شريط الأخبار

فهمي هويدي يكتب: هكذا تكلم أحمدي نجاد

09:39 - 10 تموز / مارس 2009

سمعنا الكثير عن الرجل منذ جاء من المجهول، فأدهش كثيرين في الداخل، وأغضب كثيرين في الخارج، وقد سنحت لي الفرصة لكي أسمع منه.

 

 

(1)

 

كان الدكتور أحمدي نجاد يتأهب للذهاب إلى محافظة "آرومية"، التي يسمونها أذربيجان الغربية، لكي يتابع على الطبيعة أحوال الناس، والمشروعات التي تم الاتفاق عليها في زيارة سابقة. لم يكن وحده، لكنه دأب على أن يصطحب معه أعضاء الحكومة، لكي يباشر كل وزير مسؤوليته في نطاق اختصاصه.

 

لم يعد سفره هذا خبرا مثيرا، لأنه منذ تولى السلطة في عام 2005 وهو يقوم كل أسبوعين تقريبا بمثل هذه الزيارات، يصل إلى المحافظة ويقضي هناك ما بين ثلاثة وخمسة أيام لكي يذلل للناس الصعاب التي تواجههم ويحل مشكلاتهم الحياتية، وهذه هي زيارته الرابعة بعد الخمسين للمحافظات الإيرانية الثلاثين.

 

الذين خبروه في طهران يقولون إن الرجل البالغ من العمر 55 عاما أتعب من حوله، فهو يعمل ما بين 17 و20 ساعة يوميا، ويتابع وزراءه في أي وقت في الليل أو النهار. ومنذ تولى منصبه حرص على ثلاثة أمور، أولها: إلغاء مختلف مظاهر الترف في رئاسة الحكومة، الأمر الذي دفعه إلى التخلص بالبيع من السجاد والأثاث الفاخر والستائر الغالية في مقر الحكم.

 

ثانيها: أنه تمسك بأن يبقى مع الناس في الشارع أغلب الوقت. أما ثالثها: فإنه حول مقر رئاسة الحكومة إلى خلية نحل لا تهدأ فيها الحياة في النهار أو الليل، حتى أزعم أن سلوكه هذا سوف يسبب حرجا شديدا لمن سيجيء بعده، لأنه بجولاته المستمرة في المحافظات كل شهر سنّ سُنة يصعب على غيره احتمالها، أما زهده في الوجاهة ومباهج السلطة فهو مصدر آخر للحرج.

 

إذ ظل متمسكا بعد انتخابه بمظهره البسيط، وبأن يعيش مع زوجته وأولاده الثلاثة في بيته الصغير بحي «نارمك» في منطقة طهران بارس (شرقي العاصمة) الذي يسكنه منذ أن كان أستاذا لتخطيط المدن بجامعة العلوم والتكنولوجيا (علم وصنعت) وطوال انخراطه في حرس الثورة، لكنه اضطر إلى السكن في فيلا صغيرة بذات الحي استجابة لضغوط وزارة الأمن، وأبقى على عادته اليومية في أن يحمل غداءه -الذي تعده له زوجته كل صباح- معه إلى المكتب، واحتفظ بسيارته «البيجوبارس» السوداء التي اشتراها سنة 2000، وقبل على مضض بأن يرافقه حارسان فقط، أحدهما يجلس إلى جوار السائق، والثاني إلى جواره في الخلف. وفي بعض الأحيان يستقل سيارته ويقودها بنفسه لكي يقوم ببعض الالتزامات الاجتماعية الخاصة، حتى إنه اختفى من العاصمة ذات مساء، وظلوا يبحثون عنه بلا جدوى، حتى اكتشفوا لاحقا أنه أراد أن يعزي أسرة صديق عزيز في وفاة حلت بهم، فاصطحب زوجته وأولاده في السيارة لكي يقوم بالواجب. كان بيت الصديق على بعد 200 كيلو متر من طهران.

