شريط الأخبار

عزمي بشارة: مواقف تركيا الأخيرة خيار حزب لا دولة

09:17 - 10 حزيران / مارس 2009

الجزء الثالث والأخير من حوار د.بشارة المفتوح مع جمهور إسلام أون لاين.نت

 

عزمي بشارة: مواقف تركيا الأخيرة خيار حزب لا دولة

 

مطيع الله تائب

 

شدد المفكر الفلسطيني البارز الدكتور عزمي بشارة، في الجزء الثالث والأخيرة من حواره المفتوح مع قراء شبكة "إسلام أون لاين.نت"، على أن المواقف التركية الأخيرة تجاه الفلسطينيين تعكس "خيار حزب حاكم، ولم يتحول بعد إلى خيار دولة"، موضحا أن السؤال الذي يجب أن يطرح هو كيفية تشجيع تركيا على المضي في هذا الطريق كدولة، وليس فقط كحزب.

بشارة اعتبر أن سوريا خرجت أقوى سياسيا بعد حرب غزة، لكنها بوضعها الحالي، وحجم اقتصادها غير قادرة على قيادة المنطقة، لافتا لوجود ثلاثة قوى نجحت في لعب دور الدولة الإقليمية في المنطقة وهي: إسرائيل وتركيا وإيران، وهذه الدول، إضافة إلى الولايات المتحدة تتقاسم، بحسب د. عزمي بشارة، "الفراغ الناجم عن غياب كيان قومي عربي حقيقي".

 

ورأى بشارة أن الدول العربية انتقلت من مرحلة "المتاجرة" بالقضية الفلسطينية إلى مرحلة "المناقصة"، مع "أن إسرائيل لا تساعد القوى المعادية للمقاومة لكي تثبت أن طريقها أجدى من مقاومة الاحتلال".

 

 

وبالنسبة لحزب الله اللبناني ودوره المقاوم، لفت "بشارة" إلى أن القرار الدولي 1701 غيَّر حالة الحزب الإستراتيجية، ليصبح " قوة دفاعية عن لبنان ضد عدوان أو هجوم إسرائيلي"، موضحا أن هذا لم يوضع بعد على المحك، وإلى تفاصيل الجزء الثالث والأخير من الحوار:

 

* هل تعتقد أن الدول العربية ترغب حقا أو في مصلحتها إيجاد حل للقضية الفلسطينية؟

 

- نعم أعتقد أن غالبية الدول العربية الساحقة تريد حلا للقضية يريحها من "همِّها"، فلقد ولَّت مرحلة المتاجرة بالقضية والمزاودة بشأنها، وحلت مكانها مرحلة المناقصة، فالدول العربية تريد علنا أن تتوصل إلى تسوية، وتحاول أن تقنع الفلسطينيين بأن يتحلوا بمرونة أكبر من أجل التوصل لتسوية حتى لو كانت غير عادلة.

 

لقد اختلفت الصورة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وبعد أزمة النظام العربي وحرب الكويت، ثم تفجيرات 11 أيلول، وغالبية الدول العربية تبحث عن استقرار في إطار الهيمنة الأمريكية.

 

* كيف خرجت سوريا بعد حرب غزة: أقوى أم أضعف! وهل هي قادرة على لعب دور هام في المنطقة (المصالحة الفلسطينية مثلا)؟

 

- سياسيا خرجت أقوى. ولكن سوريا تحتاج إلى وضع اقتصادي اجتماعي داخلي يمكنها من استثمار هذه القوة السياسية، فهي بحجم اقتصادها الحالي ووضعه، غير قادرة على قيادة المنطقة العربية، وحتى حالة إعلامها لا تسمح بذلك.

 

وعندما شهد الشارع حالة فراغ كانت تدعوها إلى ذلك، أقصد الانتفاضة الشعبية العربية أثناء الحرب على غزة، وجدنا أن سوريا قادرة على احتضان المقاومة، وعلى اتخاذ موقف سياسي ثابت ومبدئي، وهنالك تقدير عام لهذا الموقف، كما أنه فرض نفسه دوليا بكسر الحصار عليها، ولكنها غير قادرة على جعله خيارا إقليميا؛ لأنه ليس بوسعها أن تقود في ظرفها الراهن.

