شريط الأخبار

رسالة للمتحاورين .. تواضعوا واتحدوا .. فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ..بقلم: يوسف العاصي الطويل

09:25 - 10 كانون أول / مارس 2009


بدأ الحوار الفلسطيني بعد كارثة الحرب على غزة وليس قبلها، وجاء متأخرا كثيرا إذا أخذنا في الاعتبار حجم التحديات الضخمة التي كانت ولازالت تتعرض لها القضية الفلسطينية، وجاء بعد بعد تجربه ديمقراطية لم يكتب لها ان تستمر، وحل محلها انقسام وتجاذب سياسي ومناكفات اعلامية وقتل وسجن وقطع الرواتب على الهوية، تجاوزت كل المحرمات. ولست هنا بصدد جلد الذات لأن الحوار تأخر، او لان الدمار وآلاف الشهداء والجرحى كان يمكن تفاديهما، ولكنني أود أن أشير إلى أن هذا الحوار إذا لم ينجح فيستمر نزيف الدم الفلسطيني على كافة المستويات في الجريان وستكون التداعيات أخطر مما نتصور.

 

الحمد لله ان الحوار بدأ وبرعاية مصرية رفضت قبل الحرب على غزة، ولكنها نجحت اخيرا ليس بسبب تغير اجندات الحوار، ولكن بسبب تداعيات الحرب ودم الشهداء، وخشية من تكرار حروب أخرى في ظل انقسام فلسطينى مخزي. بدأ الحوار والجميع يعلن ضرورة نجاحه امام وسائل الاعلام وربما يكون صادقاً، ولكن المهم هو النتيجة التي يتمنى الجميع ان تكون مرضية وتلبي آمال وطموحات شعبنا وحجم التضحيات التي بدلها، وهذا يتطلب من الجميع ان يكونوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم ويحاولوا جسر الهوة والالتقاء عند الثوابت والخروج من هذا المأزق الذي وضعنا فيه بصورة مشرفة.

 

لقد ابدى العديد تفاؤله حينا وتشاؤمه حينا آخر من نتيجة الحوار، والجميع لديه مبرراته الموضوعية لذلك، ولكنني اعتقد ان الامر لا يتعلق بتشاؤم وتفاؤل بل يتعلق بمدى واقعية الاطراف المتحاورة وادراكها لحجم الاخطار التي تواجه القضية الفلسطينية، يضاف الى ذلك امر مهم هو عقلانية هذه الاطراف وتقديرها الصحيح للموقف والاوراق التي تمتلكها، وحساب النتائج المترتبة على مواقفها في حالة نجاح الحوار او فشله. وهنا فانني اعتقد ان هناك كثير من المغالطات والمبالغات في مواقف المتحاورين ربما ستكون السبب الرئيس في فشل الحوار او في خروجه بنتائج لا تلبي طموحات الشعب الفلسطينى، ويمكن اجمالها بالآتي:

 

1- الموقف من حرب غزة ونتائجها: ربما تكون الحرب على غزة ونتائجها من أشد النقاط التباسا حيث يحاول كل طرف ان يتخذ هذه الحرب كمؤشر للانطلاق منه ويحدد سقف مطالبه وبالتالي نتائج الحوار، فحركة "حماس" تقول انها انتصرت انتصارا مبينا في هذه الحرب وان اسرائيل لم تستطع تحقيق اهدافها هذا بالرغم من الدمار الشامل الذي احدتثه هذه الحرب في غزة. ونتيجه لنشوة الانتصار الذي تزعمه "حماس" وجدنا سقف مطالبها يتزايد حتى وصل الامر بها الى المطالبة بمرجعية جديدة ستعمل على تشكيلها باعتبارها المنتصر الوحيد في هذه الحرب وبالتالي هي التي يجب ان يفرض الشروط ويصيغ المستقبل الفلسطيني المستند على المقاومة ولا شيء غيرها، بل وصل الأمر ببعض قادة "حماس" الى الدعوة لاسقاط الانظمة العربية العميلة والتي لم تجيش جيوشها لمساندة المقاومة في غزة. وعلى الطرف الآخر نجد السلطة تضع اللوم على "حماس" بسبب الكوارث التي جلبتها للشعب الفلسطيني من انقسام وحصار وحرب دمرت انجازات 15 سنة، وشهداء وجرحى بالآلاف، وعزلة عربية ودولية، وهذا يتطلب من "حماس" مراجعة اهدافها والانخراط في العملية السلمية، تمهيدا لاعادة البناء والاعمار ونزع اسلحة المقاومة، التي يصفونها بالعبثية.