 

(2)

 

سألته عن رأيه في علاقات إيران بالعالم العربي، فأطرق لحظة ثم قال -وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة-: إن إيران تحتفظ بعلاقات ممتازة مع الشعوب العربية، لكنها تواجه صعوبة في الاحتفاظ بعلاقات دافئة مع بعض الأنظمة العربية. والسبب الرئيسي لذلك يرجع إلى الدور الذي لعبته السياسة الأميركية خلال السنوات الماضية. إذ حرصت تلك السياسة على تلغيم العلاقة مع بعض تلك الأنظمة والوقيعة المستمرة بيننا وبينها. ولذلك أصبحت علاقاتنا الاقتصادية مع تلك الدول أقوى من العلاقات السياسية، وبالمجمل فإننا نسعى دائما إلى تحقيق التفاهم مع الجميع. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة مثلا، تمت خمسة لقاءات بيننا وبين العاهل السعودي الملك عبد الله.

 

قلت: إن الأزمة التي وقعت مؤخرا مع البحرين بدأت من طهران ولم يكن للأميركيين علاقة بها، فقال وابتسامته العريضة كما هي: إن ما صدر بخصوص البحرين لم يكن رأيا للحكومة، ولكنه رأي شخصي لا نوافق عليه، ونحن لا نحاسب الأفراد على آرائهم الشخصية. ورغم أن هناك من أراد أن يستغل الموقف ويحوله إلى أزمة، فإن مملكة البحرين تفهمت موقفنا جيدا بعد الإيضاحات التي قدمت لهم، والاتصالات التي تمت معهم، وقد زارهم وزير الداخلية الإيراني، وجاءنا وزير داخليتهم ولاحقا زار طهران للمشاركة في مؤتمر دعم فلسطين، رئيس البرلمان البحريني ونائبه وبعض أعضاء المجلس التشريعي، الأمر الذي أدى إلى طي الصفحة وإغلاق الملف.

 

قلت: ما رأيكم في التحركات التي تمت في دمشق خلال الأشهر الأخيرة: جسور التفاوض مع إسرائيل التي مدتها تركيا، وزيارات الوفود الأميركية لدمشق، وما يقال عن مصالحات بين الرياض ودمشق، قيل إنها مقدمة لفك الارتباط بين دمشق وطهران.

 

قال في رده: إن إيران تثق جيدا في سوريا، وهى مطمئنة إلى تحالفها الإستراتيجي معها. لذلك فإن لدى طهران تفهما وإدراكا عميقين لتوجهات السياسة الخارجية السورية. ولا يزعجنا أن تعود العلاقات طبيعية بين دمشق وواشنطن، ثم إننا نرحب كثيرا بالوفاق العربي ونعتبره دائما خطوة متقدمة تمكن العالم العربي من الانصراف إلى مواجهة العدو الحقيقي المتمثل في إسرائيل. وترحيبنا بالمصالحة العربية لا يقل عن حفاوتنا بالمصالحة الفلسطينية، التي ظلت مصدر قلق كبير.

 

لاحظت أن من بين الذين دعوا إلى المؤتمر الرابع لمساندة القضية الفلسطينية في الرابع في شهر مارس/آذار الحالي أربعة من الحاخامات اليهود الذين ينتمون إلى فئة "ناطوري كارتا" النشطة في إنجلترا وأميركا، وقد علق كل واحد منهم على صدره بطاقة صغيرة كتبت عليها عبارة تقول «أنا يهودي ولست صهيونيا»، وهى الجماعة التي تعتبر الصهيونية انحرافا عن العقيدة اليهودية وإفسادا لها، وتعارض قيام دولة إسرائيل وترفض الاعتراف بها. شجعني ذلك على أن أطرح على الرئيس الإيراني السؤال التالي: ألا ترى أن كلامك عن وجود إسرائيل والهولوكوست سبب مشكلات كثيرة لإيران هي في غنى عنها، خاصة أنه أثار أصداء في الغرب استخدمت في الحملة ضدكم؟

 

