شريط الأخبار

حول السياسة والعقلانية.. هآرتس

02:36 - 09 تشرين ثاني / مارس 2009


بقلم: غيل قلعي

(هو بروفيسور في الرياضيات وعضو مركز ابحاث المنطق في الجامعة العبرية في القدس)

في الحرب العالمية الثانية عادت طائرات حربية كثيرة من مهمات قصف في اليابان وهي مليئة بالثقوب الناجمة عن الرصاص. تقرر تحصينها والميل الطبيعي كان تحصين المناطق الواقعة في جسم الطائرة والتي تضررت بصورة مميزة. الخبير الرياضي جورج دنتيسك اوصى بتحصين المناطق الاقل ضررا بالتحديد. فهل كان محقا؟ بعد اشهر طويلة من قيام كل المحللين باعتبار فرصة هيلاري كلينتون ضئيلة، واصلت خوض الكفاح حول ترشيحها للرئاسة وعبرت عن ثقتها بانتصارها وواصلت مهاجمة خصمها. فهل تصرفت بصورة عقلانية؟ وهل تصرف بنيامين نتنياهو وتسيبي لفني بعقلانية عندما صرحا كلاهما عن انهما الفائزين في ليلة الانتخابات؟ وهل تصرف ناخبو ميرتس الذين صوتوا لكاديما بصورة عقلانية؟ هل هناك طريقة انتخابات سيكون من الاجدر لكل ناخب فيها ان يصوت فعلا وفقا لافضلياته؟

لماذا تتواصل المفاوضات الائتلافية حتى اللحظة الاخيرة حتى في الحالات التي يبدو فيها ان النتيجة معروفة سلفا؟ وهل تعبر المفاوضات عن الانا المضخمة للسياسيين اكثر من تعبيره عن مصلحة الدولة؟ وهل يمكن ان نتوقع نتائجه؟ وعموما، هل يتصرف السياسيون بصورة عقلانية؟

نظرية الالعاب تركز على محاولة فهم سلوك عدة اطراف من خلال نماذج رياضية. وهذه الاطراف تسعى لدفع مصالحها الخاصة في اطار هذه اللعبة. الحالات التي تقترح فيها نظرية التمثيل هذه حلولا كمية وقاطعة ذات قيمة عملية ولكنها قادرة على طرح فرضيات نوعية هامة بصدد السلوك العقلاني عموما، هي حالات نادرة.

دنتيسك كان محقا: المناطق المثقوبة في جسم الطائرة والمناطق التي يمكن لهذه الطائرة ان تحافظ على بقائها بعد ضربها، اما المناطق التي يتوجب تحصينها وزيادة مناعتها فهي تلك المواقع التي تؤدي الى اسقاطها ان اصيبت.

كلينتون تصرفت بصورة عقلانية جدا. الاعتراف في الهزيمة عندما كانت احتمالية الفوز ضئيلة يخفض احتمالاتها الى الصفر. نفس الشيء بالنسبة للفني ونتنياهو في ليلة الانتخابات. وانصار ميرتس ايضا الذين صوتوا لكاديما لم يتصرفوا بصورة عقلانية لانهم زادوا في تصويتهم هذا من فرصة لفني من تشكيل حكومة (من المفهوم ايضا ان انصار ميرتس الذين صوتوا لها قد تصرفوا بصورة عقلانية كذلك).

يسمون سلوك الناخب الذي يفضل التصويت لحزب لا توجد له مواقف قريبة من مواقفه في نظرية التمثيل سلوكا استراتيجيا او مناورا. هناك فرضية هامة لنظرية التمثيل واللعب تقول انه لا توجد طريقة انتخابات تكون فيها الطريقة الافضل لكل ناخب ان يصوت وفقا لافضلياته فقط. من هناك كل طريقة ديمقراطية مفتوحة للمناورة والتأويلات، ولكن هناك طرق سيئة واخرى افضل منها. الطريقة التي اقترحت مؤخرا والتي تشير الى ان رئيس الكتلة الاكبر هو الذي يعين لرئاسة الوزراء سيئة، لانها تزيد من حاجة الناخبين للتصرف المناور وتصعب عليهم تجسيد مواقفهم السياسية من خلال عملية التصويت.

نظرية التمثيل تقترح فرضية وقاعدة هامة ايضا بصدد نتيجة المفاوضات الائتلافية: الاتفاق حتى عندما يحسن وضع الجانبين لن يصمدا عندما يصبح من الافضل لاحد الطرفين ان يتنكرا له. لهذه الفرضية ايضا جانب ايجابي: ترسيخ الاتفاق سواء كان اتفاقا ائتلافيا او اتفاقا سليما او تجاريا – يستوجب انشاء اليات تتسبب في ان لا يكون من المفيد لاي طرف ان يتنكر له. انشاء وبلورة هذه الاليات هو احد المجالات الاهم لنظرية التمثيل.

ولكن في القضية الاكثر اثارة للفضول حول الائتلاف الذي سيتشكل، لا يمكن لنظرية التمثيل هذه ان تتنبأ او ان توصي بحل معين. فهل النتيجة معروفة سلفا حقا؟ من الاجدر ان نفكر في ذلك مرة اخرى. النتيجة ليست معروفة سلفا – لا للمحللين ولا للرياضيين ، ولا حتى للسياسيين انفسهم!

هناك اليوم حالة مزاجية شعبية تعتبر سلوك السياسيين عندنا تعبيرا صارخا عن اللا عقلاني. اعتقادي انا مخالف لذلك. المشكلة لا تكمن في التصرف غير العقلاني وانما في الصعوبة الحقيقية في اتخاذ القرارات في ظروف الغموض، وخصوصا في الواقع الذي يوجد فيه لاعبون كثيرون تسود فيما بينهم فوارق حقيقية – واحيانا عميقة – في الاهداف والمصالح والقيم.

انشر عبر