 

ولو تأملنا كلا الموقفين سنجد ان هناك مغالطات كبيره بهما، فحركة "حماس" ادعت الانتصار وحشدت الحشود للخروج في شوارع غزة وفي المنافي للاحتفال بهذا الانتصار المبين، وبدأنا نسمع عن بطولات وكرامات ومنامات لم نشاهدها نحن الصامدين تحت نيران الاحتلال.. بل انني شخصيا ومن خلال معايشتي لهذه الحرب فعليا وليس عبر الفضائيات استطيع ان اقول ان هناك تقصير ما بعده تقصير من قبل حكومة "حماس" وجناحها العسكرى في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي ليس على المستوى العسكرى فحسب بل على كافة المستويات، حيث ان الحكومة وكافة اجهزتها كانت غائبة عن الساحة ولم يكن لها وجود يذكر وترك للناس تدبر امرهم سواء من توفير الغذاء او الايواء وغيرها، واختفى الجميع عن الانتظار بل يجزم البعض أن الأوامر اعطت للمقاومين بالانسحاب حتى لا يقعوا في فخ القوات الاسرائيلية التي اعدت العده جيدا لهذه الحرب ولم تعطى اية فرصة للمقاومين للقيام بواجب الدفاع، حيث غير الاحتلال من تكتيكه واصبح يطهر ايه منطقة يشك ان بها مقاومين ولهذا وجدنا العدد الهائل من الشهداء والجرحى بين المدنيين، الذين لم يتردد الاحتلال اطلاق ناره بكافة الوسائل على اية منطقة يشك او يلاحظ ان بها مقاومين.

 

وهنا يجب ان لا يفهم من كلامي انني احاول ان اشكك بصدق نوايا المقاومين او ان اتهمهم بالجبن او الفرار من الساحة، ولكن ما اود قوله هو ان المعركة لم تكن متكافئة بكافة المقاييس، وان تصدي المقاومة المباشر لقوات الاحتلال كان يعني ابادتها بالكامل، وبالتالي فان قرار التراجع التكتيكي للمقاومة فوت الفرصة على قوات الاحتلال لتحقيق اهدافها، وهنا اعتقد ان ذلك كان قرارا سليما، ولكن الذي لم يكن سليما هو الادعاءات بالانتصار مرة وبخطف جنود وقتل العشرات منهم مرة اخرى مما اجبر الاحتلال على الانسحاب، حيث ان ذلك لم يكن يمت للحقيقة بصلة، وكان ممكن ان يفهم منه انه محاولة لبث الروح المعنوية لدى الشعب والمقاومين ومنع الانهيار، وهذا امر جيد، ولكن غير الجيد وغير اللائق هو محاولة استثمار هذا النصر المزعوم لتحقيق اهداف سياسية حزبية، لتكريس وضع جلب الكوارث على الشعب الفلسطيني.

 

كما ان موقف سلطة رام الله من الحرب لم يكن على قدر المسؤولية، حيث بدت عبارات الشماتة والتشفي لدى بعض قادتها، ومنع الشعب الفلسطيني من التضامن بطريقة لائقة مع اهالة غزة، ليس فقط برد عسكري ولو رمزي، ولكن ايضا من خلال قمع المظاهرات، والاكتفاء باضاءة الشموع وكأن ما يحدث في بيت الجيران.