استعاد الرجل ابتسامته العريضة وقال: إن ذلك ليس رأيي وحدي، وقد عبرت عن اقتناعي بأن إسرائيل كيان عنصري واستيطاني، يستخدم الإرهاب الدولي والفكري لابتزاز العالم، ومسألة الهولوكوست تدخل في هذا السياق، ولاحظت أن الرئيس الإيراني التفت إلى المترجم وكرر عليه عبارة «الكيان الصهيوني» لكي لا يفهم أنه ضد اليهود بشكل عام، ثم أضاف: إن اليهود إذا ما أرادوا أن يعيشوا في سلام مع العرب فليس أمامهم سوى خيار الدولة الواحدة في فلسطين، التي تضم المسلمين والمسيحيين واليهود. وقد ثبت أن خيار الدولتين الذي يتحدثون عنه أصبح وهما كبيرا بعد مضي 15 سنة من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، التي ظلت إسرائيل تعمل بإصرار خلالها على الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مجاورة، حتى لم تعد لهذه الدولة أي فرصة الآن.

 

(3)

 

خلال الشهر الماضي في 24/2 كان موضوع غلاف مجلة «نيوزويك» يتحدث عن انهيار الدول النفطية التي تنامى نفوذها خلال السنة الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط، ولكن انخفاض تلك الأسعار أجهض أحلامها وقصم ظهورها، وكانت إيران وفنزويلا وروسيا على رأس تلك الدول. لذلك سألت الرئيس أحمدي نجاد عن مدى تأثر إيران بالأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، فركز رده على نقطتين، الأولى: أن إيران بسبب الحصار الذي فرض عليها منذ قيام الثورة في عام 1979، ظلت خارج دورة الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإنها بقيت بعيدة عن الانهيارات التي حدثت. صحيح أن الانكماش الذي حدث في بعض الدول الأوروبية أثر على صادراتها إلى الخارج، لكنه ليس التأثير الذي يحدث هزة في الداخل، كذلك فإن انخفاض أسعار النفط أثر على مواردها، إلا أن الأسعار الحالية للنفط توفر دخلا طيبا يحول دون وصول الوضع إلى حالة الأزمة.

 

النقطة الثانية والأهم في رأيه: أن إيران لديها درجة عالية من الاكتفاء الذاتي تحصنها من التأثر الموجع بالأزمة العالمية، فهي تنتج 96٪ من احتياجاتها الزراعية و85٪ من احتياجاتها الصناعية، الأمر الذي يعني أن لديها اكتفاء بنسبة 90٪ في المتوسط وهي نسبة توفر للبلد درجة معتبرة من الأمان.

 

ظهرت الابتسامة العريضة مجددا على وجه الدكتور أحمدي نجاد، وقال بثقة شديدة: نحن لسنا قلقين على جبهتنا الداخلية، ولا تقلقنا أي تحديات أو ضغوط خارجية، أولا لأننا منذ قامت الثورة نعتمد على الله أولا، وعلى سواعدنا ثانيا، ونراهن على شعبنا وحده ثالثا. وجدت تفسيرا لتلك الثقة التي لاحت في كلامه حين علمت بعد اللقاء أن إيران تصنع سبعة أقمار صناعية الآن، بعدما أطلقت بنجاح قمرها الصناعي الأول، بعد إطلاق صاروخها «أوميد» (الأمل)، وأنها افتتحت مفاعلها النووي في «بوشهر»، كما حققت نقاطا مهمة في مشروعها النووي، من أبرزها قبول الإدارة الأميركية بحقها في إقامة مشروعها السلمي، وحقها في تخصيب اليورانيوم، واشترطت فقط أن يخضع المشروع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 

سألته عما إذا كان الغلاء الذي يشكو منه الإيرانيون يمكن أن يؤثر على حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في شهر يونيو/حزيران القادم، فاستعاد ابتسامته وقال ما يلي: إن في البلد غلاء حقا، ولكن دخول الفقراء وصغار العاملين في الحكومة والقطاع الخاص تمت مضاعفتها تقريبا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والأسواق العامرة بالبضائع والرواج الشديد للتجارة هذه الأيام «بمناسبة احتفالات النوروز (عيد الربيع)»، يشهد بأن الوضع في الواقع أفضل من اللغط المثار حوله. من ناحية أخرى، فالناخب الإيراني صاحب مفاجآت دائما. وهو عادة ما يصوت لأسباب وطنية وسياسية بالدرجة الأولى، ومن الصعب التنبؤ باختياره قبل أي انتخابات.