 

لقد ثبت أن هنالك لقاء بين الأمن القومي السوري وبين خيار رفض الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية والرأي العام السوري والعربي، وهذا أساس متين آمل أن تبنى عليه السياسات.

 

تقاسم الفراغ

 

* في الآونة الأخيرة لوحظ تنافس تركيا وإيران على لعب دور مؤثر في المنطقة العربية، هل هذا يعود لغياب دور عربي فعال ومؤثر أم أن هذه الدول تبحث عن أدوار في المنطقة لتكون دولا فاعلة في العالم؟

 

- هذه دول قومية متماسكة تلعب دورا في حماية أمنها القومي وفي تأمين مصالح لها في المنطقة كما تفعل الدول الإقليمية.

 

 الكارثة أن تركيا وإيران وإسرائيل هي الدول الوحيدة التي تطورت كدول إقليمية في ظل التقسيم الاستعماري للوطن العربي، وعدم تمكن دول المنطقة من لعب دور الدولة الإقليمية.

 

لقد ثبتت حرب 1967 هذا الوضع ثم أعادت الحرب على العراق تكريسه، ولقد نشأت دون شك مسألة عربية تسمح لدول إقليمية غير عربية عديدة (بالإضافة إلى أمريكا) بتقاسم الفراغ الناجم عن غياب كيان قومي عربي حقيقي، أو حتى دولة إقليمية عربية قادرة على لعب دور قيادي.

 

* هل دور تركيا المتنامي في المنطقة سيكون بمثابة محور ثالث متميز عن المحورين الموجودين-الممانعة و الاعتدال- أم أنه سيكون دورا جارفا لجميع المحاور؟

 

- دور تركيا يتطور إيجابيا وكذلك توجهها نحو المنطقة المحيطة بها، وهذا أمر جيد، إنها تعود إلى محيطها الطبيعي، ولكن ما زال هذا خيار حزب حاكم، ولم يتحول بعد إلى خيار دولة، أو خيار إجماع، أو خيار أمن قومي.

 

ما زالت تركيا منقسمة إلى عالمين، ومؤسسة الدولة التركية ما زالت ترى في إسرائيل حليفا، وترى في أمريكا حليفا، وما زال تبادلها التجاري والعسكري والأمني مع إسرائيل يفوق الدول العربية مجتمعة، وما زالت عضوة في حلف الناتو.

 

من المبكر الحديث عن خيار تركي جارف أو غيره، فهذه مبالغة، وقد شهدنا خفة في تقييم الموقف التركي دون دراية أو معرفة، وهي خفة ناجمة عن افتقار الحالة العربية لقيادات، وإعجاب العرب بحق بالطريقة التي يتصرف بها رئيس حكومة يحترم نفسه مثل أردوغان، السؤال الذي يجب أن يطرح هو كيفية تشجيع تركيا على المضي في هذا الطريق كدولة وليس فقط كحزب.

 

قوة دفاعية

 

* كيف تقيم آفاق المستقبل لقضية المقاومة خصوصا مع بروز معطى جديد، وهو قوى الاعتدال العربي التي تبدو أكثر قربا من الرؤى الإسرائيلية، وأكثر عداء لقوى المقاومة؟

 

- هذا الأمر ليس جديدا، وواضح أن الرد عليه يتم يوميا في الأعوام الأخيرة بين التكتيك الهادف إلى عدم فتح معارك كثيرة، ثم إلى الواقع الجغرافي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار، ثم إلى الرهان على أن الشعوب والرأي العام تقف مع المقاومة، وأن إسرائيل لا تساعد القوى المعادية للمقاومة أن تثبت أن طريقها أجدى من مقاومة الاحتلال، وأمريكا لا تؤثر بجدية على هذا الموقف الإسرائيلي، وهي في النهاية داعمة له.