 

وبعيدا عن التهويل وبيع الوهم للشعب المنكوب، وايضا بعيدا عن لغه التشفي وتحميل المسؤولية لـ"حماس" او للمقاومة فيما حدث، فانني اعتقد ان النتيجة المنطقية والمقبولة لهذه الحرب هو القول بأن الشعب الفلسطيني انتصر فيها وليس تنظيم بعينه، وذلك من خلال صموده في وجه الآله العسكرية الهمجية الصهيونية، وتمكنه من الحفاظ على وحدته وتماسكه في هذه الظروف الصعبة في ظل غياب واضح للحكومتين في غزة ورام الله، وبالتالي فانه ليس من حق اي فصيل او جهة المتاجرة بدماء الشهداء والجرحى لتحقيق اهداف حزبية ضيقة، وفرضها على طاولة الحوار، بل يجب على الجميع التواضع ووضع مصلحة القضية والشعب الذى ضحى فى مقدمة الاولويات، باعتبار ان هذا الحوار هو فرصتهم الأخيرة للتكفير عن خطاياهم وليس لجني ارباح او فرض مواقف واجندات لتحقيق اهداف حزبية ضيقة.

 

2- قضية الاعتقال السياسي: سبق وان كانت هذه القضية سبب لافشال الحوار الذى دعت له مصر في السابق حيث رفضت حركة "حماس" المشاركة الا بعد ان تطلق سلطة عباس كافة المعتقلين، وبالرغم من ان هذا الشرط لم يكن مقنعا للكثيرين، الا ان الحوار الغى لهذا السبب. والان نجد التصريحات تتكرر من كلا الطرفين بشأن هذه القضية، حيث تستمر السلطتين في رام الله وغزة في تجاوز كل المحرمات في هذه القضية. فسلطة رام الله تعتقل افراد "حماس" وافراد المقاومة من كل الفصائل، بل ان هذا الاعتقال وصل في بعض المراحل الى استشهاد بعض المقاومين تحت التعذيب بالرغم من النفي الرسمي، وايضا تجاوزت حركة "حماس" كل الاعراف باعتقال المعارضين لها وفرض الاقامات الجبرية عليهم وتصفية بعضهم بتهمة العمالة او خلق عاهات دائمة من خلال اطلاق النار على ارجلهم. وكما يعلم الجميع فقد سارع كلا الطرفين نفي هذه الاقول، ولكنني استطيع ان اؤكد حدوث هذه الحواث وبالذات من طرف "حماس" لانني مقيم في غزة واعرف حوادث كثيرة تعرضت لما اقول. اما بالنسبة لسلطة عباس فهو أمر غير مستبعد عليها اعتقال المقاومين وتعذيبهم، وهنا اشير الى ما كانت تقوم به السلطة اثناء سيطرتها على غزة، وايضا فانني اعرف عشرات الحالات التي اهينت واعتقلت وعذبت وقتلت بيد سلطة "فتح" في غزة. ما اريد ان اخلص اليه هو ان ادعاء طرف من اطراف الحوار بالطهارة او بافضليته على طرف آخر او جعل هذه القضية سببا لفشل الحوار يعتبر تهرب من الحوار واستحقاقاته، ومحاوله مقصودة لافشاله لاهداف ليس لها علاقة بفلسطين وشعبها الذي عانى الامرين من السلطتين المتسلطتين في غزة ورام الله، فكلهم في التعذيب وقتل الشعب شرق.

