شريط الأخبار

تساؤلات مواطن عادي: ماذا يوحد الفلسطينيين؟! ..بقلم: د.ناجي صادق شراب

03:56 - 12 تشرين أول / مارس 2009

إستوقفنى أحد الشباب الفلسطيني وقد إرتسمت على وجهه ملامح عمرية أكبر من سنه. واستبقته في التساؤل: لماذا ملامح الحزن واليأس والغربة التي تسيطر على ملامحك ونبرة صوتك؟

 

أجاب ببساطة الشاب العادي الذي أختزلت آماله وطموحاته في عمل بسيط قد يدفع عنه الحاجة للتساؤل أو التسول أو حتى الضياع. ملامح الحزن التي تراها وسوف تراها في وجوه العديد ممن قد تقابلهم ليس سببها الإحتلال وفقدان الأحبة والأعزاء الذين فقدناهم، اوالمنزل الصغير البسيط الذي كان يأوي أسرتي التي يتجاوز عددها العشرة أفراد، فالإحتلال يقوي عزيمتنا وصمودنا وتمسكنا بالأرض، ويجدد الحياة فينا، لكن إحتلال الأشقاء وخلافاتهم وفقدان الأمل والهدف الذي من أجله نحن هنا على هذه الأرض، ومن أجله فقدنا الأب والأم، والأخ والأخت، والمنزل الذي كان يقينا من البرد والحر، ويمنحنا قدرا من الستر. وعاد وبدأ يطرح تساؤلاته: إذا لم توحدنا القدس المهددة بالمصادرة والضياع، وإذا لم يوحدنا الإحتلال، وإذا لم توحدنا الحرب الأخيرة وربما القادمة على غزة وكل المدن والقرى الفلسطينية، وإذا لم يوحدنا إنتماؤنا لقضيتنا وهويتنا، وإذا لم يوحدنا ديننا الذي يدعو للتآخي ونبذ الفرقة وقتل المسلم لأخيه المسلم، وإذا لم توحدنا إسرائيل بإحتلالها وعدوانها ورفضها للسلام، فمن الذي يمكن أن يوحدنا؟ هل المال والنفوذ والجاه وترف الحياة؟ وهل السلطة والحكم الزائف؟ وهل ننتظر أن يوحدنا الآخرون، ويأخذون بإيدينا كالأطفال الصغار يرشدوننا على الطريق السليم كي لا نتعثر ونسقط على الأرض؟ وإلى متى سنظل في حاجة لمن يساعدنا على الوقوف؟ وهل سنظل ننتظر من يدفع لنا ويسلبنا قرارتنا المستقلة؟ أليس من حقنا أن نعامل كآدميين؟ وما زال الكلام على لسانه: هل يعقل أن نحرم حتى من كرامتنا الوطنية والإنسانية؟ إنني أكره نفسي حين أضطر أن أقف على حاجز إسرائيلي أوحتى غير ذلك أنتظر الإذن بالدخول.. أشعر لحظتها كم هذا الإنسان الفلسطيني لا يعامل كإنسان، وأن الدول كلها شرقها وغربها وشمالها وجنوبها لو كانوا جادين في مساعدتنا، يكفي أن يحترموا الإنسانية الكامنة في داخلنا.. ينظرون إلينا وكأننا نحمل أمراضا معدية؟ وقبل كل هذا أريد أن اشعر بهذه الآدمية والإنسانية على أرضي هنا، حتى أشعر بحق أنني صاحب قضية وأستحق أن أمارس كل الحقوق المقرة في الشرائع التي أنزلها الله عز وجل في كتبه وعلى رسله وأنبيائه، والمقرة في الشرائع الدولية والإنسانية.

 

تساءل ونبرة الغضب بدت واضحة: ألسنا شعبا له حقوقه وهويته وإنتمائه الحضاري والإنساني؟ ألسنا من سكن هذه الأرض وعمرها؟ ألسنا من يملك تاريخه وتراثه وحضارته التي تنتشر في جميع أجزاء المعمورة؟ أليس الفلسطينيون بتواجدهم في كل مكان يساهمون بعملية البناء والتعمير؟ لمذا يريدوا أن يحولوننا إلى مجرد جماعات إرهابية وغير إنسانية؟ ويحولوننا وكأننا متسولين؟

 

قال أكتفي بهذه التساؤلات التي تشكل بركانا داخليا يكاد أن ينفجر.

 

وحتى أهدئ من روعه قلت له: لك كل الحق فيما سألت، ولك الحق أن تسأل المزيد، لكننا لا نريد أن نقف عند حد التساؤل، علينا، وأخص عليكم أيها الشباب مسؤولية أن تبقوا ضحية خلافات سياسية طاحنة، أنتم من تحركون، وأنتم من تصنعون، وانتم من تنتجون، وانتم من تشكلون قوة الحراك والدفع الذاتية، وأنتم من تقاومون، وتدفعون ثمنا حتى ينعم غيركم بالكرامة التي تتحدث عنها..

 

قاطعني: ماذا تقصد بذلك؟ هل تريد مني ومن غيري من الشباب أن نتمرد وننقلب على ما هو قائم؟

 

قلت له: لم أقصد ذلك. ما أقصده أنكم تمثلون قوة التغيير الحقيقي، وأنتم القادرون على تصحيح كل مسارتنا الخاطئة، عليكم أن تتحولوا إلى قوة تغيير إيجابي، وقوة تصحيح لكل الأخطاء، وأن تقفوا في وجه كل أشكال الظلم والعدوان الداخلي.

 

هذه التساؤلات يطرحها كل مواطن فلسطيني في الوقت الذي يجتمع فيه المتحاورون الفلسطينيون في القاهرة، وهم الذين يملكون الإجابات الحقيقية على هذه التساؤلات. وهم الذين يتوجب عليهم أن يجدوا حلولا لهذه التساؤلات.. وهل سيعودون ومعهم نوافذ الأمل والحياة المتجددة امام هذا الشباب؟ أم أنهم سيعودون والنوافذ موصدة، ولحظتها ماذا يريدون من هذا الشباب؟ أن يحارب من أجل الفشل؟ وان يدافع عن قضية غير قضيته؟!

 

الحوار هذه المرة لا يحتمل الفشل، وليكن الحوار على قاعدة التفاهم، وقاعدة المصلحة الفلسطينية، التي يفرضها انهاء الإحتلال، وقاعدة الشراكة الحقيقية، والحاجة الملحة لإعادة بناء المنظومة السياسية كلها إدراكا من أن بيئة النظام السياسي الفلسطيني تتعدد متغيراتها ومؤثراتها الداخلية والخارجية، وأن هذه المؤثرات تستوجب نظاما سياسيا قادرا على الإستجابة والتكيف، والتعامل بفعالية مع المحددات الإقليمية والدولية للقضية الفلسطينية. وعلينا أن نكون واضحين في أهدافنا، وان نوفر الشفافية والمصداقية، وأن نوفر المشاركة الشعبية، وان نؤسس لحوار دائم من خلال مؤسساتية وطنية صادقة.

 

وأخيرا فإن المعيار الحقيقي للقيادة الوطنية الصادقة هو قدرتها على المبادرة الوطنية وإتخاذ القرات التي تنطلق من المصلحة الفلسطينية المتحررة من المؤثرات السلبية الخارجية. ويبقى التساؤل ماذا لو لم ينجح الحوار؟ ما هي الخيارات المتاحة؟ وكيف سنواجه هؤلاء الشباب؟ وكيف سيكون اليوم التالي للفشل؟!

 

·        استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة.

انشر عبر