 

* ما هو السبب وراء خوف إسرائيل من حزب الله أكثر من خوفها من حماس؟

 

- أولا: من يقيس مدى الخوف، لا أدري.

 

ثانيا: حزب الله لا يريد شيئا من إسرائيل، لا حرية حركة ولا فتح معابر ولا حصار، وهو في دولة ذات سيادة تحدها من الشرق سوريا ومن الغرب بحر مفتوح، وقد تمكن الحزب من إقامة بنية مقاومة قتالية بين حرب العصابات والجيش النظامي، أسميها هنا "جيريلا أو عصابات نظامية"، أو " جيش عصابات" إذا شئت.

 

أما حماس فهو تنظيم جل نشاطه في منطقة محتلة محاصرة، ومحاطة بدول مرتبطة مع إسرائيل بمعاهدات سلام، كما أنه في الضفة الغربية يعمل في ظروف ملاحقة أمنية مزدوجة وبتنسيق أمني من قبل السلطة الفلسطينية وأجهزتها من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وضع حماس كتنظيم وظروفه أصعب بما لا يقاس من وضع حزب الله.

 

ثالثا: لا يبدو أن لدى حزب الله أي توجه لأي تسوية مع إسرائيل لا مؤقتة ولا دائمة، وهو يؤكد باستمرار أن الصراع صراع وجود.

 

رابعا: لا تنسى أن قرار 1701 غيَّر حالة الحزب الإستراتيجية، وهذا ما لم يوضع بعد على المحك، ولا حتى مرة واحدة.

 

 الواضح الآن أن الحزب في ظل هذا القرار هو قوة دفاعية عن لبنان ضد عدوان أو هجوم إسرائيلي، ولكن هل يبادر الحزب لعمل مقاوِمٍ، أي لنشاط مسلح ضد إسرائيل من لبنان نفسها قريبا؟ هذا سؤال لا تتوفر عليه إجابة حاليا.

 

احتجاج دائم

 

* كيف يمكن الحفاظ على الزخم الشعبي والجماهيري الكبير من الشارع العربي الذي تفاعل مع الحرب على غزة، بل والدفع نحو تحفيزه بصورة أكبر حتى لا يفقد وهجه ويعود إلى حالة الخمول التي كان فيها؟

 

- هذا ليس سؤالا لفرد، إنه سؤال موجه إلى كافة الحركات والمنظمات الشعبية والمثقفين كل في بلده، أن يحدد الإطار العيني لاستمرار الاحتجاج في بلد معين، وضد التطبيع في بلد آخر؛ ولأجل قطع العلاقات في بلد ثالث لمساءلة النظام حول ما يقوم به لمعاقبة إسرائيل... وفي جميع البلدان في رفض ومراجعة نهج التسوية، ورفض التعامل مع من يراهن على الاحتلال والحصار وحروب إسرائيل لكسر شوكة خصومه الداخليين، وكأنه قوة وطنية لديها وجهة نظر... والتعاون مع إسرائيل ضد خصم داخلي ليس وجهة نظر مشروعة.

 

لقد آن الأوان للضغط لمراجعة نهج التسوية برمته، والثقافة التي صاحبته، وأدواته ومصطلحاته، ويكمن هنا تحدي كبير ليس فقط في بذل هذا الجهد، بل أيضا في ربطه بالدفاع عن الهوية العربية لكل بلد عربي وبمضامين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي تنشدها الجماهير في كل بلد عربي.

 

التحدي هو أن تكون المراجعة بروح عقلانية وديمقراطية ومتمسكة بالعدالة للشعب الفلسطيني، وربطها بالعدالة للشعوب العربية، فمن يناضل ضد نهج التفريط بفلسطين لا يصنع معروفا، بل يناضل ضد نفس النهج الذي يتعارض مع العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة في داخل كل بلد أيضا.

 

انشر عبر