 

3- حقيقة تمثيل المتحاورين للشعب الفلسطيني: لقد ذهبت كلا من "حماس" و"فتح" وباقي الفصائل الفلسطينية الى القاهرة مدعية انها تمثل الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ويؤسفني القول ان هذا ادعاء باطل ولا اساس له من الصحة بالرغم من قدرة هذه الفصائل على حشد الجموع عند الحاجة لاثباث قوتها على الارض والادعاء بان ذلك المهرجان او الاحتفال حضره مئات الالوف من مؤيديها، بل ان المتابع للشأن الفلسطيني يحار في بعض الاوقات حول تحديد تعداد سكان غزة وانتمائاتهم نتيجه لادعائات بحشود مليونية من بعض الفصائل، ولكن ربما يكون هذا الواقع صحيحا في ظل الحصار والتجويع والتهميش والفساد الذى جعل الناس على استعداد لتغيير الوانها لمن يدفع او يوظف، اى ان الفصائل ارغمت الشعب ان يعطى انتمائه ليس لمن يرفع شعار حماية القضية بل لمن يدفع الراتب ويمنح الكابونه.

 

من هنا لا نستغرب ان القضايا الاساسية التى يدور حولها حوار القاهرة هي قضايا تتعلق بتقاسم السلطة والمناصب وليس قضية القدس او اللاجئين او غيرها من القضايا الجوهرية. ان المتحاورون في القاهرة وبعد ان استطاعوا تقسيم الشعب الفلسطيني الى جماعات مصالح او لوبيات مرتبطة بمن يدفع الراتب تشعر بالافلاس الوطني ولا تجد سبيل لحماية نفسها الا من خلال الحصول على اكبر نصيب من الكعكة لارضاء جماعات المصالح تلك واللوبيات التي تنتظر حصتها من الميراث.

 

للاسف ان الانتماءات الحزبية الآن وبعد اوسلوا اصبحت انتماءات مصلحية لا علاقة لها بالوطن او القضية، وكل تفكير الناس الآن مرتبط بهذا الامر السؤال عن الراتب وموعد نزوله والعلاوات وغيرها من الامور، بل ان الشعب الفلسطينى فقد الاحساس بابسط معانى النضال والوطنية عندما ارتضى لنفسه او فرض عليه ان يعيش عاله على صدقات ومعونات الغير الذين يدفعون لملوك الطوائف لتكريس الانقسام والاجهاز على البقية الباقية من القضية، لان من لا يملك لقمة عيشه لا يستطيع ان يكون حرا في قراراته وسيظل يخضع لاجندات غيره.

 

ان الواقع الكارثي الذى تمر به القضية الفلسطينية والشعب الفلسطينى لا سابق له وكل ذلك بسبب امراء الحرب والفتنة في "حماس" و"فتح" الذين اوصلوا القضية الى نهاية مأساوية بسبب مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة، وبالرغم من ذلك يصرون على انهم يمثلون الشعب الفلسطيني، متناسين ان الناس فرض عليها اما ان تكون "حماس" او "فتح" من خلال مساومتهم على لقمة العيش.

 

ان قضية ادعاء "فتح" وحماس بثميل الشعب الفلسطينى قضية تحتاج الى اعادة نظر وتدقيق، نعم ان الفصائل الفلسطينة كانت لديها الشرعية النضالية للادعاء بثميل الشعب الفلسطيني عندما كانت حركات مقاومة تضع القضية الفلسطينية وهموم الشعب الفلسطيني ضمن اولى اولياتها وكان عطاء ابنائها للوطن مغموس بلون الدم واسواط السجانين، ولم يكن للراتب والمناصب والرتب اي اعتبار لدى مناضلي وشهداء هذه الفصائل، اما الآن في زمن التجار وعبيد السلطة فلا احد له حق الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني الا من خلال مؤسسات ديمقراطية تعطي الشرعية لمن له الحق بتمثيل الشعب الفلسطيني. ولو تأملنا واقعنا الحالي فانه لا يوجد فصيل او حركة يمكنها الادعاء بانها تمتلك هذه الشرعية لعدة اسباب:

 

ان الشعب الفلسطيني ليس فقط في غزة والضفة بل ان غالبيته في الشتات، ولم يتم اجراء انتخابات حقيقية لاختيار ممثلي الشعب الفلسطيني في الشتات، ناهيك عن ان المجلس الوطنى الفلسطينى يتم اختيار اعضاءه بالتعيين وليس بالانتخابات، كما ان بعض الفصائل غير ممثلة به، ويعقد فقط عند الطلب ولتمرير قرارات كارثية.

