سقف اوسلو, وتحت حراب وجرائم الكيان الصهيوني, وتحت مظلة الشرعية الدولية التي مكنت الكيان الصهيوني من تثبيت أركانه في فلسطين.