 

(4)

 

اعترف بأنني منذ صعد نجم الرجل لم أفهمه جيدا، ولم أجد تفسيرا لتلك الابتسامة العريضة المثبتة على وجهه عند الإجابة عن كل سؤال، خصوصا أن الابتسام ليس من القسمات الشائعة في القيادات الإيرانية، ناهيك عن المراجع. فلم يُرَ الإمام الخميني مبتسما، وكذلك السيد خامنئي، وبالكاد كان الشيخ هاشمي رفسنجاني يوزع نصف ابتسامة على من حوله، والوحيد الذي رأيته مبتسما بوضوح كان السيد محمد خاتمي، أما الدكتور أحمدي نجاد فإنه لم يعد يُرى في الصور واللقاءات العامة إلا وهو يوزع الابتسامات على الجميع.

 

حين سألت من حوله نصحوني بألا أستخف به، فهو رجل بسيط حقا، وجسمه النحيل وهيأته المتواضعة التي لا افتعال فيها مما يؤكد ذلك. (قال أحدهم إن السترة التي يظهر بها في المناسبات العامة تباع في الأسواق الشعبية بما يعادل أربعة دولارات). لكنه مع ذلك حادُّ الذكاء، وشديد الثقة في نفسه، وحازم مع من حوله وليس مرنا في عمله (أعفى عشرة وزراء من مناصبهم خلال 4 سنوات، وهو ما لم يحدث منذ قامت الثورة)، نقاده يقولون إن الإنجازات الكبيرة التي تحققت في عهده لا فضل له فيها، ولكنه جنى بها ثمار جهد آخرين، خصوصا ما بدأه الشيخ هاشمي رفسنجاني حين كان رئيسا للجمهورية (أواخر الثمانينيات).

 

مع ذلك فإنهم لا يختلفون على أنه شديد الإخلاص والورع، وأنه يتفانى في عمله بشكل ملحوظ. وهم لا ينسون أنه حين كان رئيسا لبلدية طهران، وترشح في انتخابات عام 2005 منافسا للشيخ هاشمي رفسنجاني، فإن أنصار الشيخ استخفوا به، ولم ينسوا له أنه ابن رجل كان حدادا (توفاه الله في العام الماضي)، وأنه قادم من أسرة معدمة كانت تسكن بيتا من الطين في قرية أرادان الصغيرة التي تعيش فيها 40 أسرة فقط (بمحافظة سمنان).

 

وعلى شاشة التلفزيون قال أحدهم للمشاهدين مستهزئا به: انظروا إلى وجهه وهيأته، هل ترون في شكله ما يرشحه رئيسا للجمهورية؟. وحين جاء دوره في الحوار لاحقا طلب من المذيع أن يسأله في هذه النقطة، وحين فعلها، فإن أحمدي نجاد أجاب قائلا: إن الملاحظة صحيحة لا ريب فأنا لم أرشح نفسي لرئاسة الجمهورية، ولكنني رشحت نفسي خادما للشعب، ثم سأل المشاهدين والابتسامة تملأ وجهه: ألا ترون أن وجهي يصلح لوظيفة الخادم؟.

 

وهو يتحدث لمحت أحد مساعديه يشير إليه بما يعني أن موعد سفره إلى آرومية قد أزف، وحينئذ أدركت أن ساعة «الخدمة» قد حانت، وأن حبل الكلام يجب أن ينقطع. وهذا ما حدث.

__________

كاتب ومفكر مصري

 

 

 

انشر عبر