 

اما المجلس التشريعي الاخير والذى اعطى "حماس" الاغلبية فانه لا يمنح "حماس" او "فتح" حق الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني حتى في غزة والضفة. فحركة "فتح" بالرغم من تاريخها النضالي وامكانياتها اللامحدودة فشلت في هذه الانتخابات بسبب فساد قادتها ونهبهم لاموال الشعب وتخليهم عن المشروع الوطني، وفي ذلك اكبر اشارة لرفض الشعب لهم ولفسادهم وافسادهم الذي يصرون عليه ولا يخجلون منه ولحتى اللحظة لم تتمكن الحركة من تطهير نفسها من الفاسدين واللصوص الذين اختطفوها من ساحات النضال الى ساحات البزنس والخذلان، وها هي الحركة ومنذ اكثر من عقدين لم تستطع عقد مؤتمرها السادس.

 

اما حركة "حماس" فليس من حقها بالرغم من حصولها على الاغلبية في الانتخابات الاخيرة الادعاء باحقيتها بتمثيل الشعب الفلسطيني، لان الشعب اختارها بطريقة ديمقراطية وبناء على برنامج التغيير والاصلاح، ولكن عندما لجأت الحركة الى استخدام القوة والسلاح (بغض النظر عن الاسباب) فهذا الامر لا يمت للديمقراطية بصلة والتى لا زالت "حماس" تحتمى بها. ان الديمقراطية تعني حكم الشعب والالتجاء له، واى خلاف او قضية وطنية يجب الاحتكام بها الى الشعب وليس الى القوة العسكرية. ان "حماس" بانقلاباها الدموى انقلبت على الديمقراطية ومارست عمل لا تقبله ادنى مراتب الديمقراطية وبالتالي ليس من حقها الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني.

 

كما اننا اذا كنا نريد ان نحتكم الى النظام الديمقراطى او حتى الاسلامى فان ولى الامر او الحاكم منوط به تحقيق مصالح الشعب واذا عجز عن ذلك لاى سبب من الاسبات وجب عزله، واعتقد ان حماس فشلت في كل شئ ولم تطبق حرف واحد من برنامجها الذى حازت على ثقة الشعب من خلاله بل تخلت عن المقاومه واوصلت الوضع في غزة الى شبه كارثة، فيجب عليها ان تتقي الله في الشعب والقضية، وتعود الى المقاومه وتتخلى عن الكرسي.

 

مما تقدم يتضح ان ادعاء "فتح" و"حماس" وحتى غالبية الفصائل الفلسطينة تمثيل الشعب الفلسطينى اصبح شيء مشكوك فيه، لان غالبيتها مرتبط باجندات ليست فلسطينية، ولهذا وصل حالنا الى ما هو عليه، ويجب ان يدرك المتحاورون في القاهرة ان هناك اغلبية صامتة ومغيبة من الشعب يجب ان لا يغيب رأيها.

 

4- موضوع المقاومة والعملية السلمية: يذهب المتحاورون الى طاولة الحوار ولدى كل واحد مشروع مناقض للمشروع الآخر، "حماس" ترفع شعار المقاومة، و"فتح" شعار الحل السلمي. واعتقد ان كل طرف يستطيع تبرير موقفه ونقض الموقف الآخر ولديه من الحجج ما يكفي، وهنا فاننى احترم كلا الموقفين ولا ارى ان يكون البديل هو القطيعة بين الموقفين او الصدام.

 

فالمقاومة حق مشروع لأي شعب محتل كفلته المواثيق والاعراف الدولية، وفلسطين لا زالت تخضع للاحتلال وما زال العدو الصهيونى مستمر في سياسته الاستيطانية والعدوانية تجاه شعبنا، ولهذا فالمقاومة يجب ان تستمر، وهنا فإن النقاش يجب الا يدور حول مشروعية المقاومة بل حول متى وكيف واين، والهدف بحيث تكون مقاومة منتجة وليست عبئا على الشعب والقضية.

 

ولو حاولنا تقييم دور المقاومة الفلسطينة في وضعها الحالي فاننا لا نستطيع ان نصفها الا بالقول بانها حق اريد به باطل، فكيف يمكن فهم رفض حركة "حماس" طلبات سلطة "فتح" السابقة بوقف العمليات العسكرية، في حين ان حركة "حماس" تقوم بفعل نفس الشيء مع الفصائل الاخرى واجبرتها على القبول بهدنة مع اسرائيل. كما ان المقاومة بدل ان تركز مقاومتها من الضفة الغربية المحتلة والمليئة بالمستوطنات والقريبة من التجمعات السكانية الاسرائيلة، نجدها تصر على اطلاق الصواريخ من غزة المحررة التي لا يوجد بها مستوطنات او جنود اسرائيليون، هذا بالرغم من ان طبيعة الارض الجبلية والجغرافيا في الضفة تتيح للمقاومين فرصة افضل للمناورة والتخزين والتخفي والحاق الضرر بالعدو الصهيوني منها في غزة. والأهم من ذلك كله هو انه في حين ان صواريخ غزة لا توجد امامها اهداف مهمة بل صحراء شبه خالية، نجد انه لو اطلقت الصواريخ من الضفة فانه بامكانها ان تصيب مبنى الكنيست ووزارة الدفاع ومفاعل ديمونا ومعظم المدن الاسرائيلية الكبرى، وحتى لو اطلقت صواريخ بدائية وغير دقيقة فانها ستصيب هدفا لازدحام المنطقة بالاهداف.

 

وربما يقول البعض ان الضفه لا تزال محتلة وان قوات عباس تمنع المقاومين وتعتقلهم، واعتقد ان هذا القول مردود، لان نفس الشيء كان موجود في غزة وكانت المقاومة تعمل بل انها تمكنت اخيرا من القيام بانقلابها وطرد السلطة من غزة، وكنت اتمنى انه بدلا من القيام بالانقلاب في غزة ان يتم تعزيز قوة المقاومة في الضفة.

 

ثم ما فائدة ان يطلق صاروخ ولا يصيب احدا وترد اسرائيل بالقتل والتدمير والحصار وغيره؟ أليس من الضروري وضع عواقب اي عمل في الحسبان بحيث لا يكون ضرره اكثرمن نفعه، ام ان الامر اصبح مجرد اطلاق صواريخ وبعده نبدأ باحصاء الشهداء والجرحى والدمار وغيره، وهنا فانني لا ادعو الى الغاء المقاومة بل الى خلق طرق ابداعية للتعبير عن رفضنا للاحتلال وسعينا للحصول على حقنا الشرعي ولكن باقل الاضرار، حتى لا تصبح مقاومتنا عبثية، وينفر الناس منها.

 

اما المسيرة السلمية فهي ايضا اداة مهمه لحصول شعبنا على حقوقه بعد ان خاض مع اشقاءه العرب عشرات المعارك التى لم تأتى بالنتائج المرجوة، لاسباب كثيره لا مجال لذكرها هنا، وبعد ان حققنا مكاسب كثيرة من خلال العمل الدبلماسي من اعتراف بعدالة قضيتنا والتفاف غالبية المجتع الدولى حول قضيتنا العادلة باستثناء امريكا وبريطانيا اللتدين لم يتغير نهجهما منذ بداية الصراع وحتى الان وليس من المؤمول ان يتغير في القريب العاجل، وهنا ربما رأى كثيرون ان الافضل هو الدخول في عملية سلمية كخطوه مرحلية لوقف نزيف هذا الصراع وتثبيت ولو جزء من الحق الفلسطينى على الارض واقامة الدولة الفلسطينة. واعتقد ان هذا النهج له الحق في السير في هذا الطريق، عسى ان يحقق جزء من حقوقنا الشرعية، ولكن المرفوض وفي ظل المماطلة الاسرائيلية ان نضع خيار المقاومه جنبا او نسقطه من بين ايدينا، لان ذلك يعنى الاستسلام للاملاءات الاسرائيلية لعدم وجود قوة رادعه له، وهنا يكون دور المقاومه في العمل والتنسيق مع المفاوض الفلسطينى لدعمه في اللحظات الحرجه، واذا كان من ضروره لهدنه فيجب ان تكون بين المقاومه والطرف الفلسطينى المفاوض لفتره زمنية معينة لتحقيق اهداف معينة، واذا فشل فعلى الجميع الانخراط في المقاومه لتحقيق ما عجزت عنه المفاوضات السلمية، ولهذا يجب ان تحل بين المقاومه والمفاوض الفلسطينى لعبة تبادل الادوار وليس الاقصاء والقمع والتهميش، واذا استطعنا تحقيق ذلك فمن المؤكد سنصل لما نريد، ما دام هدفنا واضح، وادواتنا لتحقيقه تبنى ولا تهدم، ترسخ حقوق ولا تتنازل، تعرف متى تفاوض ومتى تقاوم.

 

5- قضية المعابر: تعتبر قضية المعابر من القضايا التى اثير حولها –ولا زال - كثير من اللغط، نتيجه للحصار المفروض على قطاع غزة والذى جاء بعد الانقلاب العسكرى لحماس على السلطة. والقضية ببساطة انه وفي ظل السلطه السابقة كان هناك اتفاق بين السلطه واسرائيل بهذا الشأن، ولكن بعد تسلم "حماس" السلطه وتبنيها لخيار المقاومه كان امرا متوقعا ان تقوم اسرائيل بكل ما تملك من ادوات للتضييق على حركة "حماس" واغلاق المعابر وقطع الكهرباء والامتناع عن ارسال السيوله النقدية للبنوك وغيرها من الاجراءات التى تعتبرها اسرائيل وسيله للرد على اطلاق الصواريخ وعدم وجود طرف في قطاع غزة تجلس معه لترتيب هذا الامر، حيث كانت السلطة في السابق هى التى تنسق مع الجانب الاسرائيلى حسب الاتفاقيات الموقعه، وقد حاولت مصر مع الاطراف الفلسطينية حل هذه القضية بوضع قوات حرس الرئاسه على المعبر بالاضافة الى شرطه من جانب "حماس" ولكن هذا الاتفاق فشل بسبب صراع الاخوة الاعداء، ورغبة "حماس" بتغيير الاتفاق لانه غير ملائم حسب وجهة نظرها.  

لقد كان من الغريب ان تأخذ هذه القضية منحى اخر وتشهد تصعيداً خبيثاً باتجاه مصر، وكأنها تغلق المعبر في وجهه الفلسطينيين، حيث طالبت حماس مصر بفتح المعبر وتناسى الاتفاق الموقع مع السلطه، وهنا اعتقد ان هذا الطلب فيه تجنى على مصر، لان مصر اولا رفضت انقلاب حماس على السلطة، ومعنى فتح المعبر من طرفها هو تأييد لحماس ضد السلطة السابقة، والاخطر من ذلك ان هذا الامر يخدم مخطط اسرائيلى قديم بضم قطاع غزة او كما يسميه الاسرائيلون اعادته الى مصر التى كانت تحمه قبل 67، ومن تم اعادة الضفة الى الاردن، وبذلك تكون قد لبت مطالب الشرعية الدولية بالانسحاب من الاراضي التى احتلتها عا 1967، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

 

يضاف الى ذلك ان مصر ليس من حقها القيام بفتح المعبر لان الانسحاب الاسرائيلى من غزة والذى تم من جانب واحد ابقى السيطرة على الحدود والمعابر من خلال ترتيبات خاصه مع السلطه والاتحاد الاوروبي ومصر. وفتح المعبر من جانب مصر يعنى نقض لهذه الاتفاقيات، مما يعنى نقض اتفاقيات كامب ديفيد التى استطاعت مصر من خلالها تحرير كافة اراضيها. وهنا يجب السؤال ما هى المصلحه القومية للعرب او لمصر في نقض هذه الاتفاقيات، وهل مصر مستعدة لتداعيات هذا الامر وما هو الثمن والاهداف التى ستحققها؟ ولماذا يراد ان يفرض على مصر الدخول في صراع لم تستشر به ويحاول البعض فرضه عليها، في حين ان الدول التى تدعم "حماس" لديها اراضي محتلة وتمنع حتى عمل المقاومة من خلالها بالقول بأن توازن القوى ليس في صالحها (وانا احترم هذا الرأي)، ام ان المطلوب من مصر ان تضحي باراضيها المحررة وجيشها لترضي "حماس"، وتنساق لمعركة تفرض عليها من الخارج لتحقيق هدف حزبي ضيق؟!

 

انه ظلم لمصر التى خاضت اكثر الحروب ضد اسرائيل ولم تتخاذل عن نصرة الشعب الفلسطيني لحظة واحدة ان يتم اختصارها وزج اسمها في مشكلة فلسطينية داخلية حزبية ضيقة، لا تمت لفلسطين بصلة ويتم تصويرها وكأنها تحاصر اهل غزة وتجوعهم وتمنع المساعدات عنهم، فيما الذين يتباكون على شعب غزة لا يحركون ساكنا بالرغم من كل شعاراتهم البراقة والعنترية والتي انكشفت خلال حرب غزة، ولم يحركوا جيوشهم واساطيلهم لنصرة اهل غزة بل يريدون من الآخرين ان يقوموا بذلك.

 

ان قضية المعابر قضية سياسية بالدرجة الاولى تستخدمها اسرائيل للضغط على "حماس" لارغامها على الانخراط في العملية السلمية، وهنا يجب ان يكون واضحا لدينا ان الجمع بين المقاومة والسلطة في ظل وضعنا وامكانياتنا الحالية امرا مستحيلا، ولذا لا يجب ان نحاول تحقيق المستحيل بالالتفاف على طرف ليس له علاقة بالامر ونحمله المسؤولية، فاما السلطة والدخول في العملية السلمية، واما المقاومة والاصطفاف بصف المعارضة، وعندما نحصل على استقلالنا الكامل من حقنا تغيير الاتفاقية ونجعلها بين دولة فلسطين ومصر. اتمنى ان نفهم ذلك وليس كما ينادي بعضهم باحضار شركة لادارة المعبر.

 

في النهاية اقول للمتحاوين في القاهرة، اتمنى ان تدركوا كل هذه الحقائق وان تضعوا مصالح القضية والشعب فوق مصالحكم الحزبية الضيقة، وان تكون اولى الاوليات لديكم تشكيل حكومة وفاق وطني تكون مهمتها الاولى رفع الحصار واجراء الانتخابات التشريعية ليقول الشعب كلمته، وبناء عليها يتم انتخاب اعضاء المجلس الوطني على أسس سليمة، للبدء باصلاح منظمة التحرير. اما اذا كان حواركم يدور حول حصص هذا الفصيل او ذاك في المجلس او الوزارة او في مبالغ اعادة الاعمار، فعلى القضية السلام، واعلموا جميعا انكم جميعا مقصرون بحق شعبكم وقضيتكم وانه لا يوجد بينكم من يستطيع الزعم بانه بلا خطيئة، ليتخلف عن الرجم.. ارجموا والا رجمكم الشعب بما رجم به بوش في حفلة وداعه في العراق.

 

·        * كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رفح، عضو الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

انشر عبر